ارْكَبْ مَعَنَا
يوسف العوض
الخُطْبَةُ الأُولَى
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنَجِّينَا يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ قِصَّةَ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تِلْكَ الْقِصَّةُ الَّتِي تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي سُوَرٍ عِدَّةٍ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ الْعَظِيمَةِ، وَالْأُصُولِ الْكُبْرَى فِي الدَّعْوَةِ وَالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ وُقُوعِ الشِّرْكِ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَرْكِ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ مِثْلَ وَدٍّ، وَسُوَاعٍ، وَيَغُوثَ، وَيَعُوقَ، وَنَسْرٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي التَّفْسِيرِ عَنِ السَّلَفِ.
دَعَاهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكُلِّ أَسَالِيبِ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا، فَكَانَ يَدْعُوهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ فِي الِاسْتِغْفَارِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾.
وَلَكِنَّ قَوْمَهُ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، وَاسْتَكْبَرُوا، وَجَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ، وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ، وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا، وَاتَّهَمُوهُ بِالضَّلَالِ وَالسِّحْرِ، وَقَالُوا: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾.
فَلَمَّا طَالَ الْأَمَدُ، وَقَلَّ أَهْلُ الْإِيمَانِ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ دُعَاءً عَظِيمًا، فَقَالَ: .
فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَصْنَعَ السَّفِينَةَ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾، أَيْ بِحِفْظِنَا وَتَعْلِيمِنَا، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ صَنَعَهَا مِنْ خَشَبٍ، وَكَانَ يَدُقُّ الْمَسَامِيرَ وَيَعْمَلُهَا بِتَوْجِيهٍ مِنَ اللَّهِ.
وَبَيْنَمَا هُوَ يَبْنِي السَّفِينَةَ فِي أَرْضٍ لَا بَحْرَ فِيهَا، كَانَ قَوْمُهُ يَمُرُّونَ بِهِ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، فَيَقُولُ: ﴿ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ عَلامَةَ بُدْءِ الطُّوفَانِ كَانَتْ وَفَارَ التَّنُّورُ، أَيْ خَرَجَ الْمَاءُ مِنَ الْأَرْضِ بِقُوَّةٍ، حَتَّى مِنَ التَّنُّورِ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ، دَلَالَةً عَلَى عِظَمِ الْحَدَثِ.
فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَحْمِلَ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأَهْلَهُ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَمَنْ آمَنَ، وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ.
فَلَمَّا رَكِبُوا، قَالَ نُوحٌ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، فَجَرَتِ السَّفِينَةُ بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ، مَوْجٌ عَظِيمٌ مُتَلَاطِمٌ، لَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنْ أَعْظَمِ مَوَاقِفِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، مَوْقِفُ نُوحٍ مَعَ ابْنِهِ، حِينَ نَادَاهُ بِرِقَّةِ الْأَبِ وَرَحْمَتِهِ: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، فَأَبَى وَقَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ، فَقَالَ نُوحٌ: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ، فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وَنَاصِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُهْلِكِ الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
عِبَادَ اللَّهِ: تَدَبَّرُوا قِصَّةَ سَفِينَةِ نُوحٍ تَدَبُّرَ الْمُتَّعِظِينَ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ قِصَّةً لِلتَّارِيخِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِيمَانِ وَسُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ:
أَوَّلًا: أَنَّ النَّجَاةَ مُرْتَبِطَةٌ بِالْوَحْيِ، فَالسَّفِينَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ خَشَبٍ، بَلْ كَانَتْ أَمْرًا إِلٰهِيًّا، فَمَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ هَلَكَ، وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ، مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ نَجَا.
ثَانِيًا: أَنَّ الْأَسْبَابَ لَا تَنْفَعُ بِدُونِ إِذْنِ اللَّهِ، فَالْجَبَلُ الَّذِي ظَنَّهُ ابْنُ نُوحٍ حِصْنًا لَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا.
ثَالِثًا: أَنَّ الْقَرَابَةَ لَا تُنْجِي، فَهَذَا ابْنُ نَبِيٍّ لَمْ يَنْجُ، وَفِي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالْأَنْسَابِ.
رَابِعًا: أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الْمُكَذِّبِينَ هِيَ الْإِهْلَاكُ، وَفِي الْمُؤْمِنِينَ النَّجَاةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ أَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ.
وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّ الْمَاءَ اجْتَمَعَ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا ﴾، فَكَانَ طُوفَانًا عَظِيمًا لَمْ يَشْهَدِ الْبَشَرُ مِثْلَهُ.
ثُمَّ لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ، قِيلَ: يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي، فَغَاضَ الْمَاءُ، وَاسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ، وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّنَا الْيَوْمَ نَعِيشُ فِي أَمْوَاجٍ مِنَ الْفِتَنِ، فِتَنِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَلَا نَجَاةَ لَنَا إِلَّا بِسَفِينَةِ الْإِيمَانِ، وَالِاعْتِصَامِ بِاللَّهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى دِينِهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ، وَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ، وَاحْذَرُوا طَرِيقَ الْمُكَذِّبِينَ، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
اَللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ النَّاجِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْمُغْرَقِينَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى الْإِيمَانِ حَتَّى نَلْقَاكَ.
المرفقات
1776151119_سفينة.docx