الصيامُ وصناعةُ السادة

د. سلطان بن حباب الجعيد
1447/09/09 - 2026/02/26 12:46PM

                             الصِّيَامُ وَصِنَاعَةُ السَّادَةِ

 

الحمدُ للهِ ربِّ الأوَّلينَ والآخِرينَ، وجامعِ الناسِ ليومِ الدِّينِ، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِ الخلقِ أجمعينَ، أَشَمِّ الجبينِ، قائدِ الغُرِّ الميامينِ، صلاةً وسلامًا نُحشَرُ بها في أصحابِ اليمينِ.

 

أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ، فمَنِ اتَّقى اللهَ كانَ اللهُ معهُ. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذينَ اتَّقَوا وَالَّذينَ هُم مُحسِنونَ﴾ [النحل: ١٢٨].

 

وبعدُ: أيُّها الصائمونَ، فإنَّنا بحمدِ اللهِ لا نزالُ نتقلَّبُ في فضائلِ هذا الشهرِ، وننعمُ بخيراتِه، وننهلُ من معينِه.  ونسألُه سبحانهُ وتعالى أن يتقبَّلَ منَّا ثُلُثَه الذي مضى، ويوفِّقَنا في ثُلُثَيْهِ المتبقِّيَيْنِ لحُسنِ العملِ.

 

إنَّ اللهَ جلَّ وعلا ـ معشرَ الإخوةِ ـ أرادَ أن يجعلَ الصيامَ دواءً لأدواءِ نفوسِنا، فتستشفيَ به وتصحَّ، وتتخلَّصَ به من عللِها وأسقامِها.

 

ولذلكَ هو شاقٌّ على النفوسِ، كحالِ الدواءِ، فإنَّه مُرٌّ مذاقُه على المرضى، ولكنَّ عاقبتَه حميدةٌ.

 

وأدواءُ النفوسِ كثيرةٌ، والصيامُ تِرياقٌ لكلٍّ منها على حِدَةٍ، وكأنَّما لا علاجَ له إلا الصيامُ، أو كأنَّ الصيامَ لم يجدْ من الأدواءِ إلا هو.

 

وكلُّ ذلكَ يحصلُ بشرطِه؛ وهو مشاهدةُ المسلمِ لعيبِه، وعقدُ العزمِ على تغييرِه.

 

ومن هذه الأدواءِ داءُ الغضبِ وسرعةُ الانفعالِ، فإنَّه خُلُقٌ شيطانيٌّ مذمومٌ، يترتَّبُ عليه الكثيرُ من الشرورِ والآثامِ.

 

وليس علاجُ هذا الداءِ في شهرِ رمضانَ وصفةً نظريةً أو موعظةً عابرةً، بل يُقدِّمُ الصيامُ حلًّا عمليًّا وتدريبًا مستمرًّا؛ ليُكسِبَكَ ـ أيُّها الصائمُ ـ الخُلُقَ المُناقِضَ لهذا الغضبِ، وهو الحِلْمُ وكظمُ الغيظِ.

 

وذلكَ بأن يُهَيِّئَ جسدَكَ لتحمُّلِ هذا الخُلُقِ والتحلِّي به؛ فالصيامُ بسببِ الجوعِ يُضيِّقُ مجاريَ الدمِ، وهذا بدورِه يُضيِّقُ على الشيطانِ مسالكَه في جسمِ الصائمِ، ويُصعِّبُ عليه مهمَّةَ السيطرةِ عليه، كما جاءَ في الحديثِ الصحيحِ: «إنَّ الشيطانَ يجري من ابنِ آدمَ مجرى الدمِ» [متفقٌ عليه].

 

فالصائمُ بهذا أقدرُ من غيرِه على ضبطِ نفسِه. ثمَّ يأتي توجيهٌ نبويٌّ للصائمِ بخصوصِ هذا الخُلُقِ تحديدًا، يُبيِّنُ أنَّ الغضبَ والانفعالَ يُناقِضانِ روحَ الصيامِ ومقصودَه. قال صلى اللهُ عليهِ وسلم: «الصيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان أحدُكم صائمًا فلا يرفُثْ ولا يجهلْ، فإنِ امرؤٌ شاتمَه أو قاتلَه فليقلْ: إنِّي صائمٌ» [متفقٌ عليه].

 

فأنتَ في هذا الشهرِ ـ أيُّها المسلمُ ـ في مدرسةٍ تُؤهِّلُكَ لكي تكونَ من سادةِ الرجالِ وفضلائِهم؛ فخُلُقُ الحِلْمِ وكظمُ الغيظِ هو من أخلاقِ السادةِ الكبارِ، كما أنَّ الطيشَ والغضبَ من أخلاقِ الدونِ من الرجالِ.

 

وما أصدقَ عنترةَ عندما صوَّرَ هذه الحقيقةَ بقولِه:

 

لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُّتَبُ

ولا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ

 

ولأنَّه خُلُقُ السادةِ الكبارِ، فقد ذهبَ نبيُّنا عليهِ الصلاةُ والسلامُ بذروةِ سنامِه، وكان سجيَّتَه وطبعَه، وبه كان يُصِفُهُ مَن يلقاه، وجُعِلَ من علاماتِ نبوَّتِه؛ فإنَّ من علاماتِه عند أهلِ الكتابِ: أنَّ حِلْمَه يسبقُ غضبَه، ولا يزيدُه جهلُ الجاهلينَ إلا حِلْمًا.

