الرؤى والأحلام .. أ بالنبوة يُلعب !!
حامد الشثري
عنوان الخطبة : الرؤى والأحلام .. أ بالنبوة يُلعب 24/07/1446هـ
تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورا، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، صلـى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد:
ففي كتاب الله تبارك وتعالى، حكى الله عز وجل لنا قصصاً لتكون لنا عبرة، ولنتعلم منها ونستفيد، وما يعقلها إلا العالمون، قصص ذكرها الله عز وجل في كتابه، هي للعضة والعبرة، وأخرى للسلوان، وللبشرى أيضاً، ومن هذه القصص، قصة ابتدأت برؤيا عظيمة، فذلك الفتى الصغير رأى في المنام رؤيا، فهرع إلى والده ليقصها عليه، (يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، هنا .. فطِن الأبُ الصالح، الذي هو من ذريةٍ صالحةٍ مباركة، فهو نبيٌ وابنُ نبيٍ وجدهُ نبي ومن صلبه نبي أيضاً، فطن لهذه الرؤيا فقال (يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)، وهذا أدب من آداب الرؤيا، أن الإنسان يكتمها ولا يخبر بها إلا من يحبه، هذه الرؤيا أخبرتنا أن في طيات المحن منح، وفي طيات البلايا عطايا، وفي طيات المنع كرم ولطف من اللطيف سبحانه، فبعد ابتلاء يوسف في نفسه، وابتلاءه بالسجن، وما كان فيه من الضيق والعذاب، رفعه الله في منزل عليّ، ومكن له في الأرض وجعله على خزائنها، ثم ها هو يوسف عليه السلام، لما قال (ﵟ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ، وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) تذكر تلك الرؤيا، (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)، تذكر تلك الرؤيا التي رآها في صغره.
أيها المؤمنون:
الرؤيا حق، وهي إلهام من الله عز وجل للعبد، وهي للأنبياء وحي من الله عز وجل، ولذا يوسف لما دخل السجن، عبر تلك الرؤيا لما أتاه ذلك السجين، وأخبره بما رأى من الرؤيا، قال (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ۖ وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ)، وبعد سنوات من النسيان في السجن، يرى الملك تلك الرؤيا، فيقول (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)، وقد فطن الملك أن الرؤيا فتوى، فقال (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)، عاد السجين إلى يوسف عليه السلام، فأول له تلك الرؤيا، ثم كان ما كان له من العزة والرفعة والتمكين.
أيها المؤمنون:
امتن الله عز وجل على يوسف عليه السلام في هذه القصة، في ثلاث مواضع، أول موضع عندما رأى تلك الرؤيا في صغره، قال الله عز وجل (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، ولما اشتراه العزيز وأخذه عنده، قال الله عز وجل (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، وعندما رفعه الملك في ذلك المكان والمنصب، وجعله على خزائن الأرض، امتن الله عز وجل عليه بتأويل الأحاديث، (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ)، وقد فطن لها يوسف عليه السلام، فلما جمعه الله عز وجل بوالديه قال (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
أيها المؤمنون: الرؤيا الصالحة نافذة من نوافذ العلم، وجزء من أجزاء النبوة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كَشَفَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ السِّتَارَةَ والنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أبِي بَكْرٍ، فَقالَ: أيُّها النَّاسُ، إنَّه لَمْ يَبْقَ مِن مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا المُسْلِمُ، أوْ تُرَى له). رواه مسلم
الرؤيا الصالحة، يراها المرء في منامه، ولها دلائل على أمر، يتحقق له في اليقظة، إما بشارة، وإما نذارة، وإما تحذير.
الرؤيا الصالحة حق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (إذا اقْتَرَبَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيا المُسْلِمِ تَكْذِبُ، وأَصْدَقُكُمْ رُؤْيا أصْدَقُكُمْ حَدِيثًا) رواه مسلم.، والله عز وجل يقول في محكم التنزيل (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ، لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)، قال المفسرون: البشرى هي الرؤيا الصالحة، يراها المؤمن أو ترى له.
الرؤيا يا عباد الله هي جزء من النبوة، كما أخبر النبي e في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال (رُؤْيا المُسْلِمِ جُزْءٌ مِن خَمْسٍ وأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) رواه مسلم.، وهذه الرؤيا أثبت الإسلام حقيقتها، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: (كانَ النبيُّ e إذَا صَلَّى صَلَاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْهِهِ فَقالَ: مَن رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ قالَ: فإنْ رَأَى أحَدٌ قَصَّهَا، فيَقولُ: ما شَاءَ اللَّهُ) رواه البخاري.
