التبعية العمياء
الشيخ د نواف بن معيض الحارثي
الخطبة الأولى: التبعية العمياءِ
الحَمْدُ للـهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَرْشَدَهُ بِالوَحْيِ الحَكِيمِ إِلَى نَبْذِ التَّقْـلِيدِ العَقِيمِ، وَأَشْهَدُ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللـهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ مِنَ الدِّينِ مَا يَدْعُو إِلَى استِقْلالِ الفِكْرِ وَاتِّبَاعِ السُّـلُوكِ القَوِيمِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، نَهَى عَنِ التَّبَعِيَّةِ العَمْيَاءِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الجَزَاءِ.
أما بعد: فأوصيكم ...
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْـخُدْرِيِّ t، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّـهِ e: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّـهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ خ.م.
آفةٌ تغَلغَلتْ في أَوساطِ بعضِ أفرادِ المُجتمعِ خاصةً عِندَ شبابِها وشاباتـِها، هي علامةُ وَهنٍ وضَعفِ شَخصيَّةٍ، بلِ هي أَمارةٌ على هزيمةٍ نفسيةٍ وفقدٍ للهويةِ، إنَّها آفةُ التَّبعيةِ المذمومةِ والتَقليدِ الأعمى، والاقتداءِ بالسفهاءِ والسَّاقطينَ من الرِّجالِ أو النِّساءِ .
عباد الله: إنَّ اللـهَ سبحانه قد أغنى المسلمينَ، وأنعمَ عليهم بشريعةٍ كاملةٍ شاملةٍ لكلِ مصالحِ الدِّينِ والدنيا، والإسلامُ مستقلٌ في شريعتِه منفردٌ في أخلاقِه ومبادئِه ومن أعظمِ مقاصدِه تمييزُ الحقِّ وأهلِه عن الباطلِ وأهلِه وبيانُ سبيلِ الهدى والسنةِ والدعوِة إليه، وكشفُ سبيلِ الضلالةِ والتحذيرِ منه .
ولقد نهى اللـهُ الأمةَ المؤمنةَ المسلمةَ عن اتباعِ سبيلِ الكافرينَ من اليهودِ والنصارى والمشركينَ وغيرِهم، فنهاهم عن التشبُّهِ بهِم، وعن تقليدِهم، وعن التبعيَّةِ لهم في مواضعَ كثيرةٍ من الكتابِ الحكيمِ، فقال (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ)، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّـهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْـمُنَافِقِينَ) ، وتقليدُ الكفارِ والتشبُّهِ بهم من أعظمِ صورِ الطاعةِ لهم.
وكان r يُحذِّرُ مِن مُتابعةِ أهلِ الكِتابِ مِن اليَهودِ والنَّصارَى، ويَأمُرُ بمُخالَفتِهم في جميعِ أحوالهِم في العقائدِ والعباداتِ والعاداتِ والمعاملاتِ والآدابِ والسلوكِ، فقالr (خالِفُوا اليهودَ والنصارى) و(خَالِفُوا المُشْرِكِينَ)، وحذرَ e من التشبهِ ، فقال:(من تشبهَ بقومٍ فهو منهم) أبو داود .
أَيْ تَزَيَّى فِي ظَاهِرهِ بِزِيِّهِمْ وَسَارَ بِسِيرَتِهِمْ وَهَدْيهمْ فِي مَلْبَسهمْ وَبَعْضِ أَفْعَالهمْ. قَالَ أهلُ العلمِ: وَهَذَا الْـحَدِيث أَقَلُّ أَحْوَالِه أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ كَمَا فِي قَوْله (مَنْ يَتَوَلَّـهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )
عباد الله: إنَّ المخالفةَ للكفارِ فيما أُمرَ المسلمونَ فيه بالمخالفةِ مصلحةٌ في الدِّينِ وإبقاءٌ عليه وحفظٌ له من أسبابِ الانحلالِ، كما أن الموافقةَ فيما نُهي عن الموافقةِ فيه مَضرةٌ بالدِّينِ، وإهانةٌ للأمةِ وشُعورٌ بالضعفِ والذِّلةِ والتبعيةِ والدونيةِ ومُوقِعةٌ في أسبابِ الانحلالِ، مع ما فيها من إظهارٍ لأديانهِم الباطلةِ ومعتقداتهِم الفاسدةِ ، والمغلوبُ مُولَعٌ بتَقليدِ الغالِبِ .
