الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة

الحوض المورود للنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة

ألقيت في جامع حمراء الأسد بالمدينة المنورة 7/ 7/ 1442

الخطيب: عبدالله بن عبدالرحمن الرحيلي

---------------

 

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيدا .

 

أمَّا بعد؛ فأوصيكم بتقوى الله عز وجل التي لا يَقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يُثيب إلا عليها؛ فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلني الله وإياكم من المتقين.

 

أيها المسلمون: إن يوم القيامة يومٌ عظيمُ الأهوال؛

يومٌ تشقَّقت السماءُ لهولِهِ ... وتَشيبُ فيه مفارقُ الوِلدانِ

يومٌ عبوسٌ قمطريرٌ شرُّه ... في الخلق منتشرٌ عظيمُ الشانِ

 

يقوم الناس لرب العالمين حفاةً غيرَ منتعلين، عراةً غيرَ لابسين، غرلًا غيرَ مختونين.

يَفِرُّ الإنسان من أحب الناس إليه، من أمه وأبيه، وأخيه وزوجته وبنيه.

 

تدنو فيه الشمس قَدْر ميل، وتزدحم فيه الأممُ يبحثون عن ظل ظليل، و((يَعرقُ الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقُهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويُلجمهم حتى يبلغَ آذانَهم))

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يبلغُ الناسَ من الغمِّ والكربِ ما لا يطيقون وما لا يحتملون"

 

وعلى إثرِ هذه الأهوال في هذا اليوم الطويل العظيم، يبلغ بهم العطشُ مبلغا عظيما يحرق أكبادَهم، فيبحثون عما يروِّي ظمأهم.

فأما الكفار والمنافقون فيا خيبتهم ويا حسرتهم ويا سوء عاقبتهم؛ أعمالهم ﴿ أَعمالُهُم كَسَرابٍ بِقيعَةٍ يَحسَبُهُ الظَّمآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَم يَجِدهُ شَيئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَريعُ الحِسابِ﴾ [النور: 39]

 

و يَمُنُّ ربنا المنان الكريم على عباده المؤمنين ؛ فيجعل في أرض المحشر أحواضَ ماءٍ للواردين، يوقِفُ عليْها الرُّسلَ والنبيين:

 

قال صلَّى الله عليْه وسلَّم ((إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وإنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أيُّهُمْ أكْثَرُ وارِدَةً، وإنِّي أرْجُو أَنْ أَكُونَ أكْثَرَهُمْ وَارِدَةً)).

 

فهذا حوض نوح وهذا حوض إبراهيم، وهذا حوض موسى وهذا حوض عيسى، وحوضُ نبيِّنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – أعظمها ماء، وأكثرها واردة.

 

الحوض أيها المؤمنون.. مأوى أهل الإيمان قبل دخول الجنة؛ يُروى عنده الظمأى، و يَأمن عنده الخائفون، ويَسعد عنده المحزونون.

 

 

وحوض النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم سَعته على الحقيقة إلا الله -تعالى، حدَّثنا عنْه صلى الله عليه وسلم فقال: ((حَوْضِي مَسِيرةُ شَهْرٍ، وزَوَاياهُ سَوَاءٌ)) طوله مسيرة شهر وعرْضه مسيرة شهر.

 

ماؤه أبيض من اللَّبن، وريحُه أطْيب من المسك، وآنيتُه كنجوم السَّماء في عددِها ونورِها ولمعانِها، وهو أبْردُ من الثَّلج، وأحْلى من العسل.

 

مَن شرِب منه شربةً لا يظْمأ بعدها أبدًا، ولم يسودَّ وجهه أبدا.

 

إنها صفات عظيمة، تأخذ بلبِّ المؤمن وقلبِه، وتقوِّي صلتَه بربِّه، وتزيدُه إيمانا ويقينا بوعده.

 

إن الحَوض عباد الله أرضٌ واسعةٌ في أرض الموقِف، يملؤُها الله ماءً من نهر الكوثر، يصُبُّ في هذا الحَوض ميزابان من ذهبٍ وفضة من نهر الكوثر.

قال صلى الله عليه وسلم عن الكوثر (نهر من الجنة يَسيل في حوضي)

 

ماء الحوض عظيمٌ لا ينقص، وكثير لا ينتهي، يشرب منه المؤمنون لذة وهناءة ونعيما.

 

حوض النبي -صلى الله عليه وسلم- حوض عظيم ومورد كريم، يرده أهل الحق الذين يتمسكون بسنته ويعملون الصالحات، يرده المحافظون على الوضوء والصلوات.

 

سأل الصحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: كيف تعرفُ من لم يأتِ بعد من أمتك؟! قال: أَرَأَيْتم لَوْ أَنَّ رَجُلا لهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحجَّلَةٌ بيْنَ ظهْريْ خَيْلٍ دُهْمٍ بِهْمٍ، أَلا يعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بلَى يَا رسولُ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهُمْ يأْتُونَ غُرًّا مَحجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وأَنَا فرَطُهُمْ على الحوْضِ ) .

 

الله أكبر.. بشراكم يا أهل الوضوء والصلوات، بشراكم يا حُضَّار المساجد والجماعات؛ خصكم الله بخصيصة ليست لغيركم؛ يعرفكم بها نبيكم - صلى الله عليه وسلم -.

 

قال –صلى الله عليه وسلم-: "تَرِدون عليّ الحوضَ غرًّا محجِّلين من آثار الوضوء، ليست لأحد غيركم".

 

يرِدَ الحوضَ المستقيمون على طاعة الله، والمتبعون لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و يُذاد عنه المرتدون المحدثون.

 

قال صلى الله عليه وسلم: " إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ ، فَلَيُقَطَّعَنَّ رِجَالٌ دُونِي ، فَلَأَقُولَنَّ : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَلَيُقَالَنَّ لِي : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ "

يُقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول صلى الله عليه وسلم: (سحقاً سحقاً، لمن بدّل بعدي).

 

وقال عليه الصلاة والسلام (أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ؛ أُنَادِيهِمْ : أَلَا هَلُمَّ . فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا )

 

فسُحقا لمن ارتدَّ عن دين الله، سُحقا لمن أحدث في دين الله ما لا يرضاه، فما أحرى هؤلاء بالطرد عن الحوض.

 

سحقا لمن طعن في الصحابة الكرام، سحقا لمن خرج عن جماعة المسلمين ونازَعَ الإمام.

 

والويل للظلمة المعتدين على حقوق الضعفاء، وللمعلنين بكبائر الذنوب المجاهرين بها بلا حياء.

 

يُخشى على هؤلاء جميعا أن يكونوا عن حوض نبينا صلى الله عليه وسلم مطرودين.

 

اللهم اجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين، ولحوض نبيك صلى الله عليه وسلم من الواردين، وإلى جناتك من أول الداخلين.

 

 

 

الخطبة الثانية:  

الحمد لله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد أيها المسلمون: إن ورود الناس الحوض وشربَهم منه يوم العطش الأكبر بحسب ورودهم لسنته -صلى الله عليه وسلم- وشربهم منها، فمن وَرَدَ سنته في هذه الدار وشرِب منها وتضلَّع: وَرَدَ هناك حوض النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- وشرِب منه وتضلَّع.

 

فَلَهُ ﷺ حَوْضانِ عَظِيمانِ: حَوْضٌ في الدُّنْيا وهو سُنَّتُهُ وما جاءَ بِهِ، وحَوْضٌ في الآخِرَةِ، فالشّارِبُونَ مِن هَذا الحَوْضِ في الدُّنْيا هُمُ الشّارِبُونَ مِن حَوْضِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَشارِبٌ ومَحْرُومٌ، ومُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ .

 

فما أعظمَ فوزَ من منَّ الله عليه بوُرود الحوض فشرِب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وما أعظمَ خسارةَ من حُرِم من شُربه وطُرِد عنه، ولا يظلم ربك أحدا.

 

ثم صلوا وسلموا عباد الله على رسول الثقليْن، صلوا وسلموا على من بيَّن لكم أحوال القيامة كأنها رأيُ عين.

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على نبينا محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل أعداءك أعداء الدين.

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، واجمع على الحق كلمتهم.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا ووالدينا عذاب القبر والنار.

 

 

المرفقات

1616707468_خطبة حوض النبي صلى الله عليه وسلم.docx

المشاهدات 1040 | التعليقات 0