العشر الاواخر من رمضان وليلة القدر
تركي المطيري
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مَوْسِماً لِلطَّاعَاتِ، وَاصْطَفَى لَنَا الْعَشْرَ مِنْهُ لِلتَّنَافُسِ فِي الصَّالِحَاتِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مَنْ يَبْتَغِي بِهَا أَرْفَعَ الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي الْأَعْمَالِ الرَّضِيَّةِ وَطُلَّابِ الْمَعَالِي وَالْمَكْرُمَاتِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيرًا مَادَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ .أمَّا بَعدُ: فَاتَّقوا اللَّهَ -مَعَاشِرَ الصَائِمينَ-﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. عبادَ اللهِ: اعتبروا بِمُرورِ الأيامِ؛ فَها هُوَ رَمَضَانُ، يَتهيأ للرحيلِ، تصرمتْ أيامُهُ، وانقضتْ ليَالِيهِ؛ مضى أولُهُ وأوسَطُهُ، وَنَحنُ عَلى مشارِفِ آخِرِهِ، وآخِرُهُ هوَ خَيرُهُ وأفْضَلُهُ، واعْلَمُوا أنَّ الأيَّامَ خَزَائِنُ الأَعْمَال ومَطِيَّةُ الآَجَال، فبادِرُوا بالأعمالِ الصَّالِحَةِ ومَنْ جَدَّ فيمَا فاتَ فَلْيُضَاعِفْ فيمَا هُوَ آَتٍ، ومنْ قَصَّرَ فِيمَا مَضَى فَلْيُدْرِكْ بَقِيَّتَهُ وَلْيَتَدَارَكْ مِنْ غَفْلَتِهِ فَالأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ.
فَالعشر الأواخر مِنْ رمضانَ هي تاجُ الشهرِ وخُلاصتُه وواسطةُ عِقْدِه، العبادةُ فيها خيرٌ من العبادة في كلِّ ليالي العام، والعاقل من اغتنَمَ عَشْرَهُ فعَمَرَها بالقُرَب والطاعاتِ، وحَفِظَ نهاره وأحيَا ليله؛ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ» و«كان إذا دخل العشرُ شدَّ مِئْزَرَهُ، وأحيا ليلَهُ، وأيقظَ أهلَهُ».
فَفِي هذه اللَّيالِي المبارَكةِ المتبقِّيةِ يُستحبُّ الإكثارُ مِن ذكرِ اللَّهِ وتلاوةِ القرآن، وقيام الليل، قال: ابنُ رجبٍ رحمه الله: «فَأَمَّا الأَوْقَاتُ المُفضَّلَةُ – كَشَهْرِ رَمَضَانَ، خُصُوصاً اللَّيَالِي الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا لَيْلَةُ القَدْرِ -، فَيُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنْ تِلَاوَةِ القُرْآن اغْتِنَاماً لِلزَّمَانِ«.
وحَرِيٌّ بالمسلم فيها الحِرصُ على أَنْفَعِ الدُّعاءِ وأَجْمَعِه؛ قالت عائشةُ رضي الله عنها: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ، تُحِبُّ العَفْوَ؛ فَاعْفُ عَنِّي«
وحَرِيٌّ بالمسلم فيها بالاعتكافِ في المسجد، فالاعتكافُ مِن خيرِ الأعمالِ لتكفِيرِ السَّيِّئات، ورفعِ الدَّرجات، «فقد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عز وجل، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»، وينبَغِي للمُعتكِفِ أن ينقطِعَ للعبادةِ ويَشتغِلَ بمَقصُودِه الأعظَم، بعيداً عن فُضُولِ الخُلطةِ والكلامِ والمنامِ، ولا يخرُجُ مِن المسجِدِ إلَّا لحاجةٍ لا بُدَّ مِنها، قال ابن القيِّم رحمه الله: «وَمَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ وَرُوحُهُ: عُكُوفُ القَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبُّهُ وَالإِقْبَالُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ هُمُومِ القَلْبِ وَخَطَرَاتِهِ«.
وفي العشرِ المباركةِ: يَتحرَّى المسلمون ليلةَ القَدر؛ قال النَّبيُّ ﷺ: »تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ«، ليلةٌ عظيمةٌ ذاتُ قَدْرٍ وشَرَفٍ، أنزلَ اللَّه فيها سُورةً؛ تعظيماً لقَدرِها، وتشريفاً لأمرِها، وإعلاءً لشأنِها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ﴾، جعلها مُباركةً كثيرةَ الخَير؛ فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ومِنْ بركاتِها: نُزولُ القرآنِ فيها؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾، وفيها تتنزَّلُ الملائكةُ إلى الأرضِ؛ قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، قال ابنُ كثيرٍ رحمه الله: «يَكْثُرُ تَنَزُّلُ المَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، وَالمَلَائِكَةُ يَتَنزَّلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ البَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا يَتَنَزَّلُونَ عِنْدَ تِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَيُحِيطُونَ بِحِلَقِ الذِّكْرِ، وَيَضَعُونَ أَجْنِحَتَهُمْ لِطَالِبِ العِلْمِ بِصِدْقٍ؛ تَعْظِيماً لَهُ»، ليلةُ سَلامٍ وأمنٍ واطمئنانٍ؛ ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أي: سالِمةٌ مِن الشُّرور، إحياؤُها بالعبادة مغنَمٌ كبيرٌ؛ وفيها تُقدَّرُ مقادِيرُ الخلقِ لجميعِ العام؛ قال عز وجل: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. فالأعمالُ بالخواتِيمِ، والعِبرةُ بكمال النِّهاياتِ لا بنَقصِ البداياتِ، ومن أَسَاءَ فيما مضى فَلْيَتُبْ فيما بقِي؛ فبابُ التَّوبةِ مفتُوحٌ، وعطاءُ اللَّه ممنُوحٌ.
أعوذ باللَّه من الشَّيطان الرَّجيم ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، ونَفَعَنِي وإيَّاكُمْ بِما فِيهِ منِ الآياتِ والذِّكْرِ الحكيمِ، إِنِّه تَعَالى جَوادٌ كَرِيْمٌ، ملك برٌّ رءوفٌ رَحِيمٌ، فاسْتَغْفِروه إنَّه هو الغفورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وامْتِنَانِهِ، وأَشْهَدُ ألا إِلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إلى جنته وَرِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ وملائكتهُ والصالحون من خلقهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَعْوَانِهِ. أَمَّا بَعْدُ: فَاتُّقُوا اَللَّهَ -عِبَادَ اَللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الدُّنيا ساعاتٌ وأيَّام، وهي من صحائِفِ الأعمارِ، وعُمُرُ الإنسانِ منها عملُه، والسعيدُ مَن خلَّدَها بأحسَنِ الأعمالِ، والفائِزُ مَن اغتنمَّ بالخيرِ لحظاتِ وقتِه، ولم يُفرِّط في شيءٍ مِن دهرِه، والمَغْبونُ مَنْ غَفِلَ قلبُه، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، والمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ الخيرَ في رمضانَ، قال النَّبيُّ ﷺ: »رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ«.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ وَغَضِّ الْبَصَـرِ، وَتَرْكِ الْآثَامِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَصَالِحَ أَعْمَالِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُوَفَّقُ لِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَيُكْتَبُ لَهُ عَظِيمُ الْأَجْرِ، وَيُمْحَى عَنْهُ كُلُّ ذَنْبٍ وَوِزْرٍ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِينَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ الطَّيِّبِينَ وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ وَتَابِعِيَّهِمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ وَالمُسلمينَ، وَاجْعَلْ هَذَا البلدَ آمِنَاً مُطْمَئنَاً وَسَائرَ بِلادِ المُسلمينَ.اللَّهُمَّ وفِّق خَادَمَ الحَرَمينَ الشَريفينَ، وَوليَ عَهدِهِ لمَا تُحبُ وترضى، يَا ذَا الجَلالِ والإكْرَامِ.
اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ. اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ. عِبَادَ اللَّهِ: اذكروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكركم، واشكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكْرُ اللهِ أكبرُ واللَّهُ يَعلَمُ ما تَصْنَعُوْنَ.