استقبال رمضان 1447هـ
محمد بن عبدالله التميمي
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَأَفَاضَ عَلَيْنَا فِيهَا جَزِيلَ الهِبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ رَمَضَانَ مَيْدَانًا لِلسَّابِقِينَ، وَطُهْرَةً لِلْمُذْنِبِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ صَامَ وَقَامَ، وَأَبَرُّ مَنْ تَعَبَّدَ لِرَبِّهِ وَصَلَّى وَنَامَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أما بعد:
فَأُوصِيكُم عبادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ، فاتقُوا اللهَ، وتَذَكَّرُوا بِسُرْعَةِ مُرُورِ الأيام، سُرْعَةَ زَوالِ الدُّنيا. وبِتَقارُبِ الزمانِ، قُرْبَكُم مِن الْمَوْتِ، واعلمُوا أنَّ أعْظَمَ غنيمَةٍ يَغْنَمُها العَبْدُ، هي اسْتِغْلالُهُ أيَّامَ عُمُرِهِ في مُحاسَبَةِ نَفْسِهِ، والتَّزَوُّدِ بما يُقَرِّبُهُ إلى الله، خُصُوصًا عِنْدَما يُوَفَّقُ العَبْدُ لِإِدْراكِ الأزْمِنَةِ الفاضِلَةِ ومَواسِمِ الخيرِ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون: أيامٌ قَلَائِل ويُهِلُّ هلالُ شهرِ رمضانَ المباركِ، في الحديث: «قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، شَهْرٌ جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ» هُوَ شَهْرُ القرآنِ، وشهرُ التقوى، وشهرُ الصيامِ والقِيامِ والعبادةِ والدعاءِ والتَضَرُّعِ إلى الله. وشهرُ الْمغفرةِ والعِتقِ مِن النار.
كان رسول الله ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ: «قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ قَدِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ».
قال الحافظُ ابنُ رَجَبٍ: "هذا الحديثُ أصلٌ في تهنئةِ النَّاسِ بعضِهِم بعضًا بِشَهْرِ رَمَضَان.
كَيْفَ لا يُبَشَّرُ المؤمنُ بفتح أبواب الجنان، كيف لا يُبَشَّرُ المذنبُ بغَلْقِ أبوابِ النيرانِ، كيفَ لا يُبَشَّرُ العاقلُ بوقتٍ يُغَلُّ فيه الشيطانُ، من أين يُشبه هذا الزمانَ زمانٌ؟!"
جاء في الحديث: «أتاكم رمضانُ سيِّدُ الشُّهورِ، فمرحبًا به وأهلًا»، وجاء عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ: «مَرْحَبًا بِمُطَهِّرِنَا، فَرَمَضَانُ خَيْرٌ كُلَّهُ صِيَامُ نَهَارِهِ وَقِيَامُ لَيْلِهِ».
أيها المسلمون.. يَنتَظِرُ الْمؤمنونَ قُدُومَ شَهْرِ رمَضَانَ بِشَوْقٍ، ويَتَطَلَّعُونَ إلى رُؤْيَةِ هِلالِه بِلَهَف، فبلوغه شهر رمضان ليس مجرَّدَ عادَة، بل فَرصةٌ للتَّزوُّدِ من العبادة. فكم غَيَّب الموتُ مَن كانوا يَتمونون صيامه، فهم الآن مرتَهَنُونَ بَأعمالهم تَحتَ التراب، يَتَمَنَّى الواحدُ منهم ذِكرًا يَرفَعُه، أو سَجْدَةً تُقرِّبُه، فيا عبدَ الله.. انْوِ الخير، واعقد العزم، على الاجتهاد في الخيرات، والمسارعة في الطاعات.
إنَّ بُلوغَ شهرِ رمضانَ وصيامَه نِعمةٌ عظيمةٌ على مَن أَقدَرَهُ الله عليه، ويدُلُّ عليه حديثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، وكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ. قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».
اللهمَّ اجعل أعمارَنا زادًا لأعمالنا تُبلِّغُنا رضاك.
عبادَ الله.. قد قَرُبَتْ أيَّامُ المُصَالَحةِ، وأَقبلَتْ أيَّامُ التِّجارةِ الرَّابحةِ. مَنْ لم يَرْبَحْ في هذا الشَّهرِ ففي أيِّ وقتٍ يربَحُ؟! مَنْ لم يَقْرُبْ فيهِ مِن مولاهُ فهو على بُعْدِه لا يَبْرَح. مَن رُحِمَ في شهر رمضانَ فهو المرحومُ، ومَنْ حُرِمَ خيرَه فهو المحرومُ، ومَنْ لم يتزوَّدْ فيه لِمَعَادِهِ فهو ملوم.
خَطبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز آخرَ خطبةٍ خطبَها، فقال فيها: إنَّكم لم تُخْلَقُوا عبَثًا، ولن تُتْرَكُوا سُدًى، وإنَّ لكم معادًا يَنْزِلُ الله فيه للفصل بينَ عبادِه، فقد خابَ وخسِرَ من خرج مِن رحمة الله التي وَسِعَتْ كُلِّ شيءٍ، وحُرِمَ جَنَّةً عَرْضُها السَّماواتُ والأرضُ. أَلَا تَرَوْنَ أنكم في أسلاب الهالكين، وسَيرِثها بعدَكم الباقون؟ كذلك حتَّى تُرَدَّ إلى خَيرِ الوارِثين. وفي كُلِّ يوم تُشيِّعونَ غاديًا ورائحًا إلى الله قد قَضَى نَحْبَه، وانْقَضَى أجلُه، فتودِّعُونَه وتَدَعُونَه في صَدْعٍ من الأرضِ غير موسَّدٍ ولا مُمهَّدٍ، قد خَلَعَ الأسبابَ، وفارَقَ الأحبابَ، وسَكَنَ التُّرابَ، وواجَهَ الحِسابَ، غنيًّا عمَّا خَلَّفَ، فقيرًا إلى ما أَسْلَفَ؛ فاتَّقُوا الله عبادَ الله قبلَ نُزولِ الموتِ وانقضاءِ مَوَاقِيتِه، وإنِّي لأقولُ لكم هذه المقالةَ وما أَعْلَمُ عندَ أحدٍ مِنَ الذُّنوبِ أكثَرَ مِمَّا أعلمُ عندِي، ولكني أستغفرُ الله وأتُوبُ إليه. ثمَّ رَفَعَ طَرَفَ رِدائِهِ وبَكَى.
فأصلِح قَلْبَك، وابكِ على خَطِيئَتِك، واستغفر لِذنْبك وللمؤمنين والمؤمنات، إنَّ ربي غفورٌ رحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً. أَمّا بَعدُ:
أوَّلُ ليلةٍ مِن رمضان لا كالليالي، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ فِي شَأْنِها: (إذا كانَ أوَّلُ لَيْلةٍ مِن شَهْرِ رمضان، صُفِّدَت الشياطينُ ومَرَدَةُ الجِن، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ).
إِنَّهَا فُرْصَةٌ نَادِرَةٌ، وغَنِيْمَةٌ بَارِدَةٌ؛ فَيَا خَيْبَةَ مَنْ ضَيَّعَهَا! قال ﷺ: (أَتَانِي جِبرِيلُ، فقال: رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ؛ قُل: آمِينَ؛ فَقُلتُ: آمِينَ).
إنَّ رمضانَ فُرْصَةٌ لِلْإِقْلَاعِ عَنِ العِصيانِ، والاِنتِصَارِ على الشيطانِ؛ فَهُوَ أَضْعَفُ ما يكونُ في رمضان! تَنَبَّهوا من لُصوصِ رَمَضَانَ واحذَرُوهُم! ﴿واللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
وصِيَامُ رَمَضَانَ: شُرِعَ الصومُ؛ كَسْرًا لِشَهَوَاتِ النُّفُوسِ، وقَطْعًا لِأَسْبَابِ التَّعَبُّدِ لِغَيْرِ اللهِ، وأَهوَنُ الصِّيامِ: تَرْكُ الطعامِ؛ فإذا صُمْتَ: فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ، وبَصَرُكَ، ولِسَانُكَ عن الحرامِ.
كُلَّمَا تَكَاسَلْتَ؛ فتَذَكَّرْ أَنَّهُ ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾.
فَاللهَ اللهَ في رَمَضَانَ؛ فَهُوَ ضَيْفٌ يَأْتِي على عَجَلٍ؛ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ بالعَمَلِ، واحْذَرُوا التَّسوِيفَ والكَسَل! وكَم مِمَّنْ أمَّلَ أَنْ يَصُومَ هذا الشهرَ، فَخَانَهُ أَمَلُهُ؛ فصارَ قَبْلَهُ إلى ظُلْمَةِ القَبر.
ولا يُفوّتنَّ المرء صلاة القيام مع الإمام فقد قال النبي ﷺ لما صلى بأصحابه في رمضان: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، ولْنَكُنْ عونًا للإمام في طول صلاة القيام وحسنها، والركود في ركوعها وسجودها، فإنما هي ليالٍ معدودات.
اللهمَّ بَلِّغْنا رَمَضانَ، وارْزُقْنا صِيامَه وَقِيامَه إيمانًا واحْتِسابًا، ووِفِّقنا لتوبةٍ نصوحٍ، وحُسنِ رَغبةٍ في طاعتك، واجتهادٍ فيما يُقرِّبُ إليك ويُبلّغنا رضاك.
ثم اعلموا عباد الله أَنَّ اللهَ لَطَفَ بِعِبَادِهِ الـمُؤمِنِينَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلاةِ على سَيِّدِ الـمُرْسَلِيْنَ، فصَلَّى عَلَيْهِ رَبُّنَا ومَوْلانَا تَشْرِيفًا وتَكْرِيْمًا، وصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلَائكَتُهُ تَفْضِيلًا وتَعْظِيْمًا، فَقَالَ مَن لَّمْ يَزَلْ سَمِيْعًا عَلِيْمًا ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
المرفقات
1770917548_استقبال رمضان 1447هـ.docx
1770917548_استقبال رمضان 1447هـ.pdf