 

ولو ذهبنا نستقصي مواقفَ وقَصَصَ النبيِّ عليهِ السلامُ في حِلْمِه لطالَ بنا المقامُ، فهو خُلُقٌ حاضرٌ في كلِّ تعاملاتِه.

 

وإليكم هذه القصةَ التي تُنبِئُ عن غيرِها: يقولُ أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه: «كنتُ أمشي مع النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وعليه بُردٌ نجرانيٌّ غليظُ الحاشيةِ، فأدركَه أعرابيٌّ فجبذَه جبذةً شديدةً، حتى نظرتُ إلى صفحةِ عاتقِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قد أثَّرتْ به حاشيةُ الرداءِ من شدَّةِ جبذتِه، ثم قال: مُرْ لي من مالِ اللهِ الذي عندكَ، فالتفتَ إليه فضحكَ، ثم أمرَ له بعطاءٍ» [متفقٌ عليه].

 

وكيفَ لا يكونُ ذلكَ طبعَه وسجيَّتَه عليهِ السلامُ؟! وهو الذي حازَ كلَّ صفاتِ المتقينَ، ومن صفاتِهم كظمُ الغيظِ، كما أخبرَ اللهُ عنهم بقولِه: ﴿وَسارِعوا إِلى مَغفِرَةٍ مِن رَبِّكُم وَجَنَّةٍ عَرضُهَا السَّماواتُ وَالأَرضُ أُعِدَّت لِلمُتَّقينَ ۝ الَّذينَ يُنفِقونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالكاظِمينَ الغَيظَ وَالعافينَ عَنِ النّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحسِنينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٤].

 

وكيفَ لا يكونُ طبعَه وسجيَّتَه؟! وقد أُمِرَ بذلكَ بقولِه تعالى: ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجاهِلينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].

 

ولم يتوقَّفْ ترغيبُه عليهِ السلامُ على التخلُّقِ بهذا الخُلُقِ الشريفِ عند تعاملِه مع الناسِ، بل أثنى على أحدِ سادةِ العربِ بهذا الخُلُقِ، وهو أشجُّ عبدِ القيسِ المنذرُ بنُ عائذٍ العَصَريُّ، حتى تشرئبَّ الأعناقُ إليه، وتتخلَّقَ بمثلِ خُلُقِه، وتعملَ مثلَ عملِه، لعلَّها تُصيبُ من هذا الثناءِ النبويِّ بنصيبٍ، وتحظى بحبِّ اللهِ وقربِه.

 

عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ لأشجِّ عبدِ القيسِ: «إنَّ فيكَ خصلتينِ يحبُّهما اللهُ: الحِلْمُ والأناةُ» [أخرجه مسلمٌ].

 

فهذا هو الصيامُ ـ أيُّها المسلمُ ـ عبادةٌ ترتقي بك في مدارجِ الكمالاتِ، وتغلبُ فيكَ دواعيَ الغضبِ والانفعالاتِ، لتلحقَكَ بمصافِّ الساداتِ، وتجعلَكَ من المتقينَ لربِّ الأرضِ والسماواتِ.

 

أقولُ قولي هذا…

 

 

الثانية:

 

وبعدُ: أيُّها الصائمونَ، الغضبُ سببٌ عظيمٌ لشرورٍ كثيرةٍ وآثامٍ جسيمةٍ، لها آثارُها الوخيمةُ على الفردِ والمجتمعِ.

 

فلو ذهبتَ تُفتِّشُ عن أسبابِ القتلِ الذي يتعرَّضُ بسببه القاتلُ لخزيِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ،

أو ذهبتَ تُفتِّشُ عن أسبابِ الطلاقِ الذي بسببه تتشتَّتُ الأسرةُ ويضيعُ الأولادُ،

أو ذهبتَ تُفتِّشُ عن أسبابِ الكلامِ الجارحِ الذي بسببه تدمى القلوبُ وتنكسرُ الخواطرُ ويحصلُ التدابرُ والتقاطعُ،

أو ذهبتَ تُفتِّشُ عن أسبابِ الخصوماتِ والملاسناتِ والمشاجراتِ في الشوارعِ والمجالسِ والأماكنِ العامةِ، والتي يضعُ الإنسانُ نفسَه بسببِها تحتَ طائلةِ الذمِّ والمطالَبَاتِ؛

 

لوجدتَ في أغلبِ الأحوالِ أنَّ الغضبَ هو سببُ كلِّ هذه الشرورِ.

 

وبذلك يعلمُ أن النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ، عندما أوصى الرجلَ بأن لا يغضبَ، وكرَّرَ ذلكَ عليهِ ثلاثَ مراتٍ، إنما أوصاه بوصيةٍ عظيمةٍ تصدُّ عنه الكثيرَ من الشرورِ.

 

أيُّها الإخوةُ، الصيامُ جُنَّةٌ كما وصفَه النبيُّ عليهِ السلامُ، وهو ليس جُنَّةً من عذابِ اللهِ فقط، بل هو أيضًا جُنَّةٌ من كلِّ هذه الشرورِ التي ذُكِرَتْ وغيرها، بأن يُدرِّبَنا على ضبطِ النفسِ وكظمِ الغيظِ، فما أعظمَه من شعيرةٍ وعبادةٍ جاءتْ بكلِّ خيرٍ للفردِ والمجتمعِ

هذا وصلوا وسلموا ..

 

المرفقات

1772099198_الصيام وصناعة السادة ( PDF).pdf

1772099243_الصيام وصناعة السادة ( وورد).docx

المشاهدات 257 | التعليقات 0