يوم لا ظل إلا ظله

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2013-07-08 - 1434/08/29
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/أخذ العظة من حرارة الصيف 2/أهمية العدل ومجالاته وفضل الإمام العادل 3/أهمية الشباب وفضل تنشئهم على طاعة الله 4/فضل مراقبة الله والخوف منه 5/أهمية المساجد فضل ملازمتها 6/التعلق بها فضل الحب في الله

اقتباس

فالعدل شعارهم؛ فهم عادلون مع زوجاتهم وأولادهم، وعمالهم وخدمهم، بل هم عادلون مع أنفسهم ينصفونها لغيرهم، لا يستبيحون حقاً لغيرهم إلا بطيب نفس منه، يراقبون الله في صغير أمرهم وجليله، لا يستغلون ضعف الضعيف، أو جهل الجاهل، أو ....

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله جعل في خلق السموات والأرض آيات للسائلين، واختلاف آيات الليل والنهار آيات للمتقين.

 

وأشهد ألا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين وسلم.

 

أما بعد:

 

فحينما تحقق النفس شيئاً من رغباتها تطمع إلى ما وراء ما حققت، وتسمو إلى منازل فوق ما أدركت، فالنفوس تواقة متطلعة، فهيئاً لمن كان تطلعهم في الباقيات، وعلت نفوسهم إلى ما عند الله من الدرجات: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللّهِ واللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)[آل عمران: 162-163].

 

أيها الإخوة: قي أيامنا هذه تشتدُّ حرارة الشمس، ويقوى لهيبها، ويفزع الإنسان إلى أماكن الظلِّ، ومواطن التبريد ليأوي إليها، يهرب من سموم الشمس، يطلب بارد الشراب والهواء.

 

وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وعظةٌ للسائرين إلى رب العالمين.

 

فكيف لك -يا عبد الله- بظل دائم ظليل، ونسيم بارد عليل.

 

بل كيف لك بخصال تنال بها ظلاً أحوج ما تكون إليه، يوم تدنو الشمس من الخلق ويلحقهم من الكرب ما الله به عليم؟.

 

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على مقدار أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً" وأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى فيه. [رواه مسلم].

 

ما أعظم البون بين الخلائق وهم في مكان واحد يسمعهم الداع، وينفذهم البصر، في ذلك اليوم يطلب الناس ظلاً يظلهم، وملجأ يكنهم، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم؛ فعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل معلق قلبه في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه" [متفق عليه].

 

خصال خير، وأعمال برٍّ أكرم الله أصحابها بظله يوم لا ظلَّ إلا ظله.

 

فالإمام العادل: من له الولاية العظمى فعدل فيهم، رحم ضعيفهم، وأخذ الحقَّ من قويهم.

 

ونرجو أن يلتحق به كلُّ من ولي أمراً من أمور المسلمين فعدل فيهم، واتقى الله فيمن تحت يده من أمير أو مدير أو رئيس.

 

فصار همه إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، لا يهنأ له بال وبين يديه حاجة لمسلم لم تقض بعدُ، وهو قادر على قضائها.

 

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".

 

فالعدل شعارهم؛ فهم عادلون مع زوجاتهم وأولادهم، وعمالهم وخدمهم، بل هم عادلون مع أنفسهم ينصفونها لغيرهم، لا يستبيحون حقاً لغيرهم إلا بطيب نفس منه، يراقبون الله في صغير أمرهم وجليله، لا يستغلون ضعف الضعيف، أو جهل الجاهل، أو سفهه.

 

بين أعينهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه".

 

ثم الشاب الذي نشأ في طاعة الله توجه بقلبه إلى الله؛ فحفظ جوارحه عما يغضب الله، تغلب على زمن الشهوة والطيش، فهو شيخ كبير في عقله، ورجلٌ مسدد في حكمته، علم أنَّ الدنيا دار ابتلاء، فاستعان الله على الاستقامة والهداية، فزاده الله هدى، وربط على قلبه، فلم يغره رفيق سوء، ولم تفتنه الأهواء، ولم يقع في حبال الإغراء.

 

وفي زمن قلَّ فيه المعين على الخير، وتنوعت ألوان المغريات، وأصبح الشباب يتخطفهم المضللون من أحضان أسرهم، فالأجر حينئذ على قدر المشقة.

 

واعلموا: أنَّ صلاح الشباب مما يساعد عليه صلابة المنبت، وحسن التربية، فالبيت بتوجيهه ومتابعته أكبر عون على إيجاد هذه الطائفة، طائفة الشباب الذين ينشؤون على طاعة الله، ومن أعان على خير فله مثل أجر فاعله.

 

فهنيئاً لشاب استقام رغم شدة العواصف، وأقرَّ الله عين والدين أعانا ولدهما على نفسه، فنشأ عابداً لربه، باراً بوالديه، وقته بين علم نافع وعمل صالح.

 

وقريب من هذا، بل محنته أشدُّ: "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله".

 

ألا ما أعظم الخوفَ من الله.

 

تدفع به الشرور، ويسلم به الدِّين.

 

هذا رجل تهيأت الأسباب، واندفعت عنه الموانع، فهو مطلوب لا طالب، كُفِي مؤونة التحايل والمراودة، عرضت نفسها وهي ذات منصب وجمال، فمنصبها يؤمن العاقبة، فلن يصل إليه سوء لو كشف أمره فهي ذات منصب فسوف يستر أمره لأجل منصبها وحفظاً على سمعتها.

