الصلاة ماحية الذنوب
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله نوَّر بالإيمان قلوبَ أهل السعادة، فأقبَلَت لطاعة ربِّها مُنقادَة، أشهد أن لا إله إلا الله أعظِم بها من شهادة، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المخصوص بالفضل والسيادة، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن اهتدى بهديه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا...وبعد:
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )
عباد الله:
إن من سنة الحبيب r تعظيم شأن الصلاة، إذ هي أعظم فريضة كتبها الله تعالى، ولا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقد صح عنه r قوله: « مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ»
خمس صلوات في اليوم والليلة جعلها الله تعالى قرة عيون الموحدين، وهناءة قلوب المؤمنين، لا تكاد تنتهي صلاة إلا وقلب المؤمن متعلق بالصلاة التي تليها، وهكذا تحلو الحياة بالصلاة.
ومع تلك اللذة العاجلة التي يجدها من خشع في صلاته، جعل الله تعالى بفضله وكرمه كل صلاة كفارة لما بينها وبين التي تليها.
بل إنك حين تتوضأ في بيتك كما شرع الله كان هذا الطهور كفارة لك، فإذا غسلت وجهك مُحيت سيئات وجهك حتى تنزل مع آخر قطر الماء، فإذا غسلت يديك محيت سيئات يديك مع آخر قطر الماء، فإذا مسحت رأسك ثم غسلت رجليك نزلت سيئاتك التي اكتسبتها بقدميك مع آخر قطر الماء، فتخرج بالوضوء من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.
فإذا قلت بعد وضوئك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فُتحت لك أبواب الجنة الثمانية تدخل من أيّها شئت، ثم إذا خرجت من بيتك قاصدًا المسجد لا تبتغي إلا الصلاة كان لك بكل خطوة تخطوها إلى المسجد أن ترفع بها درجة وتحط عنك بها سيئة وتكتب لك بها حسنة، حتى إذا دخلت من باب المسجد استقبلتك ملائكة الله تَبُش في وجهك فرحًا بقدومك، وكان على رأسك ملك يدعو لك، فإذا صليت ركعتين تحية المسجد خرجت بها من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.
هذا فضل الله تعالى علينا بهذه النعمة نعمة الصلاة فإذا كانت هذه النافلة قبل الفريضة وقد حصل بها هذا الأجر العظيم الهائل فكيف بالفريضة؟
فإذا أقيمت الصلاة ـ عباد الله ـ وقام المؤمن خلف إمامه فإنه قد قام مقاماً عظيماً بين يدي الله U، فإذا استقبل القبلة وكبَّر كشف الله الحجب بينه وبين عبده ما لم ينشغل عن صلاته، وأيُّ فضل أعظم من هذا الفضل؟ وأيُّ مقام أعظم من هذا المقام؟ أن تكون في صلاتك بين يدي الله قد كشف الحجب بينك وبينه، سله تعط، واطلبه تجب، توسل إليه تُكفَ، فأنت في رحاب ملك الملوك سبحانه وبين يديه.
وقد جاء عند البخاري ومسلم قوله r " إذا قالَ الإمامُ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فَقُولوا آمِينَ، فمَن وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ"
و " إذا قالَ الإمامُ: سمعَ اللَّهُ لمن حمدَهُ ، فقولوا : ربَّنا ولَكَ الحمدُ ، فإنَّهُ من وافقَ قولُهُ قولَ الملائِكَةِ غُفِرَ لَه ما تقدَّمَ من ذنبِهِ"
فكم مرة غُفر لك ما تقدم من ذنبك في صلاة واحدة، في وضوئك غُفر لك ما تقدم من ذنبك، في تحية المسجد غفر لك ما تقدم من ذنبك، في قراءتك الفاتحة خلف الإمام مرتين غفر لك بها ما تقدم من ذنبك، في قولك ربنا ولك الحمد أربع مرات غفر لك بكل واحدة منها ما تقدم من ذنبك، هذه ثمان مرات في صلاة واحدة إذا كانت الصلاة رباعية، فكم هو فضل الله تعالى علينا ؟
هذه الصلاة الماحية المطهرة المكفرة، فيا لهنائنا بصلاتنا يا عباد الله هي قرة العين، وأنس الفؤاد، إذا حرصنا على أن نؤديها في أكمل وجوهها كنَّا بها أسعد الناس وكانت سببًا في فلاحنا وراحة بالنا وأبداننا وسعةً في أرزاقنا و بركةً في عيشنا..
فاتقوا الله وأقبلوا على هذه الفريضة المباركة، وحذار من تركها أو تأخيرها أو التكاسل عن أدائها جماعة ..
{وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون}
الخطبة الثانية:
الحمد لله ذي الفضل العظيم، والصلاة والسلام على النبي الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ... و بعد:
قُلُوبُ البَشَرِ إِذَا أَحَبَّتْ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَهَامَتْ شَوْقًا إِلَيْهِ، وَهَكَذَا كَانَتِ الصَّلاةُ مَعَ أَهْلِهَا الخَاشِعِينَ، فَهِيَ مَلاذُهُمْ وَأُنْسُهُمْ وَرَاحِتُهُمْ، فَهَذَا إِمامُ العَابِدِينَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلاةِ"، وَمِنْ حُبِّهِ وَتَعَلُّقِهِ بِهَا كَانَ يَقُولُ لِبِلاَلٍ "أَرِحْنَا بِالصَّلاةِ يَا بِلاَلُ"، سَمِعَهُ النَّاسُ مِرَارًا وَهُوَ يَقُولُ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ".
ومثله من سلف الأمة كثير واسمعوا لبعضهم، كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة، أحيا بقيّة ليلته وكأنه رضي الله عنه يعاقب نفسه بذلك.
وهذا عدي بن حاتم (رضي الله عنه) يقول "ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلاّ وأنا على وضوء، وما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها" .
وهذا المروزي؛ كانت مهنته الصياغة، وطَرْق الذهب والفضة، فكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء للصلاة لا يردّها، أي أنه يُوقف عمله ويذهب إلى الصلاة.
ويقول سعيد بن المسيب - التابعي الجليل "ما أذّن المؤذن من ثلاثين سنة إلاّ وأنا في المسجد".
وقال وكيع بن الجراح: اختلفت إلى الأعمش قريبًا من سنتين؛ ما رأيته يقضي ركعة.
وأختم بقصة عامر بن عبدالله بن الزبير - وهو من كبار التابعين - سمع المؤذن لصلاة المغرب، وكان في سكرات الموت، فقال لمن حوله: خذوا بيدي إلى المسجد، فقالوا له: إنك عليل، قال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده، فدخل مع الإمام في الصلاة، فركع ركعة ثم مات رحمه الله.
هَذَا خَبَرُ سَلَفِنَا مَعَ صَلَاتِهِمْ، فَمَا خَبَرُنَا مَعَ صَلاَتِنَا؟! مَا حَالُنَا مَعَ أَوَّلِ فَرِيضَةٍ سَنُسْأَلُ عَنْهَا؟! مَا هِيَ اسْتِجَابَتُنَا؟ ما مدى حرصنا عليها؟ هل نشتاق إليها؟ هل نسعد بالوقوف بين يدي الله؟
آهٍ مِنْ غَفْلَتِنَا وَرَقْدَتِنَا عَنْ كُنُوزِ الحَسَنَاتِ وَبِحَارِ الأُجُورِ الَّتِي ضَيَّعَهَا مَنْ ضَيَّعَ يَوْمَ ضَيَّعَ صَلاَتِهِ، فَيَا مَنْ جَعَلَ صَلاَتَهُ خَلْفَهُ ظِهْرِيًّا هَذِهِ هَمْسَةٌ مِنْ قَلْبٍ مُحَبٍّ، وَوَقْفَةُ عِتَابٍ مِلْؤُهَا النُّصْحُ والود، قال المصطفى ( ولا يزال أقوام يتأخرون عن الصلاة حتى يأخرهم الله )؟!
المرفقات
1771249941_الصلاة ماحية الذنوب.docx