التهيؤ لشهر رمضان

 

إنَّ الحمدَ للهِ؛ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فهو المهتدي، ومن يضلِلْ فلن تجدَ لهُ وليًّا مرشدًا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُهُ صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعينَ وتابعيهِمْ، وسلمَ تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ إخوةَ الإيمانِ:

تمرُّ الأيامُ وما أسرعَها! وتمضي الشهورُ وما أعجلَها! ويقتربُ منا موسمٌ كريمٌ، وشهرٌ مباركٌ، بأجواءِ الروحانيةِ، ولياليهِ المباركةِ، يستبشرُ بقدومِهِ المسلمونَ، ويتهيأُ لاغتنامِهِ الصالحونَ:

﴿وهو الذي جعلَ الليلَ والنهارَ خلفةً لمن أرادَ أن يذكرَ أو أرادَ شكورًا﴾.

فما أحوجَنا إلى أن نغتنمَ تعاقبَ الليلِ والنهارِ، وأن نجعلَ من قدومِ رمضانَ محطةَ مراجعةٍ وتزودٍ وتزكيةٍ للقلوبِ.

لقد كانَ من هديِ رسولِنا ﷺ حسنُ استقبالِهِ، وتهيؤُ النفوسِ شوقًا إليهِ؛ قالَ أبو هريرةَ رضي اللهُ عنهُ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يبشرُ أصحابَهُ ويقولُ:

"قد جاءَكم رمضانُ، شهرٌ مباركٌ، افترضَ اللهُ عليكم صيامَهُ، تفتحُ فيهِ أبوابُ الجنةِ، وتغلقُ فيهِ أبوابُ الجحيمِ، وتغلُّ فيهِ الشياطينُ، فيهِ ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، من حرمَ خيرَها فقد حرمَ". رواهُ أحمدُ.

فيا لها من مناسبةٍ كريمةٍ، تحيا فيها القلوبُ، وتصفو فيها النفوسُ، ويتسابقُ المؤمنونَ فيها إلى الطاعاتِ، وتكثرُ فيها دواعي الخيرِ، وتتنزلُ الرحماتُ، وتُغفرُ الزلاتُ.

ولسانُ حالِ المشتاقينَ: ﴿وعجلتُ إليكَ ربِّ لترضى﴾.

معاشرَ المسلمينَ: كم نحنُ محتاجونَ إلى فتراتٍ من الراحةِ والصفاءِ؛ لتجديدِ الإيمانِ، وإصلاحِ القلوبِ، في ظلِّ الحياةِ الماديةِ، وتزاحمِ همومِها، وضغوطِها المتلاحقةِ. وإنَّ شهرَ رمضانَ المباركَ هو الفرصةُ الروحيةُ التي نجدُ فيها محطةً لتجديدِ الإيمانِ، وتهذيبِ الأخلاقِ، وإصلاحِ النفوسِ، وكبحِ جماحِ الشهواتِ، والتزودِ للدارِ الآخرةِ:

﴿وتزودوا فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى واتقونِ يا أولي الألبابِ﴾.

عباد الله:

قد فرضَ اللهُ علينا صيامَ شهرِ رمضانَ؛ حتى نرتقيَ في درجاتِ الإيمانِ، ونبلغَ منازلَ الجنانِ:

﴿يا أيها الذينَ آمنوا كتبَ عليكم الصيامُ كما كتبَ على الذينَ من قبلكم لعلكم تتقونَ﴾.

ولذا فالمسلمُ يستعيذُ باللهِ من حالِ أهلِ الضلالِ، وسبيلِ أهلِ الفسادِ، الذينَ ينتظرونَ قدومَ خيرِ الشهورِ لإغواءِ الناسِ وصرفِهِمْ عن نقاءِ صومِهِمْ وصفاءِ قلوبِهِمْ:

﴿واللهُ يريدُ أن يتوبَ عليكم ويريدُ الذينَ يتبعونَ الشهواتِ أن تميلوا ميلًا عظيمًا﴾.

أيها الكرام:

وإذا أرادَ الإنسانُ أن يُوَفَّقَ في موسمِ الطاعةِ والخيرِ، فليستقبلْهُ بتوبةٍ صادقةٍ من الذنوبِ، وبإكثارٍ من الاستغفارِ، وإنابةٍ صادقةٍ إلى اللهِ:

﴿أفلا يتوبونَ إلى اللهِ ويستغفرونَهُ واللهُ غفورٌ رحيمٌ﴾.

ومن أعظمِ الأمورِ التي تعينُ على اغتنامِ مواسمِ الخيرِ ولحظاتِ العمرِ: الشعورُ الدائمُ بقربِ الأجلِ وقصرِ العمرِ؛ فالإنسانُ ما بينَهُ وبينَ الآخرةِ إلا قبضُ روحِهِ.

وكم من مُمْسٍ كتبَ عليهِ ألا يصبحَ، وكم من مصبحٍ كتبَ عليهِ ألا يمسيَ.

فكم من إنسانٍ يضحكُ بملءِ فيهِ، وقد نسجتْ أكفانُهُ من حيثُ لا يدري:

﴿وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غدًا وما تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ﴾.

عبادَ اللهِ:

وإنَّ دعاءَ اللهِ تعالى، وسؤالَهُ العونَ والتوفيقَ لاغتنامِ لحظاتِ الشهرِ، من أعظمِ أسبابِ التوفيقِ؛ فقد كانَ النبيُّ ﷺ يستفتحُ يومَهُ فيسألُ ربَّهُ التوفيقَ للطاعةِ والبرِّ، وكانَ من دعائِهِ: اللهمَّ أعنِّي على ذكركَ، وشكرِكَ، وحسنِ عبادتِكَ.

واللهُ جلَّ في علاهُ إذا رآكَ تقفُ ببابِهِ، تسألُهُ من رحمتِهِ، وترجو عفوَهُ، فإنهُ لا يردُّ من سألَهُ، ولا يخيبُ من رجاهُ.

فاللهمَّ اشملْنا بعفوِكَ، وأوسِعْنا من رحمتِكَ، وأكرمْنا بعطائِكَ.

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروهُ؛ إنهُ هو الغفورُ الرحيمُ.


 

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيهِ كما يحبُّ ربنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ، ومن اهتدى بهداهُم إلى يومِ الدينِ.

عبادَ اللهِ، واعلموا -رعاكمُ اللهُ - أنَّ إدراكَ شهرِ رمضانَ نعمةٌ عظمى، ومنةٌ كبرى، والعاقلُ هو الذي يأخذُ من حياتِهِ لمماتِهِ، ومن دنياهُ لأخراهُ:

﴿واتقوا يومًا ترجعونَ فيهِ إلى اللهِ ثم توفى كلُّ نفسٍ ما كسبتْ وهم لا يظلمونَ﴾.

والسعيدُ من اغتنمَ مواسمَ الخيراتِ، وتقربَ فيها إلى مولاهُ بكثرةِ الطاعاتِ؛ فعسى أن تُصيبَهُ نفحةٌ من تلك النفحاتِ، فيسعدَ بها سعادةً يأمنُ بعدها من النارِ وما فيها من اللفحاتِ:
﴿فمن زحزحَ عن النارِ وأدخلَ الجنةَ فقد فازَ﴾.

فلنتهيأْ لاستقبالِ الشهرِ الكريمِ، ولنعزمْ على حُسنِ العبادةِ فيهِ، ولنشحذْ هممَ أهلينا لاغتنامِ ساعاتِهِ، ولنغتنمِ الشبابَ قبلَ الهرمِ، والصحةَ قبلَ المرضِ، والحياةَ قبلَ انقضاءِ الأجلِ؛ فإنَّ اللهَ وعدَ أهلَ العملِ الصالحِ بالجزاءِ الأوفى:

﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

اللهمَّ أعنّا على ذكركَ، وشكرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ

اللهمَّ إنّا نسألُكَ الهدى، والتقى، والعفافَ، والغنى

اللهمَّ بلِّغْنا شهر رمضانَ، وأعنَّا فيهِ على حسنِ الصيامِ والقيامِ.

المرفقات

1770922748_التهيؤ لشهر رمضان - للجوال.pdf

المشاهدات 368 | التعليقات 0