الذكاء الاصطناعي بين نعمة التمكين ومحنة الانحراف
د أحمد بن حمد البوعلي
الذكاء الاصطناعي بين نعمة التمكين ومحنةالانحراف
خطبة يوم الجمعة 30 / 1 / 1447 هـ - جامع الشيخ علي بن عبد الله ال ثاني - حي المزروع - الخطيب د. أحمد بن حمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أكرم الإنسان بالعقل، وشرّفه بالعلم، وجعله خليفة في الأرض ليعمرها، ثم علّمه بالقلم، وعلّمه ما لم يعلم. نحمده سبحانه خلق الخلائق وأحكم، وشرع الشرائع وحلل وحرّم، وفتح العقول، وأقام الحجة وفهم. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الرب الكريم الأكرم، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المرشد إلى السبيل الأقوم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران 102.
أيها المسلمون، إن من أعظم النعم التي امتن الله بها على عباده نعمة العقل، وهي أساس التكليف ومسؤولية الاستخلاف، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ الأنعام 165. وبالعقل يفهم الإنسان الوحي، ويعمر الأرض، ويتعامل مع ما يجد من أدوات وتقنيات، ومنها ما نشهده في عصرنا من ثورة الذكاء الاصطناعي.
لقد رأينا في زماننا تقنيات متسارعة، ووسائل متشابكة، وأساليب جديدة تؤثر في حياة الناس وأعمالهم، مما يوجب البصيرة والاتزان، فلا نغلو ولا نجفو، بل نأخذ بالتطور النافع ونقف عند حدود الشرع، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ القصص 77.
والذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد فكرة أو تجربة محدودة، بل أصبح جزءا من التعليم والصحة والمال والصناعة والخدمات، بل امتد أثره إلى حياتنا اليومية، وصار أداة يتعامل معها الكبير والصغير.
ومعناه كما يعرّفه أهل الاختصاص: أنظمة قادرة على محاكاة بعض خصائص التفكير البشري مثل التعلم والتحليل واتخاذ القرار، فهو قدرة الآلة على الاستفادة مما برمجت عليه وما خزّن فيها، فتقوم بمهام يشابه بعضها ما يفعله العقل البشري.
الذكاء الاصطناعي هو: قدرة الأنظمة الحاسوبية على تنفيذ مهامتحتاج إلى ذكاء بشري، مثل التحليل والاستنتاج ومعالجة اللغة واتخاذالقرار، وذلك عبر خوارزميات تتعلم من البيانات وتحاكي بعض قدراتالعقل البشري.
قال تعالى: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" البقرة 29
وهذه الآية أصل في إباحة الاستفادة من كل ما في الأرض، ومنهاالتقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي، ما لم يرد نص يمنعه.
وهذا كله من تسخير الله للإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الجاثية 13. وقال سبحانه: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ العلق 5.
وهذا يشمل العلوم، والصناعات، والآلات، وكل ما يكتشفه الإنسانويسخره لخدمة مصالحه.
أيها المسلمون، إن هذه التقنيات نعمة من الله، لها فوائد عظيمة، ومنها:
• أنها تختصر الوقت وتيسر الأعمال.
• تسهم في تطوير التعليم والصحة وتحليل البيانات.
• تدخل في خدمة القرآن الكريم والسنة عبر برامج الحفظ والتفسيروالبحث.
• تمكن ذوي الاحتياجات الخاصة من وسائل تعينهم على التواصلوالمعيشة.
• تساعد الجهات العلمية والبحثية في الاكتشاف والتحليل والتنبؤ.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (1). وفي الإتقان يدخل تحسين الوسائل التي تخدم مصالح الناس وتحقق النفع لهم.
لكن، ومع هذه الفوائد، فإن له مخاطر إن لم يضبط بضوابط الشرعوالحكمة، ومن ذلك:
• فقدان بعض الوظائف وانتشار البطالة.
• ضعف التفكير والاعتماد الزائد على الآلة.
• انتهاك خصوصيات الناس عبر جمع البيانات دون إذن.
• استخدامه في الحروب أو نشر الفتن أو تضليل الناس.
• نشر الشبهات أو تزييف الحقائق أو تقليد أصوات العلماء.
وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتُفْسِدُوا﴾ الأعراف 56. فالتقنية إن استعملت في الفساد صارت وبالا على أهلها.
والمؤمن يتعامل مع هذه المستجدات على أنها من تقدير الله ومن باب التسخير والتمكين، قال تعالى: ﴿لِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ المائدة 120. وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ البقرة 31.
فما هذه الصناعة إلا صورة من قدرة الله، ودليل على استعدادالإنسان للتعلم والابتكار.
وقد قرر العلماء أن كل ما كان وسيلة مباحة نافعة يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» (2)، بشرط ألا يخالف نصا ولا قاعدة شرعية.
فالذكاء الاصطناعي أداة، إن أحسن استخدامها كانت نعمة، وإنأسيء استخدامها كانت نقمة.
فاتقوا الله عباد الله، واستعينوا بنعم الله على طاعته، ولا تجعلوا هذهالنعم سببا للبطَر أو الوقوع في الإثم.
أيها المسلمون، إن من الواجب اليوم أن نربي أبناءنا على الوعي الرقمي، وأن نغرس فيهم الضوابط الشرعية والأخلاقية، وأن نبصرهم بعواقب التعامل غير المنضبط مع هذه التقنيات، حتى لا يكونوا عبيدا لها، بل مستخدمين لها في الخير وطاعة الله.
فاتقوا الله عباد الله، واستعملوا ما سخره الله لكم في طاعته، واحذروا أن تكون هذه النعم سببا في البطَر أو المعصية أو إضاعة الأوقات، أو التعدي على حقوق الناس.
اللهم اجعل هذا العلم نعمة ورفعة، ولا تجعله سببا لفساد أو إضلال، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آلهوصحبه.
أما بعد، فاتقوا الله عباد الله، وأطيعوه تنالوا رضاه.
أيها المسلمون، لقد يسرت التقنية الحديثة وخاصة الذكاء الاصطناعي كثيرا من المهام التي كانت تستغرق أياما وساعات، فانتفع به من أحسن استخدامه، فطور نفسه، ونفع غيره، ونشر العلم، وأعان على تعليم القرآن والسنة، وساعد على خدمة المجتمع، وبث الوعي بدين الله.
لكنها، في المقابل، فتحت أبوابا من الشر إن لم يتق الله العباد. فمن الناس من استخدمها في التشكيك في الدين، أو نشر الإلحاد، أو تقليد أصوات العلماء لتزوير الأقوال، أو نشر الصور والمقاطع المفبركة، أو التجسس على خصوصيات الناس، وهذه أبواب محرمة شرعا.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَالظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ الحجرات 12.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه (3).
وعلى المسلم أن يحذر من أن يكون أداة في نشر الفتن أو إشاعة الأخبار المكذوبة، خاصة في زمن تتشابه فيه الحقائق، وتكثر فيه الصور المصطنعة، والمقاطع المزورة، فيصدق كثير من الناس كل ما يرونه دون تثبت، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات 6.
كما يجب أن يعلم المسلم أن هذه التقنيات مهما بلغت فهي مخلوقة ضعيفة، لا تعلم الغيب، ولا تملك الضر ولا النفع، إنما هي خاضعة لإرادة الله، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ البقرة 255.
أيها المسلمون، إن التقنية نعمة، ولكنها تحتاج إلى تقوى وأمانة ووعي،ومن أوجب الواجبات اليوم أن نستخدم الذكاء الاصطناعي في الخير، وأن ندفع به الشر، وأن نكون أمناء على ما نكتب وما ننشر، وأن نجعل مخافة الله أمام أعيننا، فإن الله يراك ويعلم سرك ونجواك.
اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا، ووفقنا لاستخدام ما وهبتنا في طاعتك، واحفظ مجتمعاتنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في السر والعلن، فالذي يعلم خائنة الأعينوما تخفي الصدور مطلع على ما يعمل كل إنسان.
ثم صلوا وسلموا كما أمركم الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ،يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الأحزاب 56.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبهأجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين والصحابةأجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.
اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى، واحفظ بلادنا وبلاد المسلمين.
اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عنالمدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
اللهم كن لإخواننا في فلسطين وفي كل مكان عوناً ونصيرا.
اللهم من أراد بلادنا وعقيدتنا ومقدساتنا بسوء فاشغله بنفسه، واجعلتدبيره تدميرا عليه.
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، والله يعلم ما تصنعون.
اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتنما ظهر منها وما بطن.
عباد الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِيالْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النحل 90.
الهوامش
1- رواه البيهقي في السنن الكبرى 5317، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1113.
2- رواه مسلم 2363.
3- رواه مسلم 2564.