اسم الله الكبير
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله الذي علا وقهَر، وعزَّ واقتدر، وفطر الكائنات بقُدرته فظهرت فيها أدلة وحدانية من فطَر، فسبحانه من إلهٍ عظيم لا يُماثل ولا يُضاهى ولا يُدركه بصر، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنَّ نبينا محمدًا عبده ورسوله سيد البشر، وعلى آله وصحبه السادة الغُرر... ثم أما بعد:
عباد الله: سنعيش وإياكم في هذه الدقائق الغالية نَسْعدُ فيها بمعرفة شيء من معاني اسم الله الكبير، هذا الاسم المبارك الذي ذُكر في كتاب ربنا في ستة مواضع ومنها قوله سبحانه:
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾
وقوله ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ﴾
والكبير هو العظيم في كل شيء عظمة مطلقة، وهو الذي كبُر وعلا في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل من سواه،
وحين يكَبِّرُ المسلمُ قائلاً (الله أكبر) معتقدًا أن لا كبير ولا عظيم إلا الله الذي بيده ملكوت كل شيء، فقد صحَّ معتقده، وباشر قلبَه المعنى الحقيقي العظيم لاسم الله تعالى الكبير، وحقق قول الله:
﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾
أي لا تكبر غير الله ولا تُعظِّم أحدًا أعظم من الله، فهو سبحانه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، وهو الكبير المنزَّه عن النقائص، الموصوف بكل صفات الكمال والجمال...
﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾
﴿ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾
فهو المُشرِّع فلا حُكم إلا حُكمه؛ ولا إحسان كإحسانه، ولا إنعام كإنعامه، ولا عطاء كعطائه، فهو الكبير الذي عزَّ وقَهرَ وملَك ورزَق وقدَّر ولطف...
الله الكبير الغني عن كل أحد، الواحد الصمد الذي لا شريك له ولا ولد، هو الكبير مستوٍ على عرشه بائن عن خلقه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير...
وحتى ندرك عظمة ربنا سبحانه فلنتأمل شئياً يسيراً من عظمة ما خلق:
رأى رسولُ الله جبريلَ عليه السلام في صورته التي خلق الله مرتين، رآه على كرسي بين السماء والأرض قد غطَّى الأفق وله ستمائة جناح، وفي صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام واصفًا جبريل:
" رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ "..
وصحح الألباني قوله (أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ) ..
والبيت المعمور بيت في السماء رآه النبي فسأل جبريل عنه فقال: ( هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم ) البخاري ..
ويحدثنا المصطفى عن خزنة جهنم فيقول: ( يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا )مسلم
أمَّا إن سألت عن عظمة هذا الملكوت الكبير والكون الفسيح فتأمل هذه الشمس العظيمة مثلاً حينما يقول أهل الفلك أن الشمس أكبر من الأرض بأكثر من مليون مرة وأن الشمس تبعد عنَّا أكثر من مئة وخمسين مليون كيلاً، والشمس ليست بشيء بالنسبة للمجرة؟ وما المجرة بشيء مع المجرات الأخرى؟ وما المجرات كلها بالنسبة للكرسي؟ وما الكرسي بالنسبة لعرش الرحمن ؟ فلا إله إلا الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ..
كل هذه الأملاك في تلك الأفلاك، العظيمة في حجمها وعددها، وغير ذلك كثير من ملكوت ربنا سبحانه، في قبضته لا يخرج عن ملكه مثقال ذرة ..
(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )
قال في تفسير هذه الآية العظيمة: ( يَطْوِي اللّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ) رواه مسلم
وعن ابن عباس أنه قال: ( مَا السَّمواتُ السَّبعُ والأرضونَ السَّبعُ في كفً الرَّحمنِ إلَّا كخرْدَلَةٍ في يَدِ أحدِكم)
فاسْعد يا عَبْدَ الله بعقيدتك بربك ومألوهك، فإذا خفتَ فالأمنُ عند الله الأكبر، وإذا رغبتَ في قضاء حاجاتك فاقصد الأكبر، وإذا توكلت فعلى الأكبر، وإذا سألت فاسأل الأكبر، وإذا طلبت ركناً شديداً تأوي إليه فالركن الشديد هو الأكبر، فإن كل كبير إذا أضيف إلى الأكبر فإنه يتصاغر حتى يكون تبعاً للأكبر ...
فهذا هو الله الملك الكبير قد شرع لك بابه، ولم يُسْدل عليك حِجَابَه، ولا أغلظ دونك بُوَّابه، بل مهَّد لك وِطاءه، ويناديك ويتلطف إليك أن أقبل إن كانت لك حاجة...
فالله ﺃﻛﺒﺮ ﺑُﻜْﺮﺓً ﻭﻋﺸﻴّﺎ ﻳﻐﺪﻭ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻘﻠﺐ ﺍﻟﻤﺤﺐُّ ﺭَﺿِﻴﺎ ..
ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ،ﻓﻲ ﺍﻟﻈﻼﻡ ﺇﺫﺍ ﺩﺟﻰ ﻭﺑﺪﺍ ﻟﻨﺎ ﺍﻟﻘﻤﺮ ﺍﻟﻤﻨﻴﺮ ﺑَﻬِﻴّﺎ ..
ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ، ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ﺇﺫﺍ ﺳﺮﻯ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻀﻴﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻧَﺪِﻳّﺎ ..
ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ، ﻛﻠﻤﺎ ﺭﺩّﺩْﺗُﻬﺎ ﺃﺣﺴَﺴْﺖُ ﺃﻥّ ﺍﻟﺸَّﻬْﺪَ ﻓﻲ ﺷﻔﺘﻴّﺎ ..
ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ ،ﻛﻢ ﺃﺯﺍﺣﺖْ ﺣﺴﺮﺓ ﻛﻢ ﺃﺳْﻌَﺪَﺕْ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ ﺷﻘﻴّﺎ ..
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يبلغنا حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا ومن الماء البارد عند الضمأ ....
الخطبة الثانية:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وبعد:
عباد الله:
إنَّ تكبير الله وتعظيمه في القلوب داعٍ إلى مراقبته والخوف منه والعمل بمرضاته، ولذا كان التكبير في شرع ربنا من أجل القربات فالله أكبر أول لفظ الأذان لتترك ما في يدك وتقبل على الله الأكبر من كل شيء، والله أكبر تكبيرة الإحرام تستفتح بها أعظم فريضة يحبها الله، ولو لم تبدأ صلاتك بها فلا صلاة لك، وفي قيامك وقعودك وركوعك وسجودك تقول الله أكبر واجب من واجبات صلاتك لتتذكر في كل لحظات صِلتك بربك أن ربَّك أكبر من الدنيا وزخرفها وزينتها وربّك أكبر من وسوسة الشيطان وهمزه ونفثه ونفخه، فتقبل على الله وحده...
وهكذا بعد الصلاة تكبر الله وقبل نومك تكبر الله وبعد قيامك وفي العشر وأيام التشريق تكبر وعلى ذبيحتك تكبر وفي حج الحجاج ورميهم وطوافهم وسعيهم، ومن قال الله أكبر غرست له نخلة في الجنة وتحاتت ذنوبه كما يتحات ورق الشجر...
كل ذلك لنكبر الله في قلوبنا ونعظمه ونعظِّم أوامره ونواهيه، فإذا جاء قول الله لم نقدم عليه طاعة قريب ولا بعيد ولا عزيز ولا ذليل، ومن كان لله مُعظمًا كان له أخوف ومنه أقرب وعن معاصيه أبعد...
و (الله أكبر) إذا امتلئ بها قلب العبد خرج منه كل كبر وكل غرور، وكل رياء وكل ارتفاع وكل علو ...
فكبروا ربَّكم ـ عباد الله ـ حق تكبيره وعظموه حق تعظيمه، واسألوه أن يملأ القلوب بحبه وتبجيله، وصلوا وسلموا على أتقى البشرية وأزكاها، ونورها وضياء دجاها صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا...
المرفقات
1767108203_اسم الله الكبير.docx