والصلح خير

الشيخ راشد بن عبدالرحمن البداح

2024-02-09 - 1445/07/28 2024-02-27 - 1445/08/17
عناصر الخطبة
1/فضل الصلح وضوابطه 2/من صور سماحته وعفوه عليه الصلاة والسلام 3/الإسلام يجدد الفرص ليتعاهد العباد أنفسهم وعلاقتهم بالآخرين 4/دعوة الإسلام للعفو والتصالح وتحذيره من التفريط في ذلك.

اقتباس

ألا تدخلَ في قضيةٍ بشرطِ النجاحِ: بل وطِّنْ نفسَك على أن محاولاتِك ربما لا تُفلحُ، فلا تعجزْ ولا تجزعْ، واعلم بأنكَ مأجورٌ على عملِك لا على نتيجتهِ، وليكن شعارُك؛ (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ).

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ فارجِ الهمِ، كاشفِ الغمِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه، السيدُ العَلَمُ، وأمتهُ خيرُ الأمم، أما بعدُ:

 

فاتقُوا اللهَ وأصلحُوا ذاتَ بينِكم، واعلمُوا أن اللهَ أرادَ أن يكونَ المؤمنونَ إخوةً، وجعلَ لهذهِ الغايةِ أسبابًا تُعينُ عليها، ومن هذهِ الأسبابِ إصلاحُ ذاتِ البَينِ (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ)[النساء: 128]؛ فهوَ شعبةٌ إيمانيةٌ، تُستَلُ بها سخائمُ القلوبِ، وتُخمدُ نيرانُ الفتنِ.

 

قالَ اللهُ -عزَ وجلَ- منوِهاً بتلكَ الخَصلة: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً).

 

وفيما يلي سبعُ وصايا لابدَ للمُصْلِح الموفَّقِ من مراعاتِها:

1. احتسابُ الأجرِ: كما قالَ -عزَ وجلَ- (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)؛ فالمصلحُ على خيرٍ، فإذ خلُصت نيتهُ صارَ أجرُه من اللهِ عظيماً.

 

2. الدعاءُ وسؤالُ اللهِ التوفيقَ: فمهما بلغَ المصلحُ من الكَياسةِ والسياسةِ، فإنه لا يستغني عن تسديدِ اللهِ وتوفيقهِ وإعانتهِ.

 

3. التحلي بالحلمِ وسعةِ البالِ ومقابلةِ الإساءةِ بالإحسانِ: لأن مهمةَ المصلحِ -في الأغلبِ- مرهقةٌ ومحرجةٌ، وقد يلحقُه بعضُ الأذى واتهامُ نيتهِ.

 

4. النظرُ في إمكانِ وجدوى الدخولِ في القضيةِ، فربما يكونُ دخولُه فيها كعدمهِ، بل ربما لحِقَهُ ضررٌ دونَ فائدةِ تُذكَرُ.

 

5. حسنُ الاستماعِ: وبعضُ الخصومِ يكفيهِ أن يجِدَ مَن يستمعُ له؛ لُيفرّغَ ما في نفسهِ من غيظٍ، أو كلامٍ، ثم يكونُ مستعداً لما يُرادُ منه.

 

6. الحذرُ من الوقيعةِ بأحدِ الخصمينِ عند الآخرِ؛ لأن ذلكَ ضربٌ من الغيبةِ، وربما اصطلَحا، فأخبرَ كلُ واحدٍ منهما بما قلتَه في صاحبهِ؛ فتنقلبُ أنت خصماً لهما.

 

7. ألا تدخلَ في قضيةٍ بشرطِ النجاحِ: بل وطِّنْ نفسَك على أن محاولاتِك ربما لا تُفلحُ، فلا تعجزْ ولا تجزعْ، واعلم بأنكَ مأجورٌ على عملِك لا على نتيجتهِ، وليكن شعارُك؛ (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ).

 

أيُها الإخوةُ: الصلحُ خيرٌ، ولكنّ خيراً منه العفوُ، نعمْ؛ مَن يطلبُ حقَه، فلا مَلامةَ عليهِ، ولكنَّ العفوَ أعظمُ أجراً، وأعلى منزلةً عندَ اللهِ وعندَ عبادهِ: (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).

