أشد حرا

أبو عاصم
1442/11/01 - 2021/06/11 00:37AM
(أشَدُّ حَرًّا) 1 / 11 / 1442
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد: [ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون]
عباد الله: مِنْ حِكْمَةِ اللهِ تعالى؛ تَقَلُّبُ الفُصُول، ما بَيْنَ بَرْدٍ وحَرّ، وَجَدْبٍ وَمَطَر، وَطُوْلٍ وَقِصَر ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.
وَأَقْبَلَ الصَّيْفُ بِحَرِّهِ وحَرُوْرِه(1)؛ لِيُذَكِّرَنَا بآيةٍ مِن آياتِ اللهِ السَّاطِعَةِ، وحِكَمِهِ الباهِرَةِ!
وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ * تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وفي الصَّيْفِ: مَصَالِحُ للعِبَادِ؛ يقول ابنُ القيم رحمه الله: (وَفِي الصَّيفِ: يحتَدُّ الهواءُ ويَسْخُنُ؛ فَتَنْضُجُ الثِّمَار، وتَنْحَلُّ فَضَلَاتُ الأبدانِ).
وفي الصَّيْفِ تَذْكِيْرٌ بِنِعَمِ اللهِ: مِنَ الظِّلال الوارِفَة، والثيابِ الواقِيَة، والمُكَيّفَاتِ الباردة! قال تعالى: (وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَـٰلࣰا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَـٰنࣰا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَ ٰ⁠بِیلَ تَقِیكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَ ٰ⁠بِیلَ تَقِیكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ یُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ)
وحَرارةُ الصيف؛ بلاءٌ ومَشَقَّةٌ، والبلاءُ يُقَابَلُ بالصَّبْرِ والاحتساب، مَعَ دَفْعِهِ بالأَسباب، وَحِيْنَ خَرَجَ النبيُّ ﷺ إلى غزوةِ تبوك، وكانت في حَرٍّ شديدٍ، وسَفَرٍ بعيد؛ تواصى المنافقون بَيْنَهُم ﴿وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الحَرّ﴾؛ فَجَاءَ الردُّ مِن الله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾.
والمُؤمنونُ يَخْرُجونَ إلى المسجد، والشَّمْسُ تَلْفَحُ وُجُوْهَهُم؛ لأنهم (يبتغون فصلا من ربهم ورضوانا) و ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وَمِنْ حَسَنَاتِ الصَّيْفِ: صيامُ الهَوَاجِر! يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: (صُوْمُوا يَوْمًا شديدًا حَرُّهُ لحرِّ يومِ النُّشُور، وَصَلُّوا ركعتينِ في ظُلْمَةِ الليل لِظُلْمَةِ القبور!).
وعن قَتَادَةَ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ، لَمَّا حُضِرَ جَعَلَ يَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قال: (مَا أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلَا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ، وَعَلَى قِيَامِ لَيَالِي الشِّتَاءِ).
وَمِنْ حَسَنَاتِ الصَّيْفِ: سُقْيَا الماء؛
سُئِلَ النبيُّ ﷺ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟) فقال:(سَقْيُ الْمَاءِ) أخرجه أبو داود، وأحمد، وحسنه الألباني، قال بعضُ التَّابعين: (مَنْ كَثُرَتْ ذنُوبُه؛ فَعَلَيهِ بِسَقيِ الماء، فَإِذا غُفِرَتْ ذنُوبُ الَّذِي سَقَى كَلْبًا؛ فَمَا ظَنُّكُمْ بِمَنْ سَقَى مؤمِنًا مُوَحِّدًا!) والصَدَقَةُ تَقِيْ مِنْ حَرِّ يوم القيامة؛ فـ(كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ). أخرجه أحمد، وقال ﷺ: (مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ حَرَّ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ). أخرجه الترمذي.
وجاءَ الصَّيْفُ؛ لِيُذَكِّرَنَا بِـجَهَنَّم! قال ﷺ: (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا؛ فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ!) أخرجه البخاري، ومسلم.
وعندما يَتَقَاطَرُ مِنْكَ العَرَقُ؛ تَذَكَّرْ أَنَّه (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ) أخرجه مسلم. قال ابنُ عَبد البَر: (مَنْ كَانَ فِي ظِلِّ الله -يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- نَجَا مَنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْمَوْقِفِ).
وعندما تَغْتَسِلُ بالماء؛ تَذَكَّرْ أَنْ تَغْتَسِلَ بماءِ التوبةِ؛ فاللهُ ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، قال ﷺ: (اللهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَالْمَاءِ الْبَارِدِ) أخرجه مسلم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَأَصۡحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَاۤ أَصۡحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ ۝ فِی سَمُومࣲ وَحَمِیمࣲ ۝ وَظِلࣲّ مِّن یَحۡمُومࣲ ۝ لَّا بَارِدࣲ وَلَا كَرِیمٍ ۝ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَبۡلَ ذَ ٰ⁠لِكَ مُتۡرَفِینَ ۝ وَكَانُوا۟ یُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِیمِ)
أقول قولي هذا
الخُطْبَةُ الثانية
عبادَ الله: إذا كان الناسُ يَفِرُّونَ مِنْ حَرِّ الدنيا؛ فهلْ فَرَرْنَا مِنْ حَرِّ الآخِرَةِ؟ فهي أَوْلَى بالفِرَار!
تَـفِـرُّ مِـنَ الْهـَجِـيرِ وَتَتَّقِيهِ * فَهَـلا مِنْ جهنَّم قَدْ فَرَرْتَــا
وَلَـسْـتَ تُطِيقُ أَهْـوَنَـها عَذَابًا * وَلَوْ كُنْتَ الحديدَ بِها لَذُبْتَـا
وَحِيْنَما تَشْرَبُ الماءَ البارد؛ تَذَكَّرْ أُمْنِيَةَ أهلِ النار، وَتَوَسُّلَهم لأهلِ الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ فَيُجِيبُهم أهلُ الجنة قائلين: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وتَذَكَّرَوا بهذا الحَرِّ؛ نَعِيمَ أهلِ الجنة! قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾، قال ابنُ كثير: (أَيْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ حَرٌّ مُزْعِجٌ، وَلَا بَرْدٌ مُؤْلِمٌ، بَلْ هِيَ مِزَاجٌ وَاحِدٌ، دَائِمٌ سَرْمَدِيٌّ، لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا).
اللهم ارزقنا الجنةَ ونعيمَها، ونعوذ بك من النارِ وحميمِها، اللهم يا برُّ يا رحيم؛ مُنَّ علينا، وَقِنَا عذابَ السَّموم
هذا وصلوا وسلموا
(1) قال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنها: (الْحَرُورُ: الرِّيحُ الْحَارَّةُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ: بِالنَّهَارِ، وَقِيلَ: الْحَرُورُ: يَكُونُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ). تفسير البغوي(6/418)
المرفقات

1623371826_273146

المشاهدات 779 | التعليقات 0