والتشبهُ بالكفارِ على قسمينِ: القسمُ الأولِ: التشبهُ المحرّمُ وهو فعلُ ما هو من خصائصِ دينِ الكفارِ مع علمِه بذلك ولم يرد في شرعنا؛ فهذا محرّمٌ, وقد يكونُ من الكبائرِ ، بل إنَّ بعضَهُ يصيرُ كفراً بحسبِ الأدلةِ ، سواءٌ فعلَه الشخصُ موافقةً للكفارِ ، أو لشهوةٍ ، أو شبهةٍ تُخيلُ إليه أنّ فعلَه نافعٌ في الدنيا والآخرةِ ، والجاهلُ في هذا لا يأثمُ لجهلِه ، لكنَّه يُعلّمُ ، فإن أصرَ فإنَّه يأثمُ . يقولُ ابنُ عُثَيْمِين: إِذَا فَعَلَ فِعْلاً يَخْتَصُّ بِالكُفَّار؛ فَيَكُوْنُ مُتَشَبِّهًا بِهِمْ: سَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ التَّشَبُّهَ، أَمْ لَمْ يَقْصِد! وَكَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ التَّشَبُّهَ لا يَكُونُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وهَذَا غَلَط؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الظَّاهِر).
القسمُ الثاني: التشبهُ الجائزُ: وهو فعلُ عملٍ ليس مأخوذاً عن الكفارِ في الأصلِ، لكنَّ الكفارَ يفعلونَه أيضاً ، فهذا ليسَ فيه محذورُ المشابهةِ، والتشبهُ بأهلِ الكتابِ وغيرِهم في الأمورِ الدنيويةِ لا يباحُ إلا بشروطٍ :
منها: أن لا يكونَ هذا من تقاليدِهم وشعارِهم التي يُميّزُونَ بها، وأن لا يكونَ ذلك الأمرُ من شرعِهم ويثبتُ ذلكَ أنه من شرعِهم بنقلٍ موثوقٍ به ، مثلُ أن يخبرَنا اللـهُ تعالى في كتابِه أو على لسانِ رسولِه أو بنقلٍ متواترٍ مثلُ سجدةِ التحيةِ الجائزةِ في الأممِ السابقةِ .
وَأَن لا يَكُونَ فِي شَرْعِنَا بَيَانٌ خَاصٌّ لِذَلِكَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِيهِ بَيَانٌ خَاصٌّ بِالْـمُوَافَقَةِ أَوِ الْـمُخَالَفَةِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي شَرْعِنَا، وَأَن لا تُؤَدِّي هَذِهِ الْـمُوَافَقَةُ إِلَى مُخَالَفَةِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الشَّرِيعَةِ، وَأَن لا تَكُونَ الْـمُوَافَقَةُ فِي أَعْيَادِهِم وَأَنْ تَكُونَ الْـمُوَافَقَةُ بِحَسَبِ الْـحَاجَةِ الـْمَطْلُوبَةِ وَلَا تَزِيدَ عَنْهَا
( كتاب السنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار)
عباد الله: مِنْ مَظَاهِرِ التَّبَعِيَّةِ، لِشَرِّ البَرِيِّة: مُشَابَهَتُهُم في أَعْيَادِهِمُ المَوْسِمِيَّة! فقَدْ كَانَ لِأَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ في السَنَةِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا؛ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدِينَةَ قال: (قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللـهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الفِطْرِ، ويَوْمَ الأَضْحَى)
فَالعِيْدُ قَضِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ؛ وتَخْصِيصُ أَزْمِنَةٍ بِأَعْيَادٍ حَوْلِيَّةٍ؛ لَيْسَ إِلَّا لِرَبِّ البَرِيَّة! وهذِهِ الأَعيَادُ: مِنْ أَخَصِّ مَا تَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّرَائِعُ؛ والمُسْلِمُونَ قد تَمَيَّزُوا بِدِينِهِمْ وعِيْدِهِمْ، قال ﷺ: (إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وهذا عِيدُنَا).
والأعيَادُ في الإِسلام: شعيرَةٌ وعبادَةٌ، لا تَقْبَلُ التَّحْرِيْفَ والزِّيَادَة، وهِيَ أَعْيَادُ شُكْرٍ وذِكْر، لا غَفْلَةٍ وشِرْكٍ وكفرٍ! (ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللـهِ) والأعيادُ من جملةِ الشرعِ والمَناهِجِ والمَناسكِ بل هي من أخصِّ ما تتميَّزُ به الشرائعُ، ومن أظهرِ مالها من الشعائرِ (ذلكَ ومن يعظم شعائرَ اللـهِ فإنها من تقوى القلوب ) بارك الله ...
الخطبة الثانية :
الحمد لله ....أما بعد :
فيا عباد الله: مِنْ أَعيَادِ الكُفَّارِ: عِيْدُ الكِرِسْمِسِ، ورَأْسِ السَّنَةِ المِيْلَادِيَّةِ: وهو الَّذِي يَحْتَفِلُ فِيْهِ النَّصَارَى بِمِيْلَادِ المَسِيْحِ ، الَّذِي يَزْعُمُوْنَ أَنَّهُ الرَّبُّ أو ابْنُ الرَّب! (سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا).