 

ثم هي ذات جمال والجمال فتنة، ثم دعته ولن يكون ذلك غالباً إلا حال انفراد وبعدٍ عن الناظر.

 

ومع هذا كله لم يمنعه إلا خوف الله.

 

خوف الله الذي ينهى الإنسان من أجله النفس عن الهوى، ولم يتردد عن التصريح بذلك زجراً لنفسه، ومعذرة وحجة لخصمه.

 

فقال: إني أخاف الله.

 

فكيف حال من لم يصبر على ما هو أقلُّ من ذلك؟

 

كيف حال من صار يتتبع نظرة لا تحل له هنا أو هناك عبر قناة؟

 

كيف حال من صار جواله نافذة إلى كل رذيلة، وبوابة إلى كل نقيصة، فرق دينه، وتشتت قلبه، وضعفت عبادته، وتخلى عن أبواب خير كان يأتيها: (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا)[المائدة: 41].

 

أتُرى من هذه حاله يصبر في مثل هذا الابتلاء.

 

وحين يذكر هذا الموقف يذهب الذهنُ إلى الكريم ابن الكريم يوسف الصديق - عليه الصلاة والسلام -: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ)[يوسف: 23].

 

فلجأ إلى الله: قال: معاذ الله، وفطن أن ذلك خيانة وظلم: إنه لا يفلح الظالمون، ثم سعى في الفكاك من هذه الورطة وغادر المكان هارباً بدينه: (وَاسُتَبَقَا الْبَابَ)[يوسف: 25].

 

قال الله -تعالى-: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)[يوسف: 24].

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله...

 

فأحد هؤلاء السبعة: "رجل معلق قلبه في المساجد".

 

ما أعظم همته، لم تطربه الدنيا، ولم تغره زهرتها، خلا قلبه من التعلق بالقصور والاستراحات، وجميل الأثاث، وحسن المركوبات.

 

إنَّ قلبه معلق بالمساجد، فما هي المساجد؟

 

إنها بيوت الله، وأحب البقاع إليه!

 

(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)[النــور: 36-37].

 

فما معنى أن تتعلق القلوب بالمساجد؟

 

إنها تشتاق إليها فما أن تنصرف عنها وتنقلب منها إلا وهي في شوق إلى الرجوع لها.

 

تقضي صلاة فيها ثم لا يزال حنينه إليها تودُّ الرجوع إليها.

 

وربما لا تطاوعه نفس بالانصراف فيقعد منتظراً صلاة الأخرى، وفي ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " وانتظار الصلاة إلى الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط".

 

المسجد شغله الشاغل في حضره، ثم إن سافر فأوَّل ما يسأل عنه في سفره المسجد: أين هو؟ وكم بعده؟

 

لأجل أن يضع رحله، ويكون منزله قريباً من المسجد؛ لأنه يعلم أن قرب المسجد به سكن روحه، وطمأنينة قلبه، وفيه عون له ولأولاده على الخير والصلاة.

 

فما أعظم حظ هؤلاء؟

 

فأين هم من أناس جاوروا المساجد سنين عديدة، ثم هم أزهد الناس في المساجد، طال هجرهم لها، واستوحشوا منها ومن روَّادها.

 

كأنَّ بينهم وبينها عداوة لا تنقضي، وثأرا لا ينطفي، ثم الويل لمن يذكره بسوء فعله وعاقبة هجرهم.

 

أيها الناس: إنَّ المساجد مراتعُ الصالحين، وبيوتُ المتقين فيها يجتمعون للصلوات الخمس، وفيها يتدارسون العلم، ويتلون كتاب الله: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده " [رواه مسلم].

 

ثم بعد ذلك: "ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه".

 

رجلان تحابا في الله فحبهم لله، أعجبه منه تقواه، وصدقُه وحسنُ عبادته، وجميل أخلاقه ونحوها من خصال الخير، فأحبه لذلك ثم بادله الآخر حبه للأسباب نفسها.

 

ثم لم يزالا على ذلك حتى افترقا من هذه الدنيا، وفرق بينهما الموت.

 

وهم بعد ذلك يرجون ما عند الله: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)[الزخرف: 67].

 

وقال الله -تعالى- في الحديث القدسي: "المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء" [رواه الترمذي، وسنده قوي].

 

ومن أحبَّ أحداً فإنَّ السنة أن يخبره؛ فعن أنس - رضي الله عنه -: أن رجلاً كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فمرَّ رجل به، فقال: يا رسول الله إني لأحبُّ هذا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أأعلمته؟" قال: لا قال: "أعلمه" فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له" [رواه أبو داود بإسناد صحيح].

 

إن الحب في الله يعيد الحياة إلى صفائها، والعلاقات إلى صدقها، فلم تعد المصالح كلَّ شيء، ولم يبق الميزان ما حكاه الله عن أهل الدنيا: (فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)[التوبة: 58].

 

تغلب المتحابون في الله على أهوائهم ورغباتهم، فليس الحبُّ لأجل عطاء يحصله، أو مصلحة ينالها، ولم يحبَّ فلانا لحسن في حديثه، أو طرفة في كلامه، وربما كان هذا على حساب دينه أو مروءته.

 

اللهم نسأل صدق الحب فيك، والرغبة الصادقة في مراضيك.

 

اللهم اجعلنا من المتحابين فيك الذين وجبت لهم محبتك.

 

أقول قولي هذا …

 

 

 

المرفقات

لا ظل إلا ظله

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات