الجشع داء ينخر المجتمعات ويمحق البركات

د أحمد بن حمد البوعلي
1447/09/01 - 2026/02/18 13:36PM

الجشع، داء ينخر المجتمعات ويمحق البركات

خطبة الجمعة: 18 / 4 / 1447 ه جامع الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني - حي المزروع د. أحمد بن حمد البوعلي

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي وسع عباده فضلًا، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرهاوباطنها، وفتح لهم أبواب الرزق والبركة، نحمده سبحانه على ما أولىوأنعم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًاعبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلماتإلى النور، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، معاشر المسلمين، فاتقوا الله تعالى واعلموا أنكم ملاقوه،وبشروا المؤمنين.

أيها المؤمنون، إن من أخطر الآفات التي تفتك بالمجتمعات على مرالعصور آفة الجشع، فهو داء يفسد القلوب قبل أن يفسد الأسواق،ويهدم الثقة قبل أن يرفع الأسعار، ويحوّل العلاقات من رحمة وتكافلإلى صراع وشح وبخل. وقد حذر القرآن الكريم من سلطان هذه الآفةعلى قلب الإنسان، فقال تعالى: "ومن يوق شح نفسه فأولئك همالمفلحون" (الحشر 9).

والشح هنا كما قال العلماء هو شدة الحرص على المال مع منعالحقوق، وهذا أصل الجشع ومادته.

أيها الأحبة، إن الجشع ليس مجرد رغبة في الكسب، فحب المال غريزةفطرية، ولكن الخطر حين يتحول إلى عبودية، وحين يصبح المال معيارالكرامة، ومركز الاهتمام، وميزان العلاقات. قال النبي صلى الله عليهوسلم: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم" (1). سماه عبدالأنه استسلم لهذا الهوى وتسيد المال على قلبه.

وحين يسري الجشع في المجتمع، تتغير الأخلاق والمعاملات، ويظهرالغش التجاري، والاحتكار، ورفع الأسعار دون وجه حق، واستغلالحاجات الناس، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتكاروقال: "من احتكر فهو خاطئ" (2).

وقال العلماء إن الاحتكار من مظاهر الجشع الذي يضر بالمصلحةالعامة، ويؤدي إلى الظلم وفساد الأسواق.

ومن آثار الجشع أيضا أنه يزرع العداوة بين الناس، لأن الجشع يقودإلى ظلم الشركاء والموظفين، والتهرب من الزكاة، وأكل حقوق العمال،وتأخير الرواتب، والتلاعب في الوزن والكيل.

قال تعالى: "ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون،وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون" (المطففين 1-3). والمطفف كما قالالمفسرون هو الذي يأخذ حقه كاملا، ويعطي الناس منقوصا، وهذا لبالجشع وروحه.

عباد الله، من أعظم مظاهر الجشع اليوم ما نراه في بعض الأسواقمن مبالغة في رفع الأسعار دون حاجة، ولا مسوغ، أو يخزنون السلعانتظار الندرة، أو يستغلون الفقراء في القروض، أو يستنزفون الناسفي خدمات ضرورية، وكل هذا يسبب غضبا اجتماعيا واحتقانا يسيءإلى صورة المجتمع وسمعته، ويضر بفقراء الأمة وحدهم، بل يضربالبلاد كلها، ويولد نقمة عامة، ويهدم الثقة في التجار، ويُسقِط البركة، بينما نرى مجتمعات راقية حافظت على العدل والسيطرة على الجشع،فنمت اقتصاديا وتماسك شعبها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد" (3) وهذا كله لمنع التلاعببالأسعار والاستغلال.

أيها الكرام، إن الإسلام حين جاء ليبني المجتمع، لم يجعل المال غاية،بل جعله وسيلة، وأمر بالتكافل، والتراحم، والإحسان، والبذل،والصدقة. فالمجتمع المتماسك لا يقوم على الجشع، بل يقوم على العدل،والرحمة، والأمانة، والوفاء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن" (4)

أيها المسلمون، لقد حبا الله بلادنا خيرات واسعة، وأرزاقًا متتابعة،وعيشًا كريمًا، وأمنًا راسخًا، وبركات تتجدد في كل يوم، قال اللهتعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ النحل 18. ومن النعمالمتجددة أن قيادتنا تعرف حاجات شعبها وتعيش معهم نبض الوطن،ترعى مصالحهم، وتسد أبواب الفساد والجشع، وتضبط السوق صيانةللحق، ورحمة بالخلق.

ومن آخر الجهود المشهودة ما يتعلق بتنظيم القطاع العقاري وتحقيقالاستقرار السكني، حماية للمستأجرين والمشترين، وردعًا للمغالينفي رفع الإيجارات والمكاسب الظالمة. وهو قرار حكيم، نابع من فقهالقيادة وحسن رعايتها، قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ﴾ البقرة 195.

وهؤلاء المالكون للعقارات والدور قد ولاهم الله شيئًا من مصالحإخوانهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم من ولي منأمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتيشيئًا فرفق بهم، فارفق به" (5).

أيها المؤمنون، وإن العجب ليقع حين نرى وفرة الخيرات، ووجوبالشكر، ثم مع ذلك يتمسك بعض الناس بحطام الدنيا الفاني، ويشتدالطمع والجشع، وترتفع الأسعار، وتقل السماحة، ويقوى التغابن،ويظهر اللؤم، وتتلاشى الرحمة، قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّاجَمًّا﴾ الفجر 20، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ العاديات 8.

وما ينبغي للمؤمن أن يبلغ به حب المال أن يعبده أو يأسره، بل عليه أنيمتثل وصية النبي صلى الله عليه وسلم: "من طلب حقًا فليطلبه فيعفاف"(6) وقد جاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى"(7). وفيهذا تأسيس لمجتمع نقي يقوم على السماحة والتعاون دون تفريط فيالحقوق.

أيها المستأجرون والمبتاعون، أحسنوا الوفاء وأدوا الحقوق، وإياكم أنتشغلكم الكماليات عن سداد ما يجب عليكم، فإن حقوق العباد مبنيةعلى المشاحة، وما لا تقدر على أدائه كاملًا فلا تُعذر عن أداء بعضه. وتذكروا دائمًا قوله صلى الله عليه وسلم: "من أخذ أموال الناس يريدأداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"(8).

ومن العلاج الحاسم للجشع: تربية القلب على القناعة، والرضا،والزهد في الحرام، ومعرفة أن ما عند الله خير وأبقى. قال النبي صلىالله عليه وسلم: "ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنىالنفس"(9). والغنى الحقيقي أن يكون القلب ممتلئا بالثقة بالله، لابالممتلكات.

ومن العلاج أيضا: مراقبة الله في البيع والشراء، والالتزام بضوابطالشرع، وتذكير النفس بأن المال الذي يأتي من الحرام ممحوق البركة،وأن المال الحلال ولو كان قليلا فهو أبقى وأنفع. وقد قال السلف: منضيع الأمانة ابتلي بالفقر، ولو كان مليئا.

قلت ما قلت، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن خطأ فمن نفسيوالشيطان.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهدأن محمدا رسول الله.

أيها المسلمون، إن الجشع لا يفسد دنيا الناس فقط، بل يعرضصاحبه للهلاك يوم القيامة. قال تعالى: "وتحبون المال حبا جما، كلاإذا دكت الأرض دكا دكا" (الفجر 20-21).

وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسألعن... ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه"(10).

وحين يغيب الإنصاف ويحل الجشع، تتحول المجتمعات إلى غابة،ويضعف التكافل، ويزداد الفقر، وتضيع القيم، وينتشر الغشوالخداع. أما حين يقوى الإيمان ويستقيم العدل، ويُقدَّم الحق علىالجشع، تنزل البركات، وتعم الطمأنينة، وتنفتح أبواب الرزق. قالتعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماءوالأرض (الأعراف 96).

فإن من أخلاق أهل الإيمان، ومن جميل صناعات المسلمين فيمعاملات الناس، أن يرفق الدائنون بالمُعسرين، ويقبلوا اليسير،ويضعوا عن المتعثر، أو يمهلوه إلى وقت يقدر فيه على السداد، امتثالًالقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌلَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ البقرة 280.

وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أهل السماحة والبذل فقال: "منسره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضععنه"(11). وفي رواية أخرى: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم صدقة قبلأن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة"(12).

أيها الإخوة، ليكن أساس العلاقة بين المسلمين الرحمة والتوادوالتراحم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ الحجرات 10.

والمسلم الصادق يحس بآلام إخوانه، ويبذل جهده في رفع معاناتهم؛فإن كان غنيًا واسى، وإن كان مالكًا لدارٍ رفق بالمستأجر، ولم يرهقه،وإن كان صاحب عمل وفى حقوق العمال ولم يبخسهم أجرهم، وكيفلا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم الناس لايرحمه الله"(13).

والمؤمن الحق قنوع، شاكر، غير جشع ولا متطلع لما في أيدي الناس،يحرره القَناعة من أسر الهوى والمال والطمع، وصدق القائل:

أطعت مطامعي فاستعبدتني ** ولو أني قنعت لكنت حرًا

فاتقوا الله عباد الله، وراقبوه في معاملاتكم، واطلبوا البركة في الحلال،فإن الحرام وإن كثر فهو إلى زوال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"(14)

وأكثروا من الصدقة، فإنها تطهر المال، وتمحو أثر الشح، وتجلبالبركة.

اللهم طهر قلوبنا من الشح، وارزقنا القناعة، وبارك لنا في أرزاقنا،واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

فاللهم اجعلنا رحماء، رفقاء، متراحمين، متلاحمين، ميسرين غيرمعسرين، وهب لنا قناعة تكفينا، وغنى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا،اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

1- رواه البخاري رقم 2887.

2- رواه مسلم رقم 1605.

3- متفق عليه

4- رواه الترمذي رقم 1924.

5- رواه مسلم، رقم الحديث 1828

6-حسنه الألباني، السلسلة الصحيحة، برقم 3085، ورواه الطبراني في الأوسط.

7- رواه البخاري، رقم 2076

8- رواه البخاري، رقم 2387.

9- متفق عليه.

10- رواه الترمذي رقم 2417.

11-رواه مسلم، كتاب المساقاة، رقم 2699.

12- رواه أحمد في المسند (21997)، وصححه الحاكم والهيتمي والألباني.

13- رواه أحمد، رقم 7001، وأبو داود 4941، والترمذي 1924، وصححه الألباني.

14- رواه مسلم رقم 1015.

 

 

المشاهدات 97 | التعليقات 0