العظيم -جل جلاله-

د عبدالله بن مشبب القحطاني

2021-03-12 - 1442/07/28 2021-03-20 - 1442/08/07
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/في ظلال اسم الله العظيم ومظاهر عظمته سبحانه 2/لوازم تعظيم الله.

اقتباس

وَهُوَ الْعَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التَّعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانٍ؛ فَهَذَا رَبُّنَا الْعَظِيمُ؛ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يُعَظَّمَ كَمَا يُعَظَّمَ اللَّهُ؟! فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ، وَعَظَّمَ نَفْسَهُ... وَمَنْ عَظَّمَ اللَّهَ فِي لِسَانِهِ؛ فَلَحَ، وَثَقُلَ مِيزَانُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، صَحَّ عَنْهُ...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70- 71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عَظُمَتْ صِفَاتُكَ يَا عَظِيمُ فَجَلَّ أَنْ *** يُحْصِي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيهَا قَائِلُ

 

(الْعَظِيمُ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، اسْمٌ جَلِيلٌ لِرَبِّنَا الْعَظِيمِ، يَحْمِلُ فِي مَبْنَاهُ وَمَعْنَاهُ: الْجَلَالَ وَالْعَظَمَةَ، وَالشَّرَفَ وَالسُّؤْدُدَ؛ بَالِغُ الْهَيْبَةِ، قَوِيُّ الْحُرُوفِ، شَامِخُ الْمَعْنَى، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)[الْبَقَرَةِ: 255].

 

وَالْعَظِيمُ؛ ذُوِ الْعَظَمَةِ، عَظِيمٌ شَأْنُهُ، جَلِيلٌ قَدْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي جَاوَزَ حُدُودَ الْعَقْلِ حَتَّى لَا تُتَصَوَّرَ الْإِحَاطَةُ بِكُنْهِهِ وَحَقِيقَتِهِ.

فَرَبُّنَا الْعَظِيمُ فِي ذَاتِهِ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ فِي عَظَمَتِهِ؛ فَمِنْ عَظَمَتِهِ: أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي كَفِّهِ أَصْغَرُ مِنَ الْخَرْدَلَةِ؛ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الزُّمَرِ: 67].

 

وَصَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "الْعَرْشِ وَمَا رُوِيَ فِيهِ").

 

هَذِهِ الْعَظَمَةُ فِي الْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشِ -وَهِيَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ-؛ فَكَيْفَ بِعَظَمَةِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى، وَالَّذِي اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، وَهُوَ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ.

 

وَرَبُّنَا عَظِيمٌ فِي صِفَاتِهِ، فَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِكُلِّ صِفَاتِ الْكَمَالِ، عَظِيمٌ فِي رَحْمَتِهِ، عَظِيمٌ فِي قُدْرَتِهِ، عَظِيمٌ فِي هِبَاتِهِ وَعَطَائِهِ، عَظِيمٌ فِي جَمَالِهِ؛ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحَدًا مِنْهُمَا؛ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَرَبُّنَا الْعَظِيمُ فِي أَفْعَالِهِ؛ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ سَعَةِ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالْمَشِيئَةِ.

 

وَهُوَ الْعَظِيمُ بِكُلِّ مَعْنًى يُوجِبُ التَّعْظِيمَ لَا يُحْصِيهِ مِنْ إِنْسَانٍ؛ فَهَذَا رَبُّنَا الْعَظِيمُ؛ فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يُعَظَّمَ كَمَا يُعَظَّمَ اللَّهُ؟! فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ، وَعَظَّمَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ؛ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الزُّمَرِ: 67].

 

وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: "أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُتَعَالِي؛ يُمَجِّدُ نَفْسَهُ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ)، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا؛ (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا)[الْجِنِّ: 3].

 

لَا تَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ؛ مَهْمَا عَظُمَتْ وَكَثُرَتْ، صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ! وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ"(أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

وَرَبُّنَا عَظِيمٌ فِي رَحْمَتِهِ وَفِي مَغْفِرَتِهِ، وَعَظِيمٌ فِي حِلْمِهِ، وَعَظِيمٌ فِي لُطْفِهِ وَجَزِيلِ كَرَمِهِ، لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَنْ يَغْفِرَهُ؛ جَاءَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ".. يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ؛ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي! لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى قَوْمٍ سَبُّوهُ وَشَتَمُوهُ، وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ، وَحَارُوا فِي صِفَاتِهِ، وَعَطَّلُوا شَرِيعَتَهُ، وَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ، وَعَصَوْا أَمْرَهُ، وَارْتَكَبُوا نَهْيَهُ، وَنَسَبُوا لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ؛ وَمَعَ هَذَا -كُلِّهِ- عَامَلَهُمْ بِعِظَمِ رَحْمَتِهِ وَعَظِيمِ حِلْمِهِ، وَخَاطَبَهُمْ بِأَرَقِّ خِطَابٍ؛ (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[الْمَائِدَةِ: 74].

 

وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي *** جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا

تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ *** بِعَفْوِكِ رَبِّي صَارَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا

 

صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، قَالَ: "فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ؛ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَمَنْ عَظَّمَ اللَّهَ فِي لِسَانِهِ؛ فَلَحَ، وَثَقُلَ مِيزَانُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، صَحَّ عَنْهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ"(أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

بَلْ أَمَرَ عِبَادَهُ بِالتَّسْبِيحِ بِهَذَا الِاسْمِ؛ فَقَالَ: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)[الْوَاقِعَةِ: 74]، وَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُمَّتَهُ أَنْ يُسَبِّحُوا اللَّهَ بِهَذَا الِاسْمِ فِي صَلَاتِهِمْ؛ "فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ"(أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

 

بَلْ إِذَا حَلَّتْ بِكَ كَارِثَةٌ، وَضَاقَ صَدْرُكَ، وَغَمَرَكَ الْهَمُّ؛ فَقُلْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ"(أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

 

وَإِذَا خِفْتَ مِنْ سُلْطَانٍ؛ فَسُلْطَانُ اللَّهِ أَعْظَمُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "اللَّهُمَّ! رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ؛ كُنْ لِي جَارًا مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَأَحْزَابِهِ مِنْ خَلَائِقِكَ؛ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ يَطْغَى، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ".

 

وَكَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَعِيذُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ مِنَ الْخَسْفِ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ؛ فَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ مِنْ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

لِذَا؛ مَنْ لَاذَ بِالْعَظِيمِ، وَتَقَرَّبَ إِلَى الْعَظِيمِ، وَأَصْبَحَ مِنَ الْمُتَّقِينَ؛ نَالَ الْأَمْنَ الدُّنْيَوِيَّ وَالْأَجْرَ الْأُخْرَوِيَّ، فَاللَّهُ قَدْ قَالَ: (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)[الطَّلَاقِ: 5].

 

وَأَمَّا أَعْظَمُ دَرَجِةٍ عِنْدَ اللَّهِ فَهِيَ: لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[التَّوْبَةِ: 20].

 

وَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَقَصُرَ إِيمَانُهُ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَهُوَ: جَهَنَّمُ -أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهَا!-؛ (ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ)[الْحَاقَّةِ: 30-33].

 

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُعَظِّمِينَ لَكَ وَلِشَرْعِكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ

 

عِبَادَ اللَّهِ: تَعْظِيمُ اللَّهِ يَكُونُ بِتَعْظِيمِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَيَكُونُ تَعْظِيمُهُ فِي الْقَلْبِ بِمَحَبَّتِهِ وَالِاعْتِرَافِ بِعَظَمَتِهِ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ، جَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: "مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ، أَوِ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ؛ لَقِيَ اللَّهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"(حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

 

وَيَكُونُ تَعْظِيمُ اللَّهِ: بِاللِّسَانِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِهِ؛ (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ)[الْوَاقِعَةِ: 74].

 

وَيَكُونُ تَعْظِيمُ اللَّهِ: فِي الْجَوَارِحِ بِاسْتِخْدَامِهَا فِي طَاعَتِهِ؛ فَتَعْظِيمُهُ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ.

 

وَمِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ: تَعْظِيمُ رُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَمَنَاسِكِهِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ شَعَائِرِ دِينِهِ وَأَحْكَامِهِ؛ (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الْحَجِّ: 32].

 

وَمِنْ تَعْظِيمِهِ: تَعْظِيمُ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ؛ فَاللَّهُ قَدْ قَالَ وَاصِفًا كِتَابَهُ الْعَزِيزَ؛ (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[فُصِّلَتْ: 41-42].

 

وَمِنْ تَعْظِيمِهِ: تَعْظِيمُ حُرُمَاتِهِ، وَحُرُمَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؛ (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)[الْحَجِّ: 30].

 

وَمِنْ تَعْظِيمِهِ: أَلَّا يُقَدِّمَ الْعَبْدُ عَلَى كَلَامِ رَبِّهِ كَلَامَ أَحَدٍ؛ مَهْمَا كَانَتْ مَكَانَتُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[الْحُجُرَاتِ: 1].

 

يَا فَاطِرَ الْخَلْقِ الْبَدِيعِ وَكَافِلًا *** رِزْقَ الْجَمِيعِ سَحَابُ جُودِكَ هَاطِلُ

عَظُمَتْ صِفَاتُكَ يَا عَظِيمُ فَجَلَّ أَنْ *** يُحْصِي الثَّنَاءَ عَلَيْكَ فِيهَا قَائِلُ

هَا قَدْ أَتَيْتُ وَحُسْنُ ظَنِّي شَافِعِي *** وَوَسَائِلِي نَدَمٌ وَدَمْعٌ سَائِلُ

فَاغْفِرْ لِعَبْدِكَ مَا مَضَى وَارْزُقْهُ تَوْ *** فِيقًا لِمَا تَرْضَى فَفَضْلُكَ كَامِلُ

وَافْعَلْ بِهِ مَا أَنْتَ أَهْلُ جَمِيلِهِ *** وَالظَّنُّ كُلُّ الظَّنِّ أَنَّكَ فَاعِلُ

 

أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ: أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ الْفَائِزِينَ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ!

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعِفَّةَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

 

 اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ؛ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ؛ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، وَأَنْ تَجْعَلَ كُلَّ قَضَاءٍ قَضَيْتَهُ لَنَا خَيْرًا.

 

 اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

 اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنِ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّاتِنَا، وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا وَأَمْوَالِنَا، وَاجْعَلْنَا مُبَارَكِينَ أَيْنَمَا كُنَّا.

 

 وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

المرفقات

العظيم -جل جلاله-.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات