اشحذْ سلاحك
د. سلطان بن حباب الجعيد
اشحذْ سلاحَكَ
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الصبرَ طريقًا إلى محبتِه، ووعدَ المتحلِّينَ به دخولَ جنَّتِه، وجعلَ أجرَهم بلا حسابٍ بفضلِه ومنَّتِه. والصلاةُ والسلامُ على من صبرَ وصابرَ وجاهدَ في اللهِ حقَّ جهادِه، صلاةً وسلامًا نرجو بها أن نُحشرَ في زمرتِه.
أوصيكم أيها الناسُ ونفسي بتقوى الله، واعلموا أنَّ طريقَ التقوى هو الصبرُ، فمن تحلَّى بالصبرِ كان من المتقين. قال تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اصبِروا وَصابِروا وَرابِطوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم تُفلِحونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وبعد: أيها الناسُ، نحن في هذه الحياةِ في جهادٍ مستمرٍّ، ومعركةٍ دائمةٍ، وكَبَدٍ لا ينقطعُ. خلقها اللهُ على هذا النحو، وأرادها دارًا للابتلاءِ والاختبارِ. فمن أعدَّ لهذه المعركةِ عُدَّتَها، وخاضها كما يليقُ بالشجعانِ، بقلبٍ قويٍّ، وعزمٍ لا يلينُ؛ كسبَ الجولةَ، وتغلَّبَ على الصعابِ، فخرجَ منتصرًا مظفَّرًا.
والأعداءُ في هذه المعركةِ ليسوا كالأعداءِ المعهودين، بل هم نفسُكَ التي بين جنبَيْكَ، وقرينُكَ الذي يوحي إليكَ، وهواكَ الذي يُملي عليكَ، والشهواتُ التي تزيَّنتْ في عينَيْكَ، والمصائبُ والآلامُ والهمومُ التي أثقلتْ كاهلَيْكَ.
ولأنَّ المعركةَ مختلفةٌ في طبيعتِها وأعدائِها، فكذلك هي مختلفةٌ في سلاحِها الذي تحتاجُه لكي تقابلَ كلَّ هؤلاء الأعداءِ. إنَّ أعظمَ سلاحٍ تحتاجُه في هذه الدنيا هو الصبرُ، وقوَّةُ الإرادةِ والعزيمةُ. فقد قضى اللهُ وقدَّرَ، بأنَّه لا نجاحَ ولا فلاحَ في كلِّ خيرٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ، ما لم يتحلَّ المرءُ بالصبرِ والعزيمةِ، وقوَّةِ الإرادةِ والشَّكيمةِ.
وهذا ما يفسِّرُ احتفاءَ القرآنِ الكريمِ بالصبرِ والصابرين؛ فقد رغَّبَ فيه، وحثَّ عليه، وأغرى به بأساليبَ متعددةٍ؛ فتارةً يخبرُنا بأنَّه من صفاتِ الأنبياءِ الكرامِ عليهم الصلاةُ والسلامُ، كما قال تعالى:
﴿وَإِسماعيلَ وَإِدريسَ وَذَا الكِفلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥].
وتارةً أخرى، يخبرُنا بأنَّه من صفاتِ المؤمنينَ المتقينَ المخبتينَ، كما قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ المُخبِتينَ الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلوبُهُم وَالصّابِرينَ عَلى ما أَصابَهُم وَالمُقيمِي الصَّلاةِ وَمِمّا رَزَقناهُم يُنفِقونَ﴾ [الحج: ٣٤-٣٥].
وتارةً ببيانِ أنَّ الصابرينَ في معيةِ اللهِ؛ فكم هي الآياتُ التي ختمها اللهُ بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وتارةً — وهي أعظمُ هذه المرغِّباتِ وأجلُّها — أنَّ اللهَ قد حكمَ بأنَّ خُلُقَ الصبرِ جالبٌ لحبِّه لعبدِه، وأيُّ منزلةٍ أعظمُ من هذه؟! قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
فمن رُزقَ هذا الخُلُقَ فقد رُزقَ خيرًا كثيرًا.
فيا أيها الأخُ المباركُ، إن كنتَ تريدُ الجنةَ، وتاقتْ نفسُكَ لها، فلا سبيلَ إليها ما لم تكنْ من الصابرين.
قال تعالى:
﴿أَم حَسِبتُم أَن تَدخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَعلَمِ اللَّهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنكُم وَيَعلَمَ الصّابِرينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
وكذلك كلُّ طريقٍ موصلٍ إليها من الأعمالِ الصالحةِ؛ فالصلاةُ، والجهادُ، والصدقاتُ، والصيامُ، والحجُّ، والذكرُ، وتلاوةُ القرآنِ، والتخلُّقُ بالأخلاقِ الحسنةِ، ما لم تتحلَّ في أدائِها بالصبرِ، عجزتَ عنها، ومللتَ منها، وعدتَ أدراجَكَ بعد أن شرعتَ في الطريقِ. فهي أعمالٌ جليلةٌ وثقيلةٌ، لا يطيقُها إلا الصابرون. قال تعالى:
﴿وَاستَعينوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبيرَةٌ إِلّا عَلَى الخاشِعينَ الَّذينَ يَظُنّونَ أَنَّهُم مُلاقو رَبِّهِم وَأَنَّهُم إِلَيهِ راجِعونَ﴾ [البقرة: ٤٥-٤٦].
وإذا أحاطتْ بك جيوشُ الشهواتِ والفتنِ والمغرياتِ، وخشيتَ أن تكتسحَكَ وتتلوَّثَ بها، ويقعَ منك ما نهاكَ ربُّكَ عنه، فإنَّ الصبرَ هو خطُّ دفاعِكَ الأولُ الذي يصدُّ عنكَ هذه الهجماتِ، ويُبقيكَ في منعةِ حصنِ العفةِ والمتعففين. فإن وَهَنَ عزمُكَ، وقلَّ صبرُكَ، اقتحمَ العدوُّ حصنَكَ، وقادتكَ الشهواتُ عبدًا ذليلًا لها، وحكمتْ بهوانِكَ، وفقدتَ بذلك عزَّتَكَ وحريتَكَ.
وتذكَّرْ حالَ أبيكَ آدمَ عليه السلامُ، الذي كانتْ قلَّةُ صبرِه سببَ وقوعِه في الخطيئةِ، كما قال اللهُ:
﴿وَلَقَد عَهِدنا إِلى آدَمَ مِن قَبلُ فَنَسِيَ وَلَم نَجِد لَهُ عَزمًا﴾ [طه: ١١٥].
إذا تكالبتْ عليكَ همومُ الحياةِ وأحزانُها، وكشَّرتْ في وجهِكَ بأنيابِها، وأبرزتْ إليك مخالبَها تتهيأُ للانقضاضِ عليكَ، فاشهرْ في وجهِها سلاحَ صبرِكَ، فإنه الكفيلُ بردِّها وطردِها، وإلا مزَّقتْكَ إربًا، وطوَّحتْ بسعادتِكَ وطمأنينتِكَ.
قال تعالى:
﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٍ مِنَ الخَوفِ وَالجوعِ وَنَقصٍ مِنَ الأَموالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرينَ الَّذينَ إِذا أَصابَتهُم مُصيبَةٌ قالوا إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيهِ راجِعونَ أُولئِكَ عَلَيهِم صَلَواتٌ مِن رَبِّهِم وَرَحمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ المُهتَدونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧].
ويا أيها الأخُ المباركُ، طموحاتُكَ في الحياةِ ومهامُّكَ هي الأخرى طريقُها الصبرُ، فلا نجاحَ ولا إنجازَ ما لم تكنْ من الصابرين، وإلا كنتَ من العاجزين، وفاتَكَ من المجدِ والشرفِ ما فاتَكَ.
دَبَبْتُ للمجدِ والساعونَ قد بلغوا
جهدَ النفوسِ وألقَوا دونه الأُزُرا
وكابدوا المجدَ حتى ملَّ أكثرُهم
وعانقَ المجدَ من أوفى ومن صبرا
لا تحسبِ المجدَ تمرًا أنتَ آكلُه
لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصَّبِرا
فها هو الصبرُ والعزمُ وقوةُ الإرادةِ — أيها الأخُ الكريمُ — سلاحُكَ الذي لا غنى لكَ عنه في معاركِكَ المختلفةِ في هذه الحياةِ. فهو — كما رأيتَ — خطُّ هجومِكَ الأولُ، فلا عملَ ولا إنجازَ في دنياكَ وآخرتِكَ بغيرِه. وهو أيضًا خطُّ دفاعِكَ الأولُ، فلا صرفَ للشواغلِ والموانعِ التي تحولُ بينكَ وبينَ ما تريدُ؛ بدونه.
أقولُ قولي هذا…
الخطبة الثانية
وبعد: أيها المؤمنون، قد يسألُ سائلٌ عن مناسبةِ الحديثِ عن الصبرِ ونحن نتهيأُ لاستقبالِ الشهرِ الكريمِ والضيفِ العزيزِ على قلوبِنا، شهرِ رمضان. ألم يكن الأجدرُ أن نتحدثَ عنه؟!
بلى هو كذلك، وما مضى من حديثٍ ما هو إلا كالمقدمةِ بين يدي الحديثِ عن رمضان، لأكشفَ لك به عن حكمةِ الصومِ، وأوقفَكَ على بعضِ أسرارِه.
ذلك أنَّ الصومَ هو الصبرُ، وفسَّره بذلك مجاهدٌ في قوله تعالى:
﴿وَاستَعينوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
وسمَّى النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ شهرَ رمضانَ شهرَ الصبرِ في قوله:
«صومُ شهرِ الصبرِ وثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ يُذهِبنَ وَحَرَ الصدرِ» [أخرجه أحمد].
وما التقوى التي هي غايةُ الصيامِ في أخصِّ معانيها إلا الصبرُ والمصابرةُ وقوةُ الإرادةِ والعزيمةُ.
فمنحكَ اللهُ هذا الشهرَ، وتفضَّلَ به عليكَ أيها المحاربُ في معتركِ الحياةِ، ليمدَّكَ بالعونِ، ويشحذَ أهمَّ أسلحتِكَ وهو الصبرُ، ويدرِّبَ إرادتَكَ؛ فالمنعُ من المحبوباتِ هو أعظمُ وسيلةٍ لتقوى بها إرادتُكَ. ففي كلِّ مرةٍ تقولُ لهواكَ وشهوتِكَ: لا؛ فقد أضفتَ لإرادتِكَ وعزيمتِكَ نقاطَ قوةٍ في وجهِ رغباتِكَ.
فما رمضانُ إلا مدرسةٌ لتخريجِ الصابرين، أو إن شئتَ فقلْ: استراحةُ محاربٍ يتفقدُ فيها سلاحَه، ثم يخوضُ غمارَ الحربِ مجددًا وهو أقوى عزيمةً وأصلبُ مراسًا.
فرمضانُ يريدُ أن يؤهلكَ لتكونَ أقوى في مواجهةِ حياتِكَ بكافةِ تحدياتِها.
وما مثلُ شهرِ رمضانَ إلا كالنهرِ الذي ابتلى اللهُ به جندَ طالوتَ، ليمتحنَ به عزيمتَهم؛ فمن أمسكَ فيه عن هوى نفسِه، وألزمَها التقوى، وأقلعَ عن ذنبِه، وتابَ إلى ربِّه، اجتازَ إلى عدوِّه، وهو مرشَّحٌ للنصرِ بعد أن انتصرَ على نفسِه. وكيف لا ينتصرُ؟! وهو من الصابرين، واللهُ مع الصابرين.
اللهم بلِّغنا رمضانَ، ووفِّقنا فيه لهداكَ، وامنحنا فيه الصبرَ والعزمَ، واكتبنا فيه من المقبولين..
المرفقات
1770908419_اشحذ سلاحك ( PDF).pdf
1770908419_اشحذ سلاحك ( وورد).docx