الزواجُ النبوي..               4/ 8 /1447هـ

د عبدالعزيز التويجري
1447/08/03 - 2026/01/22 14:17PM

الخطبة الأولى : الزواج النبوي  .                 4/ 8 /1447هـ

الحمدُ لله أحاط بكل شيءٍ علماً، وجعل لكل شيءٍ قدراً ، ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، لَه الأسماءُ الحسنى والصِّفاتُ العليا، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آله وأصحابِه ومن اهتدى بهديهِ إلى يوم الدِّينِ.

{ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

   الأسرة عماد المجتمع .. الأسرة منطلق الإحسان والكرم ، ومنبع الفضائل والشيم ..

           أُسَرٌ لَها فَوْقَ السَّماءِ أَسِرَّةٌ  ...  وَلِطِفْلِها الْحابِي هُناكَ مُهُودُ

          قومٌ أقاموا سوقَ كلَّ فضيلةٍ  ... كَسَدَتْ وَقامُوا وَالأْنامُ قُعُودُ

  بإنشاء هذه الأسر الصغيرة يروج سوق الفضيلة ، وتنحسر في المجتمعات الرذيلة ..

  إن المؤمن ليستبشر حين تظهر السنة ، وتعلن الفضيلة ، ويجتمع شمل الأسرة ..

تحية اجلال واكبار لشباب استجابوا نداء رسولهم m حين ناداهم باسمهم فقال «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ..»

وأخرى لفتيات عرفن طريق العفة والحشمة، وبناء المستقبل ببيت يرفل بالأنس والنماء، والسعادة والصفاء، فامتثلن قول المعصوم m«إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»

قَالَتْ عَائِشَةُ: إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ..

وزوج mابنته سيّدة نساء الجنّة بعلي بن أبي طالب على درعه الحُطيمة.. أترونَ هذا زهدًا بابنته؟ أو تحطيمًا لمستقبلها؟ كلا وربي، بل هذا نظرة العظماء الكبار العقلاء ، ممن يرون الزواج مشروعَ حياة، وبناءَ مستقبل يصنع من خلالها الأجيال، وأن البيوت تصنع بالمعاني لا بالمباني.. يعلم أمته أن الزواج ليس معاوضات مالية ، وإنما ميثاقا غليظا.. وليس مباهات اسرية وإنما مشروع حياة .. الحياة بسيطه عند العظماء ، وعظيمة القدر عند البسطاء ..

وخلفهم أُناسٌ يرونه مباهاةٌ أسريّة، و مُفاخرةٌ اجتماعية، وأصبح في ظلِّ هذه الآصار التي فرضها الناسُ على أنفسِهم طريقُ الحرام أيسرُ من الإعفاف بالحلال.

لا نتجاهل انفتاح وسائل التواصل بتسهيل الحرام وتأجيج الشهوات، وضعف الرقابة، فيا ليت العقلاء يدركون أنّ تعقيدِ أمر الزواج، و كثرةِ اشتراطاتهِ لكلا الجنسين عملٌ غير صالح، و نذيرُ شؤمٍ يهددُ المجتمع، و أنّ العنوسة و تأخر سنّة الزواج و العزوف عنه إذا استفحل فإنّهُ نذيرُ فواحش، و العلاقات الغير مشروعة بينَ عناصر المجتمع.

زوج عمر بن الخطاب h  ابنه عبدالله في الثامنة عشر من عمره.

   وتزوج أسامة بن زيد في السادسة عشر من عمره ، وتزوج جابر بن عبدالله قريبًا من ذلك.

قال ابن حجر : ولم يكن بين عبدالله بن عمرو وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة. وعن زيد بن أسلم قال: قال عمرُ بن الخطاب: زَوِّجوا أولادَكم إذا بَلَغوا، لا تَحمِلُوا آثامَهم.

هذا في زمنٍ لا تُرى فيه النساء في الشاشات، و لا المتبرجاتُ في الطرقات.

الزواج النبوي لايحتاج إلى وظيفة مرموقه ، أوتخرج من جامعة، إنما يحتاج إلى خلق راق ودين قويم ..

زوج النبي g  رجلًا فلم يسأله عن شهادته ولا منصبه  ولا دخله الشهري ، قال له هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ: لَا، قَالَ: «اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ شَيْئًا) فقال له قائد البشرية والعالم بمصالح الأمة «مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟» فَقَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَكَذَا ،، قَالَ: اذهب «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ»..  بوب عليه البخاري فقال: باب تزويج المعسر .

فما بال أناسُ من قومنا تبلغُ البنتُ عندهم قريبَ سنِ العشرين ويلقى في روعها وحسها بأنها صغيرة لاتعرف شيئاً ، والله قد كلفها بأحكام الإسلام الكبار، وخلق فيها الغريزة، سواء علينا علمناها ام تجاهلناها ، وما ظهرت العلاقات غير الشرعية، والبحث عن تفريغ الغريزة الشخصية إلا بتجاهل الأهل ضرورتها للبنت والشاب، فهي نار تحرق إذا تعقد وتاخر طريقها الشرعي، وقد صدق رسولنا عليه الصلاة والسلام ونصحنا بقوله «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ»

أتدرون ما الفساد الكبير..؟ الفساد العريض أن يصل الشاب إلى الحرام دون ديون يتحملها اواشتراطات يكون رهينها.. الفساد الكبير أن تزل قدم الفتاة بالرذيلة وقد حُرمت من العفاف من أجل اكمال دراسة أو وظيفة ..

لم يضع الله الغريزة الفطرية  ليُعنيَ بها أبناء الفقراء ، ويسعد بها الاغنياء.. بل هي فطرةٌ فطر الله الناس عليها ، يحصل اعفافها باليسير..

 وحين يفشوا مجارات الآخرين تتصعب أموره ، وحينها يُقتل العفاف، وتوأدُ الفضيلة بطريق الفساد، وهتك حجابِ السترِ والصيانة. إنها سوءاتٌ وخبائث… لا تظهر إلا إذا افتعلت الحواجز، وتنوعت العوائق أمام الراغبين من البنات والبنين. وتكدست البيوت بالعوانس من الشباب والفتيات ، واصبحت العفة بالحلال لاتنال الا بجسر من التعب..

إن التفكير المشوش حول المستقبل، والتخوف الذي لا مسوغ له. وربطه بالشهادات، والتعلق بالوظائف، وتأمين فرص العمل، والاشتغال بالترقي في سلم التعليم... ومشاركة الوالدين في هذا التخوف، وقبول المجتمع له، والرضا عن هذا المسلك يؤكد هذا الخلل في التفكير، والانقلاب في الموازين، وتزعزع الثقة بالله، وضعف النظر المتعقل {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}

 

الزواج ليس جديداً لا يعرفه الناس أو شيئا خارقا لابد أن يكون مبهرا ، بل هو يتكرر في كل ليلة وفي كل بيت فلا حاجة لإرهاق النفوس بدعوة القاصي والداني، وتثقل الكواهل بالديون من أجله، بل السنّة إعلان النكاح بدعوة الأقربين في مكان متواضع، والقصدَ القصدَ تبلُغوا، ولنا في سنة المرسلين قدوة «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ» أخرجه البخاري..  وأعلى وليمة أقامها النبي ﷺ في زواجاته يوم زواجه بزينب، قال أنس h: «مَا أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، أَوْلَمَ بِشَاةٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا» متفقٌ عليه.

أترونَ ذلك بُخلًا أو تقتيرًا؟ كلا وربي، وهو الذي يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وعرضت عليه خزائن الأرض.. ولكنّه يصنع هذا ليربي الأمّة بعمله، ويصنعَ البيوتَ بالفضائل لا بالمفاخر.

   تبني الفضائل أبراجًا مـشـيـدةً   ...   نـصـبٌ الخيـام الـتـي أروع الـخيـم

 إذا ملوك الورى صفوا موائدهم   ...   على شهي من الأكلات والأدم

 صففت مائدة للروح مطعمهــا    ...   عذب من الوحي أو عذب من الكلم

والترغيب بالزواج والحث عليه عام لكل أحد {فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ} والتعدد في الزواج دليل على الخيرية.. في صحيح البخاري قال سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: «تَزَوَّجْ فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً»

ولَقِيَ الخليفة الراشد عُثْمَانُ بن عفان ابن مسعود، فَقَالَ له: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا، تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ . متفق عليه..  وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على عثمان وأبي بكر، وكان لهم زوجات، بوب على ذلك البخاري فقال بَابُ عَرْضِ الإِنْسَانِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ عَلَى أَهْلِ الخَيْرِ «والدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة»

 أستغفر الله لي و لكم و للمسلمين و المسلمات، فاستغفره إنّ ربي غفورٌ رحيم.

الخطبة الثانية .. الحمدلله ولي الصالحين والصلاة والسلام على الرسول الكريم وآله وصحبه والتابعين . اما بعد ..

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} «وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا» وباليسير والقناعة ، يحصل الإعفاف والصون والكرامه ، وفي الرضا عيشة هنية ، وبالقناعة سعادة أبدية .. ولأجل بناء بيت رغيد سعيد يحسنُ من الوالدين تعليم البنت قبل الزواج وبعده بالتقدير القرآني للنفقة (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)  وعدم تكليف الزوج أوتحميل الأسرة بكاهل الديون من أجل سفرٍ أو مجاراتٍ للآخرين  (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)

وأن الصبر في بعض ضروف الحياة يعقبه فرج (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)

وتذكيرها بأن من تستعجل رزقها، وتكفر بنعمة ربها ، وتنكر الجميل وتكفر بالعشير ، مع الأيام تذوق وَبَالَ أَمْرِهَا وَيكَونَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا .

وأول وصيةٍ وآخر وصيةٍ من ربنا.. هي التقوى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا ).

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.

اللهم احفظنا بحفظك واسترنا بسترك

 اللهم وفق الطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات..

اللهم آمنا في دورنا وأصلخ ولاة امورنا ...

المرفقات

1769080668_الزواجُ النبوي.docx

1769080671_الزواجُ النبوي.pdf

المشاهدات 780 | التعليقات 0