ألا ذلك هو الخسران المبين
الشيخ عبدالرحمن بن ناصر آل شبنان المعاوي
الخطبة الأولى:
الحمد لله العزيز الرحيم ﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ من يهده فهو المهتدي ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ﴾
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ هداه ربه واجتباه، وبعثه ابتلاء للعباد، وأنزل عليه كتاباً لا يأتيه الباطل أبدا؛ فهو هداية لمن تمسك به، وخسارة لمن ضل عنه ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين... أما بعد:
عباد الله:
تحدثنا في الجمعة الماضية عن ثبات تلك الفئة المؤمنة أصحاب الأخدود، الذين فتنوا فتنة عظيمة لكن الله تعالى ثبتهم وأعانهم وختم لهم بجنات تجري من تحتها الأنهار ووصف ثباتهم بأنه الفوز الكبير، وكذلك كل من ثبت على دينه حتى يلقى ربه، تجارته رابحة لن تبور ولن يعتريها محق ولا خسارة ولا ثبور...
وفي الجانب الآخر ذكر ربنا مواضع عديدة جداً يحذرنا فيها من طريق الخسارة، حتى تعي قلوبنا حقيقة دنيانا وحقيقة ما خُلقنا من أجله...
﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا ﴾ ...
أيها الناس:
أعظم ما يصيب النفوس الخسارة، يخسر المرءُ ماله أو أهله أو ولده أو قريبه وحبيبه أو جاهه ومنصبه، والخسارة ولا شك مُرٌّ مذاقها، شديد على الخاسر وطؤها، فهي مجلبة الهم والغم، وهي بوابة اليأس والتعاسة، وهي سبب التشفي والشماتة؛ فلا يشمت الإنسان بعدوه إلا حال خسارته.
لكن الله الخالق الحكيم قد أنبأنا عن الخسران المبين عن الخسارة الحقيقية عن أعظم الخسائر على الإطلاق وهي خسارة الدين؛ فقال ﴿ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ﴾
خسر نفسه لما ضيع أوامر الله في دنياه فكان حطباً في نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى، هذه والله حسرة وندامة فكيف لو خسر كذلك أعزَّ شيء عنده في حياته، يرى ولده وبُنَيَّته وزوجته أمام ناظريه يُصْلَوْن معه في النار ينادُون يتأوهون يصيحون ولا مجيب، لأنهم ظلموا أنفسهم وما أطاعوا ربهم..
با لله يا عباد الله هل هناك خسارة أشد وأنكى على القلب من هذه الخسارة، وقد صدق ربنا حين وصف هذا الحال فقال ( ألا ذلك هو الخسران المبين )...
اللهم لطفك وعظيم عفوك وأنت أرحم الراحمين..
يا عباد الله: نبأنا الله تعالى وأعلمنا قاعدة من أعظم قواعد كتابه سبحانه حين قال:
﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴾
من أطاع الشيطان وعصى الرحمن فقد خسر الخسران الأعظم والأبين، خسر دينه ودنياه وأرداه الشيطان فكان في شقاءٍ أبدي، وخسر النعيم السرمدي، فطاعة الشيطان هي أصل الخسران، وأساس الإفلاس، لأنه يُزين للعصاة أعمالهم، ولا يجعل الآخرة همَّهم، يزين لهم ترك الطاعات، وإتيان المحرمات، حتى تخف موازينهم فيخسروا ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾
يلهيهم بالمال والولد فيضيِّع العبدُ أوامر الله بسبب ولده فيكونوا سبباً في خسارته ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ﴾
يضيعون الصلوات فيكبهم ربهم في نار جهنم قال صلى الله عليه وسلم: (( إن أَوَّلَ ما يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يوم الْقِيَامَةِ من عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ )) رواه النسائي والترمذي.
زَيَّن لهم القيل والقال، والغيبة والنميمة وما فَحُشَ من الأقوال والأعمال، ويزين لهم أكل حقوق الخلق حتى يصبحوا يوم القيامة مفاليس،
وفي هذا يقول الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -: « أتَدرون ما المُفلِسُ؟ ». قالوا: المُفلِسُ فينا من لا دِرهَم له ولا متاع، فقال: «إن المُفلِسَ من أمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتَمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسفَكَ دمَ هذا، وضرَبَ هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فنِيَت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَت عليه، ثم طُرِح في النار»؛ رواه مسلم.
نعوذ بالله تعالى من الخذلان والخسران، ونسأله سبحانه الإخلاص في الأقوال والأعمال، والثبات على الحق حتى الممات، إنه سميع مجيب.
أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين...
أما بعد: أيها المسلمون:
من خاف الخسارة يوم القيامة، عمل لذلك اليوم واتَّهم نفسه بالتقصير والزلل، فكانت ذنوبه كل حين تلوح بين عينيه، يخشى من مكر الله تعالى، يخشى أن يُؤخذ على حين غفلة، يخشى أن يُختم له بسوء،
وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام كانوا يعلمون أن خسارة بني آدم هي في غضب الله تعالى عليهم، ومقته لهم بسبب ذنوبهم؛ ولذا فإن الأبوين الكريمين عليهما السلام لما أكلا من الشجرة بادرا بالاستغفار خوفاً من الخسران، ورجاء الغفران ﴿ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾.
فلا تترك عبد الله هذه الكلمات القيّمات العظيمات، لا يغفل عنها لسانك، فهي الكلمات التي تلقَّاها الله منهما فتاب عليهما،
﴿ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾
ألا فاتقوا الله يا عباد الله فكلنا في هذا المجتمع مسؤول فمن أطاع الله ساهم في أمن مجتمعه، ومن عصاه فقد أساء ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ﴾
إنها موعظة ربانية لنا لنحذر طرق الخاسرين، ونجانب أفعال الهالكين؛ ولنتبع نصائح المرسلين
جعلنا الله تعالى وإياكم هداة مهتدين ...
المرفقات
1767374076_ألا ذلك هو الخسران المبين.docx