ولقد أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ الأَخْيَار، على إِنْكَارِ أَعْيَادِ الكُفَّارِ! يقول عُمَرُ بنُ الخَطَّاب: (اِجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللـهِ في عِيدِهِمْ، فَإِنَّ السُّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيْهِم). وعن عبدِ اللـهِ بنِ عمرٍو، قال: (مَنْ صَنَعَ مَهْرَجَانَهُم، وَتَشَبَّهَ بِهِم حَتَّى يَمُوتَ؛ حُشِرَ مَعَهُم).
ومَنْ شَارَكَ الكُفَّارَ في أَعْيَادِهِمْ (ولَوْ بِالتَّهْنِئَةِ)؛ فَقَدْ أَلْقَى بِدِيْنِهِ إلى التَّهْلُكَة!
قال أهل العلمِ:(أَمَّا التَّهْنِئَةُ بِشَعَائِرِ الكُفْرِ؛ فَحَرَامٌ بِالاِتِّفَاق، مِثْلُ: أَنْ يُهَنِّئَهُمْ بِأَعْيَادِهِم؛ فَيَقُولَ:"عِيدٌ مُبَارَكٌ عَلَيْكَ" أو"تَهْنَأُ بِهَذَا الْعِيدِ"، وَنَحْوَ ذلك؛ فَهَذَا -إِنْ سَلِمَ قَائِلُهُ مِنَ الْكُفْرِ- فَهُوَ مِنَ المُحَرَّمَاتِ، وهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُهَنِّئَهُ بِسُجُودِهِ لِلصَّلِيبِ! بَلْ ذَلِكَ أَعْظَمُ إِثْمًا عندَ اللـهِ مِنَ التَّهْنِئَةِ بِشُربِ الخَمْرِ، وقَتْلِ النَّفْس!)
قال ابنُ عُثَيمين: (تَهْنِئَةُ الكُفَّارِ بِعِيْدِ الكِرِسْمِس: إِقْرَارٌ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ شَعَائِرِ الكُفْرِ؛ وَإِجَابَةُ دَعْوَتِهِم بِهَذِهِ المُنَاسَبَةِ: أَعْظَمُ مِنْ تَهْنِئَتِهِمْ! ويَحْرُمُ إِقَامَةُ الحَفَلَاتِ، أو تَبَادُل الهدايا، أو التَّهْنِئَةُ بِالشَّعَائِرِ الدِّيْنِيَّةِ: كَأَعْيَادِهِم الَّتِي تَكُونُ على رَأْسِ السَّنَةِ المِيْلَادِيَّة)
واسْتِعْمَالُ الشِّعَارَاتِ المُصَاحِبَةِ لِذَلِكَ العِيْدِ: كَاتِّخَاذِ شَجَرَةِ المِيْلَاِد، وغَيْرِهَا مِنَ الطُّقُوسِ والرُّمُوزِ؛ تَشَبُّهٌ بِالنَّصَارَى في أَخَصِّ أَعْيَادِهِمْ (ولَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إِلَّا المَرَح!)؛ لأَنَّ الوسَائِلَ لَهَا أَحكَامُ المقَاصِدِ؛ قال ﷺ: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ). وتحريمُ التَّشَبُّهِ بأعيادِ الكفار: لا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِقَصْدِ التَّشَبُّهِ والإِقْرَار!
وإذا كانَ الاِحْتِفَالُ بِمِيْلادِهِ ﷺ، لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ولا عَنْ أَصْحَابِهِ؛ فكيفَ بِمَنْ وَافَقَ النصارى في عِيْدٍ بِدْعِيٍّ شِركِيٍّ!
قال أهل العلمِ(أَصْلُ ظُهُورِ الكُفرِ: هُوَ التَّشَبُّهُ بالكافرين، ولِهَذَا عَظُمَ وَقْعُ البِدَعِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهَا تَشَبُّهٌ بِالكُفَّارِ؛ فكيفَ إذا جَمَعَتِ الوَصْفَيْن! فلا يَحِلُّ للمُسلمِينَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بشَيْءٍ مِمَّا يَخْتَصُّ بأعيادِهِم)
عباد الله: إنّ المؤمنَ لا يقولُ الزورَ، ولا يشهَدُ الزورَ، وأيُّ زُورٍ أعظمُ وأخبَثُ مِنَ الافتراءِ على اللـهِ بأنَّ له ولداً (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) أي لا يشهدون أعيادَ الكفارِ كما قال أهلُ العلمِ.
فاعتزَّ -عبدَ اللـهِ-بإيمانِكَ وشريعتِك، وإياكَ وأعيادَ أعداءِ اللـهِ، فلا كريِسْماسْ ولا رأسَ سنةٍ، بل أنتَ مُسْلمٌ مُوَحِّدٌ مُتَّبِعٌ تعتقدُ حقاً بقول اللـهِ (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) ثم صلوا
المرفقات
1767275987_خطبة عن التبعية العمياء -نواااف-1447.doc
1767276004_خطبة عن التبعية العمياء -نواااف-1447.doc
1767276011_خطبة عن التبعية العمياء -نواااف-1447.pdf