الزنا

الخطبة الأولى:

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، من أقبل إليه صادقا تلقاه ومن ترك لأجله أعطاه فوق ما تمناه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي اجتباه ربه واصطفاه، اللهم فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن نصره وآواه واقتفى أثره واتبع هداه... وبعد عباد الله:

( سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ *  ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ * ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ  )

أيها المؤمنون:

أبغضُ الفواحش وأقبحها وأشنعها عند الله تعالى الزنا، كبيرة من كبائر الذنوب، قرن الله الزاني بالمشرك سواء بسواء فلا ينكح الزاني إلا زانية مثله أو مشركة وكذا الزانية نعوذ بالله من عاقبة السوء، يُبغض الله الزُّناه، وتوعدهم بالعذاب الكبير الأليم العظيم في الدنيا والآخرة..

في صحيح البخاري أن جبريل وميكائيل انطلقا برسول الله قال عليه الصلاة والسلام وهو يخبر بمشهد من مشاهد رحلتهم ((فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّوْرِ فَإِذَا فِيْهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ، فَاطَّلَعْنَا فِيْهِ فَإِذَا فِيْهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُم يَأْتِيهِم لـَهَبٌ مِن أَسْفَل مِنْهُم، فَإِذَا أَتَاهُم ذَلِك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا أَي: صَاحُوْا مِن شِدَّة حَرِّه، فَقُلتُ: مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيْلُ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ الزُّنَاةُ، وَالزَّوَانِي))؛

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "ولا أعلم بعد الشرك وقتل النفس ذنبًا أعظم من الزنا"

الزنا من أعظم المفاسد، وأخطر الفواحش التي تهدد المجتمع؛ مرض يُبتلى به أقوام فإن أصروا عليه كان بلاءً لا يستطيعون الفكاك منه حتى وإن كَبُر السن ورقَّ العظم، نهى الله عباده أن يقربوه فقال : ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا )، ورتب عليه أشنع العقوبات العاجلة والآجلة؛ لأنه يدمر الأخلاق، ويخلط الأنساب، ويسبب حدوث الأمراض المستعصية والمهلكة؛ ففي الحديث قال : "ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا"

كما أنه مخل بالشرف والمروءة، ومؤدٍ إلى المرض والخزي والعذاب المهين، فالخيبة كل الخيبة لمن استعبدته شهوته لامرأة زانية، والندامة كل الندامة لمن أضاع نصيبه من الجنة واستبدل به ناراً حامية، والذل كل الذل لمن جاء يوم القيامة والصديد يسيل من فرجه... عياذًا بالله من سخطه..

يقول مكحول في تفسير قول الله -تعالى عن النار: (  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ  ( " يجد أهل النار رائحة منتنة فيقولون: ما وجدنا أنتن من هذه الرائحة، فيقال لهم: هذه ريح فروج الزناة".

ويقول ابن زيد ) : إنه ليؤذي أهلَ النار ريحُ فروج الزناة)

إياكم عباد الله والزنا فإن فيه خصالا ذكرها العارفون فهو يُذهب البهاء عن الوجه، ويقطع الرزق، ويُسخط الرحمن، ولا يأمن مؤمن عاقبته في الدنيا والآخرة.

 

يا عبد الله : اعلم يقينا أن الزنا دين، فإن رضيته لبنات الناس فيوماً ما سيبتلى الزاني بزنا أهل بيته، نظراتك التي زينها الشيطان وسولها لك لن يغض الناس أنظارهم عن محارمك..

الزاني تعجل له هذه العقوبة فيرى غِبها وأثرها في أسرته، وهذا قد وقع كثيراً، وأسوأ من هذا المرض أن يتبلد قلب الزاني فتتبلد معه الغيرة ولا يأبه بأهله ومحارمه ابتلاء من الله فيرضى في أهله الخبث و ( لا يدخل الجنة ديوث ) نسأل الله العفو والعافية..

وقد صور الإمام الشافعي -رحمه الله- ذلك بأبيات عجيبة، فقال:

عفوا تعف نساؤكم في المحرم *** وتجنبوا ما لا يليق بمسلم

من يزني ببيتٍ بألف درهم *** في بيته يزنى بغير الدرهم

من يزني يزنى به ولو بجداره *** إن كنت يا هذا لبيباً فافهم

إن الزنا دين فإن أقرضته *** كان الوفا من أهل بيتك فاعلم

يا هاتكاً ستر الرجال وقاطعاً *** سبل المودة عشت غير مكرم

لو كنت حراً من سلالة طاهر *** ما كنت هتاكاً لحرمة مسلم

 اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن....

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي عظَّم شأن الطهر والعفاف، وحذر من شأن الرذيلة والفحش والإسفاف، يعلم السر وما يخفى عليه خاف، وصلى الله وسلم على  بَيَّن لأمته طريق الهدى وحذرها من الغواية والانحراف، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما عاد مذنب لربه وخاف.. وبعد:
عباد الله: يقول الله تعالى:

( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ) لا تقربوا أسبابه فتقدموا عليه فتقعوا في ما حرم الله.

وأسباب الوقوع في الزنا متعددة ومن ذلك:

التساهل في إطلاق البصر والنظر إلى ما حرم الله تعالى، وقد أمرنا ربنا فقال:  (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ).

كـل الحوادث مبدأها من النظر * ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت في قلب صاحبها * فتك الســهام بلا قوس ولا وتر

نسأل الله في هذا المقام المبارك وربنا على كل شيء قدير أن يعيينا وذرياتنا على غض أبصارنا، والله إنا في زمن عجيب وبلاء كبير، فهذه الفتن قد انتشرت انتشاراً لم يسبق له مثيل في زمن من الأزمان وليس لها من دون الله كاشفة، الفتن في جوالك وسوقك وذهابك وإيابك، والسعيد من راقب الله وأكثر الأوبة والتوبة، وجاهد نفسه.. حتى يعلم الله صدقه فيعينه ويهديه.

كذلك من أسباب الوقوع في الزنا تبرج النساء، والتهاون في الحجاب الشرعي،

فالحجاب الشرعي للمرأة المسلمة صمام أمان لها وللمجتمع. قال الله تعالى: “وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن”. حجاب ضافٍ ساتر، ليس فتنة في نفسه

وجاء في الصحيحين قوله : (ما تركتُ بعدي فتنةً أَضَرَّ على الرجالِ من النساءِ) متفق عليه.

خضوع المرأة في القول وتميعها بالكلام مع الرجال يفتح أبواب الفتنة: قال الله تعالى: (يَانِسَاءَ النَّبِىِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).

وهذا نهيٌ لنساء النبي  الطاهرات عن الخضوع بالقول؛ حتى لا يطمع الذي في قلبه شهوة الزنا….. فكيف بغيرهن؟!.

ومن أسباب الزنا الاختلاط وخلوة المرأة بالرجل الأجنبي، قَالَ: “لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ” فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَاكْتُتِبْتُ فِى غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: “ارْجِعْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ” أخرجه البخاري ومسلم.

قرار المرأة في بيتها عبادة ما تعبدت امرأة بمثلها، وما يحصل من النساء من الخروج المتكرر وإثارة الرجال فيه من المآثم ما الله به أعلم ويا ويلها يوم تلقى ربها وقد حرمها رائحة الجنة كما قال “أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِىَ زَانِيَةٌ”

 

اللهم إنا نسألك العافية في ديننا ودنيانا وآخرتنا وعاقبة أمرنا اللهم طهر قلوبنا .................

 

 

المرفقات

1771249706_الزنا.docx

المشاهدات 14 | التعليقات 0