التثبت الشرعي في وسائل التواصل الاجتماعي( تعميم)

الخطبة الأولى: (21/11/1447) التثبت الشرعي في وسائل التواصل الاجتماعي                                     

أيها المسلمون: نعيش زمنًا تغيّرت فيه أدوات البيان.            

وصارت الكلمة لا تُقال فقط بل تُنشر، ولا تُسمع فقط بل تُرى وتُتداول وتُعاد، حتى بلغت الآفاق في لحظات.                   

وإن من أعظم ما أُعطي الناس في هذا الزمان:                   

وسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي. نعم… هي نعمة، ولكنها فتنة إن لم تُضبط بشرع الله.            

فكم من كلمةٍ كانت سبب هداية، وكم من كلمةٍ كانت سبب فتنةٍ وبلاء، استشعروا قول الله جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ واستحضروا رقابة الله في كل منشور، وكل تعليق، وكل إعادة نشر.                                                  

أيها المؤمنون: إن أخطر ما في هذه الوسائل: الكلمة.                

كلمة تُكتب لكنها لا تموت، بل تبقى تُقرأ، وتُتداول، ويُحاسب عليها صاحبها، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ… وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ وفي الصحيحين عن النبي ﷺ:  «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب» وفي لفظٍ آخر: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم»                          

فاتقوا الله في كلماتكم، فإنها إما لكم… أو عليكم.                                         

أيها المسلمون: ومن أعظم الفتن في هذا العصر: التزوير الرقمي، والتضليل بالذكاء الاصطناعي، من تركيب للصور. وتقليد للأصوات، وانتحال للشخصيات، ونسبة للأقوال زورًا                         

وهذا كله من الكذب والبهتان والغش

 

قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ وقال سبحانه:                

﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ وقال جل وعلا:         

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وفي الحديث: «من غش فليس منا» وفي الصحيح: «ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته» فكيف بمن يبتكر الزيف وينشره بين الناس؟!                               

أيها المسلمون: إن من أعظم ما يحتاجه المسلم في هذا الزمان: التثبت وعدم العجلة في نقل الأخبار والحكم عليها؛ لأن الكلمة اليوم لا تقف عند حدود قائلها، بل تنتشر انتشارًا واسعًا، وقد تُحدث فسادًا عظيمًا في الدين والدنيا.                                               

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ فأمر الله بالتثبت، ونهى عن التسرع؛ لأن العجلة في نقل الخبر قد توقع في ظلم الناس والندم بعد ذلك.                                                

قال ابن القيم رحمه الله: العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن، ومن أعظم مجالات العجلة: نقل الأخبار دون تحقق، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقال النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدث بكل ما سمع». فاتقوا الله عباد الله، وكونوا أهل تثبتٍ وعقلٍ وبصيرة.                                 

فلا تكن — يا عبد الله — ناقلًا لكل ما يُقال، ولا جسرًا تعبر عليه الأكاذيب.                                                                      

عباد الله: إن سوء استخدام هذه الوسائل يجرّ مفاسد عظيمة منها: تشويه السمعة، وانتهاك الخصوصيات، والاحتيال، ونشر الفتن، وزعزعة الأمن، وإشاعة البلبلة، وإثارة الرأي العام وتأجيجه، ، وزعزعة الثقة، والإضرار بالأمن المجتمعي، وكل ذلك داخل في قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾  بارك الله لي ولكم،،،،،

الخطبة الثانية:                                                        

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن هذه الوسائل ميزان أعمال، فمن استعملها في الخير ارتفع، ومن استعملها في الشر هلك، فاجعلوها طريقًا إلى الله: نشر علم، دعوة، إصلاح، نصح، ودلالة على الخير قال ﷺ: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» وقال ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» واحذروا أن تكونوا من دعاة الفتنة، فإن النبي ﷺ قال: «ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» وتذكروا يوم الحساب:﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.                               

يوم تُعرض فيه الكلمات، ويُكشف فيه المستور، وتُحاسب فيه المنشورات.

المشاهدات 345 | التعليقات 0