الزواج المبارك 2
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله سوَّانا من العدم، وأفاض علينا من النعم، خضعت له الرقاب من عرب ومن عجم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، سقى الله به القلوب العطشى، ولمَّ به شمل النفوس الثكلى، هو القدوة وهو الأسوة وهو السراج وهو الهادي بإذن ربه إلى صراط مستقيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ... وبعد:
فأوصيكم -أيها الناس- بتقوى الله -عز وجل- (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)
أيها المؤمنون:
سعيد بن المسيِّب عالم تابعي مخزومي قرشي جليل القدر، تزوج بنت أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، سمّي بعالم المدينة، حتى كان الصحابة أنفسهم يسألونه ويستفتونه فقد كان أعلم الناس بالحديث وبالحلال والحرام في زمانه، ورشح مرارا للقضاء فأبى، وكان يدرس الحديث ويجتمع عنده خلق كثير، فقَدَ مرةً طالباً من طلابه كان ملازما لدروسه اسمه كُثير ابن أبي وداعة السهمي طالبُ علمٍ فقير، فلما جاء كُثير لحلقة شيخه، سأله سعيد عن سبب غيبته، فقال: توفيت زوجتي فانشغلت بها، فعزاه شيخه وقال: هلا أخبرتنا نقوم معك في شغلك، يا كثير هل تزوجت؟ فقال كثير، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين؟ فقال سعيد بن المسيب: أنا أزوجك ابنتي إن شئت، قال كثير فارتج علي وغاب عن ذهني كل قول، ابنة سعيد بن المسيب عالم المدينة التي تقدم لخطبتها الوجهاء والأمراء حتى تقدم لها ابن أمير المؤمنين وولي عهده الوليد بن عبدالملك بن مروان، وقد ضرب الإمام مئة سوط لأنه رفض تزويج ابنته لابن الأمير، يترك هؤلاء كلهم ويزوجني أنا، فحمد الله كثيرا ثم عقد له الشيخ على ابنته بدرهمين فقط.
قال كثير:
فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلي وجعلت أفكّر ممن آخذ وممن أستدين؟ وكنت يومها صائمًا فقدمت عشائي وكان خبزًا وزيتًا، فإذا بالباب يقرع، فقلت: من هذا؟ فقال: سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب، فإنه لم يُرَ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له الرجوع عن زواجي، فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ قال: لا، أنت أحق الليلة أن تؤتى، فقال سعيد: إنك كنت رجلاً عزبًا لا زوجة لك، فكرِهتُ أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا ابنته قائمة من خلفه في طوله، ثم أدخلها عليّ ودعا بالبركة وردّ الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراها.
ثم صعدتُ إلى السطح فناديت الجيران فجاءوني وقالوا: ما شأنك؟ قلت: ويحكم! زوّجني سعيدُ بن المسيب ابنته اليوم، وقد جاء بها إليّ على غفلة، وها هي في الدار، فآنسوها حتى آتي بأمي، فجاءت أمه وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام -تعني تزينها استعدادًا للدخول بها-.
قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل النساء وأحفظهن للقرآن، وأعلمهن بالسنة، وأعرفهن بحق الزوج، ومكثت شهرًا لا يأتيني سعيد بن المسيب ولا آتيه، فلما أن كان قرب الشهر أتيت الإمام في حلقته، فسلمت عليه فرد عليّ السلام ولم يكلمني حتى -تفرق- المجلس فلم يبق غيري، فقال: كيف رأيت أهلك؟ فقلت: خيرًا يا أبا محمد، على ما يحب الصديق ويكره العدو، فانصرفت إلى منزلي فوجه لي بعشرين ألف درهم إعانة لي ".
أيها المسلمون:
هذه القصة هي واحدة من عشرات القصص للآباء العقلاء أهل الفهم والبصيرة من يريدون الحياة الكريمة الهانئة لبناتهم، اختار لابنته الزوج الفقير الذي يخشى الله، زهد في ابن الأمير وفي قصوره ودوره وحشمه وخدمه، ضُرب على ذلك فأبى، تقدم لخطبتها غيره فأبى، لأن صوت الحق وصوت العقل يقول:
( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) دينه وخلقه صلاته وطاعته بره واستقامته أدبه وتعامله، ما قال رسول الله وظيفته دخله راتبه بيته وغير ذلك من زخارف الدنيا، قال دينه وخلقه، لأن الله هو الرزاق القائل عن من أراد العفاف: ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) ورسول الله قد أخبرنا فقال: ( ثلاثة حق على الله عونهم وذكر منهم الناكح الذي يريد العفاف ) حق على عونه ورزقه وتيسير أمره ... ومن أوفى بعهده من الله.
يعلمنا موقف سعيد بن المسيب رحمه الله درساً بالغ الأهمية عظيم النفع، علمنا بأن بناتنا ليسوا سلعًا نغالي في مهورهنّ ونتفاخر بكسوتهن، درهمين زوجت البنت المخزومية ذات النسب والحسب لِطَالب علم فقير لكنه رجل كفء يخشى الله ويخافه، لأن أعظم النساء بركة أقلهن مهرا ومؤونة.
وقد قال الحكماء: ( العجلة في خمسة أشياء محمودة ومنها: الكريمة إذا خطبها الكفء )
علمتنا القصة أن الزواجات لا يحتاج لها كلفة ومشقة، أخذ ابنته وسلمها لزوجها في نفس ليلة العقد،
وما نعيشه اليوم عند الكثير وللأسف الشديد من مظاهر البذخ والمباهاة، كلها والله ليست من الدين في شيء، إنما هو البطر الذي جعل نسبة العنوسة في المجتمعات تتزايد كل عام، وجعلت شبابنا يعزفون عن الزواج وربما وللأسف اضطروا للحرام.
في يوم الخِطبة يجتمع العشرات وتذبح الذبائح ذوات العدد، وعند النساء في الملكة زواج إلا قليلا، ويتكلف الزوج بأموال وهدايا لا طاقة له بها، وإذا جاء الزواج لم يُترك آدمي في شرق الأرض ولا غربها إلا دُعي، وخذ ما شئت من التكاليف التي والله ليسألنّ كل ولي وولية عنها، حتى ما تسمى بالشيلات أصبحت بالألوفات ويتراقص العقلاء قبل غيرهم وربما جُعلت قبل العشاء فكانت صوتاً ملعونا شؤما على الزوج وأهله مزمار عند نعمة، حيلة شيطانية وأغاني بمسمى آخر...
بالله عليكم عباد الله: بالله عليكم عباد الله:
أليس من الأولى أن تكون هذه المبالغ الطائلة في جيب هذا الزوج فتسد دينه، وتقر بزوجته عينه، وتبني بيته، وتريحه من أعباء الحياة ومتاعبها..
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ...
الخطبة الثانية:
الحمد لله يعلم ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، وصلى الله وسلم على خير الورى ، وعلى آله وصحبه ومن بسنته اقتدى . . وبعد :
أيها المسلمون:
قد يخالفني البعض فيما قلت في الخطبة الأولى، ويعتبرها مثالية زائدة لا يستطاع عليها في هذا الزمان، لكن من رأى بعين بصره وبصيرته وجد أن هذا هو عيْن السنة وهذا هو عين العقل حتى تُبنى البيوت مستقرة، لأن اختيار الرجل الذي لا يُرضى دينه ولا خلقه ثم الهاجس الماديّ والديون المؤرقة هذان أكثر ما يهدم بيت الزوجية، والواقع أمامكم يشهد...
لما خطب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة بنت خير البشر قال له رسول الله : ( أعطها شيئا ) قال علي: ما عندي شيء فقال ( فأين درعك الحُطَمية )؟
هذه بنت الحبيب المصطفى تُزوجُ بدرع، مهرها درع فقط، لا مغالاة ولا تكاليف ولا ديون ولا مشقة، هكذا يَبني أهل العقل بيوتهم...
والله إنا لنفرح إذا سمعنا بأشباه سعيد بن المسيب في مجتمعاتنا اليوم، وهم ولله الحمد موجودون نماذج تستحق أن تذكر وتشكر، يكتفي بالمهر المقرر ولا يزيد عليه، يرفض الكسوة رفضاً، وربما أعطى ابنته زوجها وهما أولى بالأموال التي تنفق في زواجهما، هؤلاء قد أصابوا العقل والسنة والفطرة، فرحم الله من كان للمجتمع قدوة وأسوة فيسر واختصر وأعان، في زمانٍ أُغرق بالمقارنات والتفاهات، ورحم الله من لبَّى داعي الله ورسوله فكان سببا في تسهيل زواج الشباب، و تقليل العنوسة، وبناء الأسرة.
فاتقوا الله عباد الله: ويسروا أمر الزواج، واحرصوا على من ترضون دينه وخلقه، وإياكم من الرغبة في المال دون الدين، فالمال عرض زائل وعارية مستردة، والبقاء للدين، يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، "إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".
المرفقات
1769335908_الزواج المبارك 2.docx