 

ولنا في رسولِنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في العفوِ أسوةٌ حسنةٌ؛ فقد آذاهُ قومهُ، واتهموهُ بالكذبِ والسحرِ والجنونِ، وتآمرُوا على قتلهِ، وطردوهُ من بلدِه مكةَ، وقتلُوا أصحابَه.

 

فلما قدِرَ على الانتقامِ في فتحِ مكةَ قالَ مقولتَه المشهورةَ: "مَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ"؛ قَالَ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ.

 

ووضعَتْ له يَهُودِيَّةٌ شَاةً مَسْمُومَةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ: أَلاَ نَقْتُلُهَا، قَالَ: لاَ.

 

وَاخْتَرَطَ أَعْرَابِيٌّ عَلَيهِ السَيْفَ وَهُوَ نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: اللَّهُ، اللَّهُ اللَّهُ. وَمعَ ذلكَ لَمْ يُعَاقِبْهُ.

 

وَقَالَ لهُ رأْسُ المُنافِقِيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ: أَيُّهَا المَرْءُ لاَ تُؤْذِنَا فِي مَجْلِسِنَا بِـ(ما تقولُ)، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ.. وبرغمِ هذا الكلامِ القبيحِ والفعلِ الخبيثِ إلا أنهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَفَا عَنْهُ، بل لَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُ سَلُولَ أَعْطَاهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ.

 

فما أعظمَ هذا النبيَ الذي قالَ عنهُ ربُنا العظيمُ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4]

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ الهادي لكلِ خلُقٍ قَويمٍ، والصلاةُ والسلامُ على ذِي الخُلِقٍ العَظِيمِ، أما بعدُ:

 

فإن الإسلامَ يتعاهدُ النفوسَ؛ ليغسِلَها من أدرانِ الحقدِ يومياً وأسبوعياً، ولذا شرعَ الجُمَعَ والجماعاتِ، ونهى عن الغيبةِ والنميمةِ والحسدِ، وسائرِ المفرِقاتِ، ففي كلِ اثنينٍ وخميسٍ تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، ويُقالُ لمَنْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ: "أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا".

 

فيا مخاصِماً أخاهُ اعفُ ولو كنتَ مظلوماً، واحتسبْ أنك ستكونُ قدوةً للعافينَ، ومعيناً لإبقاءِ مكارمِ الأخلاقِ فـ(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).

 

ويا متخاصمَينِ: نداءٌ عاجلٌ وعاتبٌ، فالأيامُ تتوالَى، وأنت هاجرٌ أخاكَ أو قريبَك أو جارَك أو زميلَك أو زوجَك: انتهزِ الفرصةَ لتصافحَ مُخاصِمَك قبلَ رمضانَ، حتى إذا عادَ العيدُ كان الحبُ والوئامُ، والصفاءُ والسلامُ.

 

اغتنمْ فرصةَ المناسباتِ السعيدةِ؛ لتتناسَى الأضغانَ، وتدحرَ الشيطانَ، وتقطعَ ألسنةَ المشعِلينَ لنارِ العداوةِ. سلِّم على مَن هجرتَه قبلَ تراهُ ممدَّداً على مغسلةِ الموتى، وقبلَ أن ينطبقَ عليكَ قولُ نبيِك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ".

 

• فاللهم ربَنا (لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)

• اللهم أخرِجنا من هذهِ الدنيا ولا أحدَ من خلقِك يطلبُنا بمَظلمةٍ.

• اللَّهُمَّ إِنّا نَسْأَلُكَ النَّعِيمَ الْمُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ.

• اللهم واحفظْ علينا دينَنا، وأعراضَنا، وفرج همومَنا، واقضِ ديونَنا.

• اللهم يا مَن حَفِظتَ بلادَنا طيلةَ هذهِ القرونِ، وكفيتَها شرَ العادياتِ الكثيراتِ المدبَّراتِ الماكراتِ، اللهم فأدِمْ بفضلِكَ ورحمتِكَ حِفْظَها من كل سوءٍ وضراءٍ، وأدِمْ عليها نعمةَ النماءِ والرخاءِ.

• اللهم وبارِكْ في عمرِ وليِّ أمرِنا ووليِ عهدِه، وزدْهم عزًا وبذلاً في نصرةِ الإسلامِ، واجزِهم خيرًا على خدمةِ المسلمين ونجْدتِهم.

• اللهم صلِ وسلِم على عبدِك ورسولِك محمدٍ.

المرفقات

والصلح خير.pdf

والصلح خير.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات