الإجازات واكتساب مهارات الحياة

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-06-13 - 1442/11/03
التصنيفات: وعي الخطيب

اقتباس

مما سبق يتضح لنا بأن المهارات الحياتية تعتبر حاجة ملحة لجميع الأفراد في عصرنا الراهن هذا العصر الذي يتسم بصعوبة التحديات التي تواجه الفرد في حياته اليومية؛ فالمهارات الحياتية تساعد الإنسان على الوعي بذاته

في عام 2011 قرر الطالب الجامعي الأمريكي جاريت جي الاستفادة من إجازته الصيفية في تأسيس شركة برمجيات أطلق عليها Scan لتطوير تطبيقات الجوال مع اثنين من زملائه في الجامعة، وخلال أقل من 3 سنوات حققت الشركة أداء ممتازًا، دفع تطبيق التواصل الاجتماعي الشهير سناب شات إلى شراء الشركة في صفقة رابحة بلغت 54 مليون دولار!!

 

أشد الناس تفاؤلاً ورومانسية لم يكن يتصور أو يتوقع لهذا الطالب صغير السن أنه سينجح في تحويل عطلته الصيفية لواحد من أكثر الاستثمارات الشبابية الناجحة في مطلع القرن الواحد والعشرين، ولكنها المواهب والكفاءات التي تنفجر حينما يعرف صاحبها كيفية استغلال وإدارة وقته وينزع عنه رداء الكسل والبطالة والعشوائية.

 

لكلمة الإجازة وقع سحري على النفوس؛ فالجميع يهواها ويحبها حتى ولو لم تكن في حساباته ولا يعرف كيف سيقضيها؛ فالإنسان بطبعه يميل إلى الكسل والبطالة والراحة وكلها أمور متلفة ومعوقة لمن كان يبحث عن السعادة والتألق والإنجاز، لذلك كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم- الثابت عنه استعاذته من العجز والكسل، والكسل هو قدرة الجسد وعجز القلب، وهو ما يصيب بالفعل كثيراً من الشباب في العطلة والإجازة الصيفية.

 

الإجازة في الشرق والغرب

من الأمور اللافتة جداً للنظر في موضوع الإجازة الصيفية؛ طول مدتها في بلادنا إذا ما قارنها بنظيرتها في بلاد الغرب؛ فالإجازة تمتد في بلادنا لأكثر من ثلاثة شهور ممثلة بذلك أكثر من ربع السنة أو قل ربع العمر بالنسبة لشبابنا وأطفالنا الذين هم عماد قوتنا ومستقبلنا، وذلك دون تخطيط أو ترتيب أو دور واضح للمدرسة أو البيت في تفعيل هذه المدة الزمنية الطويلة ودون تحقيق أدنى استفادة منها.

 

في حين أن الإجازة الصيفية في الغرب لا تزيد بأي حال من الأحوال عن ثلاثة أسابيع إلى شهر على الأكثر، مع دور كبير ومتعاظم للمدرسة والبيوت في التخطيط لقضاء هذه الإجازة على أفضل ما يكون لتحقيق أفضل نتائج مرجوة.

 

والمتأمل للسياق التاريخي يجد أن هذه القاعدة تُعمد ترسيخها في العالم الإسلامي بالتوازي مع النظم التعليمية العلمانية إبان الاحتلال الغربي، والذي تعمد وضع مناهج تعليمية وتربوية تخدم أغراضه الاحتلالية، وتضمن بقاء الأمة الإسلامية تحت نار التبعية والاحتلال والتخلف الحضاري والفساد الأخلاقي. مع العلم أن تراث الأمة الإسلامية ومدراسها العلمية والتربوية والتجريبية لا تعرف هذه المساحة الوقتية الكبيرة المعروفة بالإجازة الصيفية؛ فليس لطالب العلا إجازات بهذا المعنى المعاصر، إنما راحة لالتقاط الأنفاس وشحذ العقول وطرد السأمة والملل ثم مواصلة العلم والعمل النافع.

 

الإجازة اليوم مساحة زمنية فراغية كبيرة، في أعمار تحصيلية عظيمة، وطاقات ضخمة مهدرة في الهواء والغثاء، قل ما يجود بها الزمان في الكبر، مما يجعلنا نطرح تساؤلاً مهماً وهو: كيف نقضي الإجازة الصيفية بطريقة جدية ينفع بها المسلم ذاته، وينعكس النفع على الإسلام والمسلمين؟!

 

الإجازة ومهارات الحياة

ولأننا نتعامل مع واقع اجتماعي لا مفر منه، وهو طول الإجازة الصيفية فإن أفضل ما يمكن قضاء الإجازة فيه هو اكتساب مهارات الحياة والتي تشكل في مجموعها خبرة تراكمية للشباب تمكنهم من مواصلة الحياة والتعامل مع أطرافها وأحداثها بأرشد السبل وأفضلها، وذلك دون إفراط أو تفريط، أو عشوائية أو اختلال، وفي توازن دون تنازع بين الجسد والروح، والقلب والعقل.

 

ومهارات الحياة هي السلوكيات والمهارات الشخصية والاجتماعية والقدرات العقلية والفنية اللازمة للأفراد للتعامل بثقة واقتدار مع أنفسهم ومع الآخرين ومع المجتمع، وذلك باتخاذ القرارات المناسبة والصحيحة وتحمل المسئوليات، وفهم النفس والغير وتكوين علاقات إيجابية مع الآخرين وتفادي حدوث الأزمات والقدرة على مواجهة أعباء الحياة وتحدياتها المتجددة واللامتناهية. وبالجملة فتلك المهارات هي التي تفرق بين الإنسان الناجح والفاشل في حياته؛ لأنها تمنع الشخص من تكرار أخطائه وتمنحه القدرة الواسعة نحو الاستفادة من تفاعلات الحياة.

 

إن تعطيل تلكم الطاقات الجبارة للشباب وإهدار شطر هام من أعمارهم يعود بالضرر البالغ عليهم وعلى الناس والمجتمع والأمة أجمعين، وأعظم مصيبة أن ينشأ الشاب منحط الهمة، فارغ العقل، ضعيف المواهب، فاشل بصورة كبيرة في مجالات كثيرة، حتى أصبح من المعتاد والأدهى غير المستنكر؛ رؤية الشباب في العشرينيات وربما الثلاثينيات من أعمارهم، ولكنهم مازالوا تحت ولاية آبائهم ينفقون عليهم، ولا يحسنون التصرف في الأمور الهامة، وغير مؤهلين لتحمل مسئولية أو اتخاذ قرار، وتلكم مصيبة المصائب؛ فما تقدمت الأمة على أقرانها وبزّت حضارتها سائر الحضارات إلا بسواعد وهمم وعقول الشباب النابغين من أبنائها.

 

إن اعتماد نهج المهارات الحياتية باعتباره منهجية تفاعلية وتعليمية تركز على نقل المعرفة وتشكل الاتجاهات وتطور مهارات التعامل مع الآخرين يساهم في تعزيز قدرة الأجيال الناشئة على تحمل مسئولية اتخاذ خيارات صحية، ومقاومة الضغوط السلبية، وتجنب السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، خصوصًا مع الاستخدام المتزايد بسرعة لتكنولوجيا المعلومات وأدوات الاتصال.

 

الإجازة الصيفية تمثل فرصة رائعة لاكتساب العديد من المهارات وحصد خبرات جديدة تفيد الشباب على المدى الطويل وتعود بالنفع عليهم وعلى المجتمع بأسره. ومن أهم هذه المهارات:

1- المهارات الإدارية: وأبرزها القيادة وتولي المسئولية، وهي المهارات التي كان المسلمون الأوائل من عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- حريصين على تعليمها لأبنائهم أشد الحرص، لذلك لم يكن مستغرباً أبداً وجود ولاة وقادة عسكريين وقضاة وأئمة وهم دون العشرين! بل لو ذهبنا نستعرض طرفاً من أسمائهم لاحتجنا إلى كتاب بأكمله لسرد أسمائهم من شدة عناية المسلمين الأوائل بتلقين أبنائهم مهارات القيادة والإدارة وتحمل المسئولية.

 

2- المهارات الاجتماعية: وأبرزها التواصل مع الآخرين وإقامة علاقات راشدة وسوية مع من حولهم من دوائر المجتمع المتشابكة، وهي مهارة أصبحت شبه غائبة بسبب طغيان الانعزالية والنزعات الفردانية في ظل سطوة مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت أكبر معول لهدم قيم المجتمعات وتمزيق الأواصر الاجتماعية! والدراسات الحديثة أثبتت خطورة وتأثير مواقع التواصل وألعاب الفيديو على عقول الشباب وصحتهم النفسية والإدراكية والجسدية.