الرؤيا الصالحة: تنشر السرور في نفس المؤمن، تحمله على فعل المحامد، وتعينه على اكتسابها، وتصرفه عن فعل المخازي، وتقويه على اجتنابها، فهذا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، يروي (أنَّ رِجَالًا مِن أصْحَابِ رَسولِ اللَّهِ e ، كَانُوا يَرَوْنَ الرُّؤْيَا علَى عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ e ، فَيَقُصُّونَهَا علَى رَسولِ اللَّهِ e ، فيَقولُ فِيهَا رَسولُ اللَّهِ e ما شَاءَ اللَّهُ، وأَنَا غُلَامٌ حَديثُ السِّنِّ، وبَيْتي المَسْجِدُ قَبْلَ أنْ أنْكِحَ، فَقُلتُ في نَفْسِي: لو كانَ فِيكَ خَيْرٌ لَرَأَيْتَ مِثْلَ ما يَرَى هَؤُلَاءِ، فَلَمَّا اضْطَجَعْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قُلتُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيَّ خَيْرًا فأرِنِي رُؤْيَا، فَبيْنَما أنَا كَذلكَ إذْ جَاءَنِي مَلَكَانِ، في يَدِ كُلِّ واحِدٍ منهما مِقْمعةٌ مِن حَدِيدٍ، يُقْبِلَانِ بي إلى جَهَنَّمَ، وأَنَا بيْنَهُما أدْعُو اللَّهَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بكَ مِن جَهَنَّمَ، ثُمَّ أُرَانِي لَقِيَنِي مَلَكٌ في يَدِهِ مِقْمعةٌ مِن حَدِيدٍ، فَقالَ: لَنْ تُرَاعَ، نِعْمَ الرَّجُلُ أنْتَ، لو كُنْتَ تُكْثِرُ الصَّلَاةَ ... فَقَصَصْتُهَا علَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ، علَى رَسولِ اللَّهِ e ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ e : إنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ، لو كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ نَافِعٌ: فَلَمْ يَزَلْ بَعْدَ ذلكَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ) رواه البخاري ومسلم.
الرؤيا الصالحة، هي سبب للنصر، وعون على الثبات، فقد امتن الله على نبيه e بما أراه من رؤيا في غزوة بدر، (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)
ولكن يا عباد الله، ثمة أمر هنا يجب أن يقف الإنسان عنده، أنه ليس كل ما يُرى في المنام هو من الرؤيا، وليس كل ما يراه المؤمن في منامه من الرؤيا الصالحة، فإن منها ما هو تحزينٌ من الشيطان، ومنها ما هو امتداد لحديث النفس في اليقظة، فإذا كان الإنسان في غم وفي هم وفي كدر، رأى أحياناً في منامه ما يتعلق بها، فتكون هي حديثُ نفس.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله e قال: (الرُّؤْيا ثَلاثَةٌ: فَرُؤْيا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، ورُؤْيا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ، ورُؤْيا ممَّا يُحَدِّثُ المَرْءُ نَفْسَهُ)، وأما ما تكون من الشيطان
فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله e (الرُّؤْيا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلُمُ مِنَ الشَّيْطانِ، فإذا حَلَمَ أحَدُكُمْ حُلُمًا يَخافُهُ فَلْيَبْصُقْ عن يَسارِهِ، ولْيَتَعَوَّذْ باللَّهِ مِن شَرِّها) ثم استمع إلى التوجيه النبوي العظيم عند ذلك قال (فإنَّها لا تَضُرُّهُ)، فمهما رأيت من الرؤى، ومهما رأيت فيها من مخاوف ومكدرات ، وآلام وأحزان مقلقات، فإذا فعلت ما أوصاك به النبي e من البصق عن الشمال، والاستعاذة من الشيطان، فإنها لا تضرك، وبذلك يا عباد الله يُكفى المسلم شر ما رأى، ويُحفظ من وساوس الشيطان، ويُحمى من ألاعيبه.
ولما كانت الرؤيا في الإسلام بهذه المنزلة، وكانت جزءً من خمسٍ وأربعين جزءً من النبوة، كان الكذبُ فيها شنيعاً وعظيماً، ومن أعظمِ ما يكونُ، أن يُري الإنسانُ نفسهُ مالم يرى، وهو من كبائر الذنوب، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله e قال: (إنَّ مِن أفْرَى الفِرَى أنْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ ما لَمْ تَرَ) رواه البخاري.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ۖ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا)
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني واياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر الأمة فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي غفور رحيم
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، رسول رب العالمين، صلـى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ثم أما بعد:
أيها المؤمنون: لإن كانت الرؤيا الصالحة من المبشرات، فإن العاقل يفرح بالبُشرى ويُسر، ويأنسُ بها ولكن لا يغتر، قال الإمام أحمد رحمه الله: (الرؤيا تسُر المؤمنَ ولا تغُرُه، فإنه لا يَقعُد عن عملِ الخيرِ معتمداً على رؤياً رآها، أو رؤيت له).
أيها المؤمنون: المؤمن عظيم التوكل على الله عز وجل، لا تأكُل قلبَهُ الأوهام، ولا تَفتِكُ به الهموم، فإن رأى في منامِه ما يكرهُ تعاملَ مع ما رأى بما أمر به الرسول e، فهذا الصحابي الجليل أبو سلمة رضي الله عنه يقولُ: لقَدْ كُنْتُ أرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي، حتَّى سَمِعْتُ أبَا قَتَادَةَ يقولُ: وأَنَا كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي، حتَّى سَمِعْتُ النَّبيَّ e يقولُ: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أحَدُكُمْ ما يُحِبُّ فلا يُحَدِّثْ به إلَّا مَن يُحِبُّ، وإذَا رَأَى ما يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ باللَّهِ مِن شَرِّهَا، ومِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، ولْيَتْفِلْ ثَلَاثًا، ولَا يُحَدِّثْ بهَا أحَدًا؛ فإنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ). رواه البخاري
المنامات والرؤى لا يُعول عليها في اثبات حكم شرعي، فالأحكام الشرعية قائمة على الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة، ومما يؤسَفُ له، ما يقوم به بعضُ معبري الرؤى عبر مواقع التواصل وغيرها، من إيغار الصدور، وبث الشحناء بين المسلمين، باتهام أشخاص رآهم الرائي في منامه، أنهم حسدوه أو أصابوه بالعين أو السحر، وقد يكونوا من أقرب أقاربه وأرحامه، فيقطع أواصر القربى، ويفسد مودة القريب دون ما بينة من هذا المعبر، والأدهى والأمر، أن يتكلم المعبر ببعض المغيبات التي لا يعلم عنها شيئاً كالإخبار ببعض أسماء الأقارب أو صفاتهم وبعض العلامات التي لا يعلمها أقرب الناس إليهم، وهذا من تلبيس الشيطان وإغوائه.
أيها المؤمنون: أ بالرؤيا تُبتر أواصر المحبة !! أم بها تُقطع الصلة بين الأقارب والأرحام!!، وتقام التهم والافتراءات، وتكال المزاعم والإدعاءات، بل إن بعض الرؤى قد توصل الرائي إلى قتل هذا الرجل الذي ذكره المعبر، معتقداً أنه قد أضر به وأفسد عليه حياته، والسببُ في ذلك .. مُعبرُ لا يتيقنُ ما يقول.
الرؤيا يا عباد الله، لا يتعلق بها الإنسان في مغيبات الأمور وكأنها حقائق ومُسلّمات، وإنما هي كما أخبر النبي e مبشرات، ثم إذا كان التقيُّ الصدّيقُ أبو بكر رضي الله عنه ثاني رجل في دولة الإسلام، يؤول رؤيا عند رسول الله e فيقول له النبي e أصبت في بعض وأخطأت في بعض، وهذا التابعي الجليل محمد بن سيرين، عالم التأويل والتعبير، لا يُفسر رؤيا إلا وقعت كما قال، كان يُسأل عن أربعين رؤيا فلا يجيب ويقول لا تفسير لها، ولا يجيب إلا عن واحدة.
ومالك بن أنس، إمام دار الهجرة رحمه الله، قيل له أيُعبِرُ الرؤيا كُلُ أحد، فقال أ بالنبوة يُلعب، وقال رحمه الله: لا يعبر الرؤيا الا من يحسنها، فان رأى خيرا أخبر به وإن رأى مكروها فليقل خيرا أو ليصمت، ثم قال الرؤيا جزء من النبوة فلا يُتلاعب بالنبوة.
فما بال بعض معبري الرؤى، يفسرها وكأنه يراها أمامه، ولم يعتذر من رؤيا قط، والبعض يتحدث بالتواريخ والأيام، حتى وصل بهم الأمر إلى الدخول في التحديات، وذكر نتائج المباريات، والحديث في السياسة والاقتصاد والانتخابات، لو صدق في بعضها فقد كذب في أكثرها والعياذ بالله، كُلُ هذا لأجلِ حَفَنَةِ ريالاتٍ، وزيادة متابعاتٍ ومشاهداتٍ، ترهاتٌ .. العاقل في غنى عنها،
هذه الرؤى والأمور من الغيبيات التي لا يتعلق الإنسان فيها إلا بخالقه ومولاه، (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله)، (ذلكما مما علمني ربي)
أيها المؤمنون: ومن كان سائلاً عن رؤيا ولا بد، فليعلم أن الله عز وجل على كل شيء قدير، وأن مستقبل الأمر بيده سبحانه، وأنه لن يصيب المرء إلا ما كتب الله له، رآه في منامه أو لم يره.
أيها المؤمنون: استعينوا بالله ربكم، وحافظوا على توكلكم وايمانكم، وحصنوا أنفسكم وذرياتكم، والزموا طاعة ربكم، تفوزوا وتفلحوا في الدنيا بالحياة الهانئة السعيدة، وفي الآخرة بالرضوان والجنة العالية الرفيعة.
هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداه، والنعمة المسداه، محمد بن عبدالله كما أمركم الله في محكم التنزيل فقال ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما )
المرفقات
1737660883_خطبة الرؤى والأحلام .. أ بالنبوة يُلعب 24-07-1446هـ.docx
1737660884_خطبة الرؤى والأحلام .. أ بالنبوة يُلعب 24-07-1446هـ نسخة.pdf
1737660884_خطبة الرؤى والأحلام .. أ بالنبوة يُلعب 24-07-1446هـ.pdf