أيُّ شهرٍ هذا؟!

د. سلطان بن حباب الجعيد
1447/09/02 - 2026/02/19 08:14AM

 

 


الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الصِّيَامَ سَبِيلًا إِلَى تَقْوَاهُ، وَأَنْزَلَ القُرْآنَ دَالًّا النَّاسَ إِلَى هُدَاهُ، وَتَفَضَّلَ بِمَوَاسِمِ الخَيْرَاتِ لِيَصِلَ العَبْدُ إِلَى غَايَتِهِ وَمُبْتَغَاهُ، مِنْ رِضَى سَيِّدِهِ وَمَوْلَاهُ.

وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى عَظِيمِ الجَاهِ، الَّذِي حَازَ مِنَ الشَّرَفِ وَالفَضْلِ مُنْتَهَاهُ، وَمِنَ الثَّنَاءِ أَزْكَاهُ. صَلَاةً وَسَلَامًا بِعَدَدِ حَبَّاتِ الرَّمْلِ وَقَطَرَاتِ المِيَاهِ.

 


أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَبِهَا تَطِيبُ الحَيَاةُ، وَتَسْتَنِيرُ القُلُوبُ وَالبَصَائِرُ، وَتَحِلُّ بِهَا الرَّحَمَاتُ وَالبَشَائِرُ. قَالَ تَعَالَى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨].

 


وَبَعْدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللَّهِ: أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟!

أَلَيْسَ بِشَهْرِ رَمَضَانَ؟!

الَّذِي تُفَتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجِنَانِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ النِّيرَانِ؟!

أَلَيْسَ بِالشَّهْرِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ القُرْآنَ، هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ؟!

أَلَيْسَ بِالشَّهْرِ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ صِيَامَهُ عَلَى النَّاسِ؛ أَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَجَعَلَهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَحَدَ مَبَانِي الإِسْلَامِ العِظَامِ؟!

أَلَيْسَ بِالشَّهْرِ الَّذِي تَكْثُرُ فِيهِ الرَّحَمَاتُ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهِ البَرَكَاتُ، وَتُغْفَرُ فِيهِ الزَّلَّاتُ، وَتَتَحَقَّقُ فِيهِ الأُمْنِيَّاتُ؟!

أَلَيْسَ بِالشَّهْرِ الَّذِي يَمُنُّ اللَّهُ فِيهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِالعِتْقِ مِنَ النَّارِ، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دِيوَانِ الأَشْرَارِ إِلَى دِيوَانِ الأَخْيَارِ؟!

أَلَيْسَ بِالشَّهْرِ الَّذِي فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ؟!

 


بَلَى، هُوَ كُلُّ ذَلِكَ، وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ.

فَالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِبُلُوغِهِ، وَنَسْأَلُهُ كَمَا بَلَّغَنَا إِيَّاهُ أَنْ يُعِينَنَا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، وَأَنْ يُهِلَّهُ عَلَيْنَا بِاليُمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ.

 


فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ ضَيْفٍ حَلَّ عَلَيْنَا، وَنَزَلَ بِسَاحَتِنَا، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْرِفَ لَهُ قَدْرَهُ، وَنُكْرِمَ نُزُلَهُ، وَنُمَعِّنَ فِي حِفَاوَتِهِ وَاسْتِغْلَالِهِ.

 


أَيُّهَا الصَّائِمُونَ: شَهْرٌ بِهَذِهِ الفَضَائِلِ وَالخَصَائِصِ، مِنَ الغَبْنِ أَنْ يَمُرَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأَيَّامِ، دُونَ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ نُفُوسِنَا وَيُهَذِّبَ مِنْ سُلُوكِنَا.

فَإِذَا كَانَ حُلُولُ الشَّهْرِ يُحْدِثُ تَغَيُّرَاتٍ فِي الكَوْنِ وَفِي الآفَاقِ، فَمَا بَالُ بَعْضِ النُّفُوسِ عَصِيَّةً عَلَى التَّغْيِيرِ، تَنْطَوِي عَلَى قُلُوبٍ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً؟!

 


أَيُّهَا الصَّائِمُونَ، هِيَ دَعْوَةٌ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ جُمُعَاتِهِ، أَنْ نَسْتَغِلَّهُ خَيْرَ اسْتِغْلَالٍ، وَأَنْ نَدْفَعَ بِالخَيْرِ الَّذِي فِي نُفُوسِنَا إِلَى أَقْصَاهُ، وَأَنْ نَبْذُلَ فِيهِ غَايَةَ الجُهْدِ وَمُنْتَهَاهُ.

 


فَكَمْ هُوَ جَدِيرٌ أَنْ تَصْطَفَّ أَقْدَامُنَا فِيهِ لِلْقِيَامِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ؟! فَإِنَّ لِقِيَامِهِ مِيزَةً عَنْ كُلِّ قِيَامٍ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [البخاري].

 


وَجَدِيرٌ أَنْ نُعَمِّرَ وَقْتَهُ بِتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَأَنْ نَأْذَنَ لِهَذَا الغَيْثِ أَنْ يَهْطِلَ عَلَى قُلُوبِنَا، فَيُطَهِّرَهَا مِمَّا رَانَ عَلَيْهَا طُولَ العَامِ. فَإِنَّ لِتِلَاوَتِهِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مِيزَةً عَنْ كُلِّ تِلَاوَةٍ؛ فَهُوَ الشَّهْرُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].

 


وَجَدِيرٌ أَنْ نَبْسُطَ فِيهِ أَيْدِيَنَا بِالبَذْلِ وَالعَطَاءِ، وَأَنْ نَنْكَسِرَ لِحَالِ المَسَاكِينِ وَالفُقَرَاءِ، وَأَنْ يَكْثُرَ فِيهِ خَيْرُنَا عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَتَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْنَا. فَإِنَّ لِلْبَذْلِ وَالإِنْفَاقِ فِيهِ مِيزَةً عَلَى كُلِّ إِنْفَاقٍ. فقد "كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أجْوَدَ النَّاسِ، وكانَ أجوَدُ ما يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضَانَ، فيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ". [ البخاري ومسلم]

 


وَجَدِيرٌ أَنْ نُكْثِرَ فِيهِ مِنْ دُعَاءِ اللَّهِ وَطَلَبِهِ وَالإِلْحَاحِ عَلَيْهِ، فَإِنَّنَا فِي رَمَضَانَ عَلَى مَوْعِدٍ مُقَدَّسٍ عِنْدَ كُلِّ إِفْطَارٍ، وَفِي الأَسْحَارِ، مَعَ المَلِكِ العَظِيمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَالقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. َوالدُّعَاءُ فِي رَمَضَانَ لَهُ مِيزَةٌ عَنْ كُلِّ دُعَاءٍ، فَأَبْوَابُ السَّمَاءِ فِيهِ مَفْتُوحَةٌ، وَفَضْلُ اللَّهِ فِيهِ عَظِيمٌ.

قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَالإِمَامُ العَادِلُ، وَدَعْوَةُ المَظْلُومِ؛ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» [أحمد والترمذي]

وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ فِي أَثْنَاءِ آيَاتِ الصِّيَامِ، لَافِتًا الأَلْبَابَ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ العِبَادَتَيْنِ، فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].

 


وَجَدِيرٌ أَنْ نُعَظِّمَهُ كَمَا عَظَّمَهُ اللَّهُ، وَأَنْ نَكُفَّ فِيهِ عَنِ الآثَامِ، وَنَحْفَظَ فِيهِ جَوَارِحَنَا عَنِ الحَرَامِ. فَإِنَّ لِلتَّقْوَى فِيهِ مِيزَةً، فَمِنْ أَجْلِهَا شُرِعَ الصِّيَامُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].

 


فَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فِيهِ، وَقَطَّعَ الوَقْتَ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ، لَمْ يَعْرِفْ لِلشَّهْرِ حَقَّهُ، وَضَيَّعَ قَصْدَهُ، وَكَانَ حَظُّهُ مِنَ الصِّيَامِ تَرْكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [البخاري].

 


أَقُولُ قَوْلِي هَذَا…

 


الثَّانِيَةُ:

 


وَبَعْدُ: أَيُّهَا الصَّائِمُ، إِنَّنِي فِي هَذَا المَقَامِ، وَبَعْدَ مَا سَمِعْتَ مِنْ فَضَائِلِ هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ وَفُرَصِهِ، أُهَيِّبُ بِكَ أَنْ تُشَمِّرَ فِيهِ عَنْ سَاعِدِ الجِدِّ وَالاجْتِهَادِ، وَتَتَعَرَّضَ فِيهِ لِنَفَحَاتِ رَبِّكَ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا عَادٌّ، وَأَنْ تَتْرُكَ الرَّاحَةَ وَطُولَ السُّهَادِ، وَلْيَكُنْ هِجِّيرَاكَ فِيهِ هُوَ العَمَلَ الجَادَّ.

 


فَكَمْ مِنْ ذُنُوبٍ فِيهِ قَدْ غُفِرَتْ؟! وَهُمُومٍ فِيهِ قَدْ فُرِّجَتْ؟! وَآمَالٍ فِيهِ قَدْ حُقِّقَتْ؟! وَتَوْبَاتٍ فِيهِ قَدْ قُبِلَتْ؟! وَأَمْرَاضٍ فِيهِ قَدْ شُفِيَتْ؟!

 


أُهَيِّبُ بِكَ أَلَّا تُضَيِّعَ هَذِهِ الفُرَصَ مِنْ يَدَيْكَ، فَيُصِيبَكَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ مَا يُصِيبُكَ، عِنْدَمَا صَعِدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ المِنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ»، فَلَمَّا نَزَلَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ». [ الطبراني]

 


وَدَعْنَا نَتَذَكَّرْ أَنَّنَا فِي نِهَايَةِ كُلِّ رَمَضَانَ مِنْ كُلِّ عَامٍ نُرَدِّدُ عَلَى سَبِيلِ النَّدَمِ وَالحَسْرَةِ: يَا لَيْتَ رَمَضَانَ يَعُودُ، حَتَّى نَسْتَدْرِكَ فِيهِ مَا فَاتَ.

 


فَأَقُولُ لَكَ: هَذِهِ الأُمْنِيَّةُ قَدْ تَحَقَّقَتْ، فَأَنْتَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَأَرِ اللَّهَ مِنْ نَفْسِكَ الصِّدْقَ، وَلَا تَدَعْ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الخَيْرِ إِلَّا طَرَقْتَهُ، وَلَا سَبِيلًا مِنْ سُبُلِهِ إِلَّا سَلَكْتَهُ، وَأَكْثِرْ فِيهِ مِنَ الخَيْرَاتِ تَنَلْ عَظِيمَ الأُمْنِيَّاتِ، حَتَّى لَا تَكُونَ فِي خِتَامِهِ مِنَ النَّادِمِينَ المُتَمَنِّينَ، وَالأَمَانِيُّ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ رُؤُوسُ أَمْوَالِ المُفْلِسِينَ.

 


اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِي شَهْرِنَا عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ، وَوَفِّقْنَا فِيهِ لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَآتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا

المرفقات

1771478077_أيُّ شهر هذا؟! ( PDF).pdf

1771478077_أيُّ شهر هذا؟! ( وورد).docx

المشاهدات 450 | التعليقات 1

كتب الله اجرك 

وجزاك الله خير الجزاء