 

3- المهارات التجريبية: وذلك بتعلم مهنة أو صنعة أو الالتحاق بإحدى الدورات التدريبية لتعلم مهارات فنية جديدة؛ مثل القيادة أو النجارة أو السباكة أو أعمال الكهرباء وإصلاح الأعطال، أو الخروج إلى الأسواق والمحال للبيع والشراء والتجارة...إلخ، وهذه المهارات لا ترتبط بحاجة الشاب للمال بقدر حاجته للارتقاء بإمكانياته وتنمية مهاراته؛ فالتجارب أعمار تُضاف إلى عمر صاحبها، والعمل طاعة وعبادة؛ فيه نَفع للنفس، ونفع للمجتمع والأمة وهو خير من القعود والكسل، وتكسر حاجز الرهبة من مقابلة الناس ومخالطتهم والتعامل معهم، وتُكسب الشباب مهارات الحديث والإقناع والتأثير ومواجهة الجماهير، وكلها مهارات نافعة في الدنيا والدين، ولا يستغنى عنها داعية وخطيب. يقول شعيب بن حرب: "لا تحقرنَّ فلسا تطيع الله في كسبه، وليس الفلس يراد، إنما الطاعة تراد، عسى أن تشتري به بقلاً، فلا يستقر في جوفك حتى يغفر لك".

 

4- المهارات العقلية: بزيادة المستوى العقلي والفكري للشباب والتوسع رأسياً في معارفهم وعلومهم، بتعلم بعض العلوم المساعدة؛ مثل تعلم البرمجة أو لغة جديدة أو التوسع في علوم سبق دراستها بصورة سطحية، وأعظم هذه العلوم؛ علوم الدين والشريعة وشحن البطاريات الإيمانية؛ فهي تحقق ثلاثة أهداف دفعة واحدة:

حفظ الأوقات من الضياع، والأخلاق من الفساد والانهيار، والقيام بواجب الدين وأعباء الدعوة إليه.

 

5- المهارات الرياضية: بنظرة سريعة على الحالة الصحية والجسدية للشباب في السنوات الأخيرة نجد تردياً بالغاً في الصحة بسبب نمط المعيشية المعاصر والقائم على السرعة والتعليب؛ فالطعام والنوم والحركة ونواميس الحياة كلها غير صحية ومفسدة للجسد ومتلفة للصحة، والإسلام حريص على أن يكون أتباعه أصحاء أسوياء أقوياء؛ إيمانياً وبدنياً.

 

والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يجري المسابقات الرياضية لأصحابه وخاصة الشباب في العدو والفروسية والمصارعة ورمي السهام، بل في بعض الأحيان يجعل من بعض هذه المهارات الرياضية معيارًا للاختيار والاستعمال؛ ففي الإصابة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استصغر سمرة بن جندب يوم أحد وأجاز رافع بن خديج، فاشتكى سمرة إلى ربيبه -زوج أمه- عدي بن سنان، بأن الرسول أجاز رافعاً ولم يجزه رغم أنه يصرع رافعاً في القتال، فذهب عدي بن سنان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له: "أجزت رافعاً ومنعت ولدي، وولدي يصرعه" فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمرة ورافعاً بأن يتصارعا، فصرع سمرة رافعاً ووضعه على الأرض، فأجازه رسول الله في القتال يوم أحد، فكان أول مشهد شهده سمرة بن جندب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ومما سبق يتضح لنا بأن المهارات الحياتية تعتبر حاجة ملحة لجميع الأفراد في عصرنا الراهن هذا العصر الذي يتسم بصعوبة التحديات التي تواجه الفرد في حياته اليومية؛ فالمهارات الحياتية تساعد الإنسان على الوعي بذاته والتعبير عنها، وكذلك في التفاعل مع الآخرين بشكل إيجابي وفعال؛ فهي تجعل الإنسان متوافقاً مع ذاته ومع مجتمعه، ومتكيفاً مع تغيرات الواقع، وتساعده في حل المشكلات والتحديات المختلفة التي يواجهها في واقعه بذكاء وحكمة وبطريقة عملية واقعية ملموسة؛ فهلمّ إلى إجازة من طراز جديد تنقل الشباب من الكسل والفشل إلى النجاح والعمل.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
زائر
09-08-2021

بارك الله فيكم على كل هذه الارشادات الجمعبات لها دور كبير لت هية شبابنا التائه الله المعين.

السلام عليكم ورحمة الله