أثر الظلم في هلاك الأمم
د أحمد بن حمد البوعلي
أثر الظلم في هلاك الأمم
خطبة الجمعة 18/ 8 / 1447 هـ - جامع الشيخ علي بن عبدالله ال ثاني - حي المزروع - د. أحمد بن حمد البوعلي
الخطبة الأولى
الحمد لله العدلِ الذي حرَّم الظلم على نفسهوجعله بين عباده محرَّماً، وأمر بالقسط والإحسان،ونهى عن الجور والطغيان، أحمده سبحانهوأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكله، شهادةً تُنجي قائلها يوم يقوم الناس لربالعالمين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله،إمام العادلين وقدوة المنصفين، صلّى الله وسلّموبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهإلى يوم الدين.
أما بعد، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وهو داءٌإذا تفشّى في مجتمعٍ أفسده، وإذا سكن قلباًأهلكه، وإذا استشرى في أمةٍ أسقط هيبتها ونزعبركتها، ما هلكت الأمم إلا حين استمرأت الظلم،وما ضاعت الحقوق إلا حين سكت أهلها، وماانتُزع الأمن إلا حين غاب العدل، فالظلم نارٌتحرق صاحبها قبل غيره، وسهمٌ يرتد إلى صدرراميه، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
فاتقوا الله عباد الله، واجتنبوا الظلم صغِيرَهوكبيره، فإن الله يمهل ولا يهمل، ويؤخر ولا يغفل،وهو سبحانه للظالم بالمرصاد.
أيها المؤمنون عباد الله: يقول الله تعالى فيالحديث القدسي العظيم: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُالظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَاتَظَالَمُوا))¹، وذلك من كمال عدله جلَّ في علاه، وهوجلّ وعلا على كل شيءٍ قدير لكنه جلَّ في علاهحرم على نفسه الظلم فلا يظلم أحدا، ولا يخافأحدٌ عنه ظلمًا ولا هضما، وجعله بين العبادمحرما.
والواجب على العباد أن يعرفوا حرمة الظلموخطورته وسوء مغبَّته وعِظم عاقبته وأنَّ الظلم أمرٌمحرم؛ حرَّمه الله جل وعلا ويعاقب عليه صاحبهالعقوبة العظيمة والعذاب الأليم، يقول الله سبحانهوتعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:42].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابنعمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليهوسلم قال: ((الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ))².
فإذا انتشر الظلم، فإن العقاب يوشك أن يعُمَّالجميع ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْخَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25]، وفي الحديث: ((إنَّ النَّاسَ إذا رأَوْا الظالمَفلم يأخُذوا على يدَيْه أوشك أن يعُمَّهم اللهُبعقابٍ))³.
والظالم يأتي يوم القيامة ولربما أفلس من جميعحسناته
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللهعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَتَدْرُونَمَا الْمُفْلِسُ؟)) قَالُوا: «الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُوَلَا مَتَاعَ»، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَالْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَهَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا،وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْحَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَاعَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِيالنَّارِ»⁴.
وإن من سنن الله عز وجل التي لا تتبدل ولايستثنى منها أحد من خلقه، وهي قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِـمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129].
يقول القرطبي رحم الله تعالى: «هذا تهديدللظالم إن لم يمتنع عن ظلمه سلط الله عليه ظالماًآخر، ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه، أويظلم المعلم الأب أو المدر عماله أو الأزواج معبعضهم، أو التاجر يظلم الناس في تجارته، أوالسارق، وغيرهم»⁵
فاحذروا أيها المؤمنون من الظلم وتأملوا فيمصير الظالمين واعلموا أن لكل بداية نهاية وأنالظالم مهما طغى وبغى وتجبر إلا إن عاقبتهالعار والشنار والخزي والذل والصغار فمنتلطخت يده ولسانه بظلم الناس فستحل به عقوبةالله في الدنيا والآخرة وتلك سنة من سنن اللهماضية.
وقد حذر رسولنا صلى الله عليه وسلم من دعوةالمظلوم فقال: (اتقوا دعوات المظلوم فإنها تصعدإلى السماء كأنها شرار)⁶
وقد جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أنالنبي صلى الله عليه وسلم قال ((مَنْ كَانَتْ لَهُمَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُاليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُعَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُحَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ))⁷
نعم عباد الله؛ إنها لفرصةٌ ثمينة لا تعوَّض والعبديعيش في هذه الحياة أن يتخلَّص من المظالم فيهذه الحياة الدنيا قبل أن يلقى الله يوم القيامةوهو يحمل مظالمه على عاتقه خزيًا له بين العالمينثم يبوء بعاقبة ظلمه ومغبته الأليمة.
عاقبة الظلم والظالمين:
أولًا: عقوبته في الدنيا:
• لا يحبُّه الله تعالى؛ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آلعمران: 57].
• مصروف عن الهداية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَالظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
• محروم من الفلاح ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 21].
• هو من أشرِّ الناس وأحقرهم.
والظلم من المعاصي التي تُعجَّل عقوبتها؛ ففيسنن أبي داود: ((ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجِّل اللهُتعالى لصاحبه العقوبةَ في الدنيا مع ما يدَّخِر لهفي الآخرةِ مثل البغيِ وقطيعةِ الرَّحِمِ))⁸، وقد يُؤخِّرالله تعالى عقوبته استدراجًا له؛ عن أبي موسىرضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: ((إنَّ الله ليُمْلي للظالم حتى إذا أخَذَه لميُفْلِته، ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىوَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102]⁹،ويكفيه شؤمًا أن دعوة المظلوم تُصيبه فلا تُخطئه،واسمع لهذه الأخبار:
• ((..واتَّقِ دعوة المظلوم فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِحِجَابٌ))¹⁰.
• ((ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم: الصَّائمُ حتَّى يُفطِرَ،والإمامُ العادلُ، ودعوةُ المظلومِ يرفعُها اللهُ فوقالغمامِ، وتُفتَّحُ لها أبواب السَّماءِ، ويقولُ الرَّبُّ: وعزَّتي لأنصُرنَّك ولو بعدَ حِيْنٍ))¹¹
• حتى ولو كان فاجرًا: ((دعوةُ المظلومِ مُستجابةٌوإن كان فاجرًا، ففُجُورُه على نفسِه))¹²
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنيوإياكم بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيمأقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنههو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّربُّنا ويرضى، نحمده سبحانه على نعمه الظاهرةوالباطنة، ونشكره على توفيقه ومنِّه وفضله، ونشهدأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادةً تُنجّيقائلها يوم يقوم الناس لرب العالمين، ونشهد أنسيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفيُّه وخليلُه، بلَّغالرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة، فجزاه الله عناخير ما جزى نبيًّا عن أمته، اللهم صلِّ وسلِّموبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار علىنهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى،وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أنكم إليهراجعون، وعليه معروضون، فالسعيد من حاسبنفسه قبل الحساب، وتزوَّد ليوم المعاد، وتبرأ منالظلم وحقوق العباد قبل أن يؤخذ منه الحق يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
عباد الله: والظلم عند الله جل وعلا يوم القيامة لهدواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً إذا ماتالعبد عليه وهو الشرك بالله، وديوان لا يترك اللهمنه شيئاً بل لا بد من القصاص فيه كله وهو ظلمالناس بعضهم بعضا، وديوان لا يعبأ الله به وهوظلم العبد لنفسه فهذا يمحوه الاستغفار والتوبةوكثرة الحسنات بعده¹³.
أنواع وصور من الظلم:
1- ظلم العبد فيما بينه وبين ربِّه سبحانه وتعالى،وله صور عديدة:
• إنكاره وجود الله تعالى.
* تعطيل صفاته وتحريفها لغير الوجه اللائق به.
• الكفر بالله تعالى والإشراك به سبحانه وتعالى،﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، ﴿إِنَّالشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].
2- ظلم العبد لنفسه وأيضًا له صور، فمنها:
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57].
3- ظلم العباد، وهذا من أخطر الأنواع علىالعبد، وله صور عديدة، فمنها:
أولًا:ظلم العباد في أموالهم بـ:
• أكل أموال الناس بالباطل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةًعَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًاوَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 30].
• أكل أموال اليتامى ظُلْمًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَأَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًاوَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].
•اغتصاب الأرض ظلمًا ((مَن ظلمَ قيد شبر منالأرضِ طوَّقه من سبع أرضين))¹⁴؛ (متفق عليه).
ثانيًا: ظلم العباد في أبدانهم بـ:
• القتل وسفك الدماء والضرب ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَالَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151]
ثالثًا: الظلم الواقع في البيوت والأُسَر:
• ظلم الآباء لأولادهم بإهمال تربيتهم أو سوءمعاملتهم.
• ظلم الأبناء لوالديهم بالعقوق والقسوة عليهموعدم النفقة عليهم، وسوء الأدب معهم.
• ظلم الأزواج لزوجاتهم والعكس.
• ظلم النساء في المواريث.
رابعًا: ظلم العباد في دينهم بنشرالشهوات وبثِّ الشبهات، وصدِّ الناس عندينهم.
نسأل الله العظيم أن يُعيذنا من الظُّلْم.
قصة وعظة
هذا رجل كان له خصومٌ ظَلَمة، فشكاهم إلىأحمد بن أبي داود، فقال: قد تضافروا عليَّوصاروا يدًا واحدة، فقال: يد الله فوق أيديهم،فقلت له: إن لهم مكرًا، فقال: ولا يحيق المكرالسيئ إلا بأهله، قلت: هم من فئة كثيرة، فقال: كممن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
لا تظلسمنَّ إذا ما كنت مقتدراً ** فَالظُلْمُ مَرْتَعُهُيُفْضِي إلى النَّدَمِ
تنامُ عَيْنُكَ والمَظْلومُ مُنَتَبِهٌ ** يدعو عليك وعين اللهلم تنم
إن الظالِم معلوم لدى الذي بيده الأمر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌبِالظَّالِمِينَ﴾
عباد الله، اتقوا الله تعالى واحذروا الظلم كله؛دقيقه وجليله، ظاهره وخفيه، فإن الظلم ظلمات يومالقيامة، وما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة،فطوبى لمن طهّر قلبه من العدوان، ونزَّه لسانه عنالأذى، وكفَّ يده عن حقوق العباد، وبادر بردِّالمظالم قبل يومٍ تُؤخذ فيه الحقوق بالحسناتوالسيئات.
اللهم إنا نعوذ بك من الظلم وأهله، ونسألك العدلفي القول والعمل، اللهم أصلح أحوال المسلمين،وارفع عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلهذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم وفِّق خادم الحرمين الشريفين لما تحبوترضى، وأيِّده بتوفيقك، وأمدَّه بعونك وتسديدك،ووفِّق ولي عهده الأمين لما فيه صلاح البلادوالعباد، واجزهما عن الإسلام والمسلمين خيرالجزاء.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد،وارضَ اللهم عن آله وصحبه أجمعين، وآخر دعواناأن الحمد لله رب العالمين.
الحواشي والتخريج
1. أخرجه صحيح مسلم (2577)، حديث صحيح.
2. أخرجه صحيح البخاري (2447)، ومسلم(2579)، متفق عليه.
3. أخرجه سنن أبي داود (4338)، و*جامعالترمذي* (2168)، و*سنن ابن ماجه* (4005)،حسنه الترمذي وصححه محمد ناصر الدينالألباني.
4. رواه مسلم (2581)، صحيح.
5. في تفسير القرطبي عند الآية.
6. رواه المستدرك على الصحيحين، وصححهالحاكم.
7. رواه البخاري (2449)، صحيح.
8. رواه الترمذي (2511) وأبو داود (4902)،حسن.
9. متفق عليه.
10. متفق عليه من حديث ابن عباس.
11. رواه الترمذي (3598) وحسنه.
12. رواه مسند أحمد (12549)، حسن.
13. رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
14. متفق عليه.