الصلاة نور

 

إنَّ الحمدُ للهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهُ اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومن يضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليمًا كثيرًا.

قالَ اللهُ تعالى:

﴿يا أيها الذينَ آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربَّكم وافعلوا الخيرَ لعلكم تفلحونَ﴾.

أما بعدُ، عبادَ اللهِ:

الصلاةُ من أعظمِ العباداتِ، والقربُ من اللهِ تعالى والخضوعُ لهُ من أجلِّ الطاعاتِ، ومناجاتُهُ ودعاؤُهُ أمرٌ يحبُّهُ اللهُ تعالى، ويعلي منزلةَ عبدِهِ، ويرفعُ من شأنِهِ.

جاءتِ الصلاةُ فرضًا من اللهِ تعالى تحققُ العبوديةَ للهِ تعالى، وتلبي حاجةَ العبدِ، وتروي عطشَهُ، وتقوي صلتَهُ بربِّهِ، وتزيدُ إيمانَهُ، وترفعُ درجتَهُ، وتهذبُ أخلاقَهُ، وتذهبُ سيئاتِهِ وأدرانَهُ، وتريحُ نفسَهُ، ويجدُ فيها سرورَهُ وأنسَهُ.

والإنسانُ في هذهِ الدنيا بحاجةٍ إلى نورٍ ينيرُ طريقَهُ ومسيرتَهُ إلى اللهِ تعالى، وأنوارٍ تظهرُ لهُ يومَ القيامةِ، والصلاةُ أعظمُ الأنوارِ التي تنيرُ لصاحبِها الطريقَ، وتوصلُهُ إلى رضوانِ اللهِ، وتبعدُهُ عن ظلماتِ الحيرةِ والضلالِ؛ فباتصالِ العبدِ بربِّهِ ومولاهُ في صلاتِهِ وإكثارِهِ منها يستمدُّ النورَ.

ومن أجملِ الأوصافِ لأثرِ الصلاةِ على المسلمِ الوصفُ النبويُّ، حينَ ذكرَ رسولُ اللهِ ﷺ الصلاةَ فقالَ: "والصلاةُ نورٌ" رواه مسلم؛ والمعنى أنَّ الصلاةَ تمنعُ من المعاصي، وتهدي إلى الصوابِ، وتنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ.

كما تكونُ الصلاةُ نورًا ظاهرًا على وجهِهِ في الدنيا، من البهاءِ والإشراقِ، ونورًا يعلو وجهَ صاحبِها يومَ القيامةِ.

وإنك تجدُ أكثرَ الناسِ نورًا في الوجوهِ أكثرَهم صلاةً وأخشعَهم فيها للهِ عزَّ وجلَّ.

فالصلاةُ نورٌ في القلبِ، ونورٌ في الوجهِ، ونورٌ في القبرِ، ونورٌ يومَ الحشرِ.

عبادَ اللهِ..

والمسلمُ في هذهِ الدنيا لا ينفكُّ عن مخالطةِ الناسِ، ومكابدتهِ للمالِ والأهلِ والولدِ، وبقدرِ استغراقِهِ في اللهوِ واللعبِ وعراكِهِ في الدنيا واشتغالِهِ بالحياةِ يقعُ في الشهواتِ والزللِ، ويرتكبُ الخطأَ، ويحصلُ منهُ التجاوزُ، فيقسو قلبُهُ، وتصيبهُ الغفلةُ، وتحصلُ الظلمةُ، فتأتي الصلواتُ الخمسُ تعيدُهُ إلى الاتصالِ باللهِ في نهارِهِ وليلِهِ، فتنيرُ وجهَهُ ودربَهُ، وتهدي قلبَهُ، وتضبطُ حياتَهُ وسائرَ أمورِهِ.

لا يكادُ العبدُ تصيبُهُ ظلمةٌ وغفلةٌ وقسوةٌ وبُعدٌ إلا أتتِ الصلاةُ تردُّهُ إلى ربِّهِ ومولاهُ، ولا يكادُ النورُ الذي استمدَّهُ من الصلاةِ يخفتُ حتى تأتيَ الصلاةُ التي تليها تمدُّهُ بالنورِ؛ فتلك هي الصلاةُ نورٌ وهدايةٌ وانشراحٌ.

قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصلاةُ". رواه ابن ماجه وأحمد

أيها الكرام..

وطبيعةُ الحياةِ الدنيا وكبدُها تشغلُ عنِ المبادرةِ إلى الصلاةِ، وتزاحمُ التبكيرَ إليها، ولكنَّ الشأنَ كلَّ الشأنِ في المبادرةِ وسرعةِ الإنابةِ والأوبةِ واستمدادِ النورِ، وأداءِ الصلاةِ الفائتةِ حينَ يذكرُها، حتى لا يذهبَ النورُ ويخفتَ الضياءُ، وتحلَّ الغفلةُ والقسوةُ.

قالَ ﷺ: "من نسيَ صلاةً فليصلِّ إذا ذكرَها، لا كفارةَ لها إلا ذلكَ". متفق عليه

فيأتي المسلمُ بالصلاةِ الفائتةِ ليبقى في نورٍ دائمٍ وضياءٍ لا ينقطعُ، يستمدُّهُ من صلتِهِ بربِّهِ تعالى خمسَ مراتٍ كلَّ يومٍ.

أيها الأحبةُ..

ومع أنَّ الصلاةَ نورٌ في ذاتِها، فالمصلي يطلبُ من اللهِ في سجودِهِ أنْ يستزيدَهُ نورًا، ليزدادَ في أفعالِهِ وتصرفاتِهِ وجميعِ حياتِهِ نورًا على نورٍ.

لقد كانَ ﷺ يدعو في صلاتِهِ ويقولُ: "اللهم اجعلْ في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعلْ لي نورًا". متفق عليه

ومن أمدَّهُ اللهُ بالنورِ في جميعِ أعضائِهِ وتقلباتِهِ وحالاتِهِ فليبشرْ من اللهِ ببيانِ الحقِّ والهدايةِ إليهِ، فلا يزيغُ ولا ينحرفُ، ولا يقعُ في الظلمةِ والزللِ.

وإذا استنارَ العبدُ في الدنيا بصلاتِهِ للهِ تعالى وقربِهِ منهُ، فليبشرْ بالنورِ التامِّ من اللهِ تعالى في قبرِهِ وحشرِهِ وعلى الصراطِ وفي ظلماتِ يومِ القيامةِ.

لما ذكرَ ﷺ الصلاةَ قالَ عنها: "من حافظَ عليها كانتْ لهُ نورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ". رواه أحمد وحسنه الألباني

وقالَ ﷺ: "بشرِ المشائينَ في الظلمِ إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامةِ". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه

ومن ابتعدَ عن الاتصالِ باللهِ، وفرطَ في أداءِ الصلاةِ، وتكاسلَ عن القيامِ لها، فسيلحقُهُ من الظلماتِ والحيرةِ بقدرِ ما فرطَ وتكاسلَ.

قالَ اللهُ تعالى: ﴿ومن لم يجعلِ اللهُ لهُ نورًا فما لهُ من نورٍ﴾.

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم، فاستغفروهُ إنهُ هو الغفورُ الرحيمُ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ على فضلِهِ وإحسانِهِ، والشكرُ لهُ على توفيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن سارَ على نهجِهِ إلى يومِ الدينِ.

أما بعدُ، عبادَ اللهِ..

لقد جعلَ اللهُ سبحانهُ وتعالى جنتَهُ التي هيأها لعبادِهِ درجاتٍ، وجعلَ أفضلَ الدرجاتِ فيها وأعلاها جنةَ الفردوسِ، ووصفَها رسولُ اللهِ ﷺ بقولهِ: "فإنهُ أوسطُ الجنةِ، وأعلى الجنةِ، وفوقهُ عرشُ الرحمنِ، ومنهُ تفجرُ أنهارُ الجنةِ". رواه البخاري

وسكنى هذهِ المنزلةِ الرفيعةِ من الجنةِ لا يبلغُها أهلُها إلا بفضلِ اللهِ وبرحمتِهِ سبحانهُ، وبأعمالٍ صالحةٍ يقومونَ بها.

ولما ذكرَ سبحانهُ وتعالى في كتابِهِ الكريمِ عبادَهُ المؤمنينَ المفلحينَ الذينَ يستحقونَ هذهِ المنزلةَ الرفيعةَ، أخبرَنا في مطلعِ سورةِ المؤمنونَ عن صفاتِهم وأعمالِهم، وذكرَ اللهُ تعالى ستَّ صفاتٍ لهم، بدأتْ وختمتْ بما يتعلقُ بأمرِ الصلاةِ؛ في الخشوعِ فيها والمحافظةِ عليها، والمداومةِ على أدائِها، وإتمامِ أركانِها وشروطِها وسننِها، وفعلِها في أوقاتِها في الجماعاتِ في المساجدِ.

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ٢ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ٣ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ٤ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ٥ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ٦ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ٧ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ٨ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ٩ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾

ربنا اجعلْنا مقيمي الصلاةِ ومن أزواجِنا وذرياتِنا، ربَّنا وتقبلْ دعاءِنا.

اللهم اجعلْنا من الذينَ هم على صلاتِهم دائمون.

اللهم اسكنَّا الفردوسَ الأعلى من الجنة.

وأكرمْنا برفقةِ نبيِّك محمدٍ ﷺ في أعلى جنةِ الخلد.

المرفقات

1770326846_الصلاة نور - للجوال.pdf

المشاهدات 73 | التعليقات 0