عناصر الخطبة
1/الزواج فطرة وشريعة ومحاسن 2/حث الشرع على التيسير في الزواج 3/خطورة العزوف عن الزواج.اقتباس
وإنَّ مما يُحمدُ للناسِ في الآونةِ الأخيرةِ تلك البادرةَ الحميدةَ -التي نسألُ اللهَ دوامَها-؛ ألا وهي اقتصارُهم على الرجالِ وإقامةُ الزواجاتِ في الاستراحاتِ، غير مكلِّفين النساءَ الحضورَ والتكلفَ...
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].
أمَّا بعدُ: فإنَّ مِن فضلِ اللهِ علينا وعلى الناسِ أنْ قدْ جعلَ لنا أسبابًا تسكنُ إليها نفوسُنا إذا اضطربتْ، وتأوي إليها إذا شردتْ، وتطلبُ منها المودَّةَ والرحمةَ إذا نفرتْ وقستْ، وهذا كلُّه يكمنُ فيما ذكره ربُّنا الحكيمُ العليمُ في قرآنِه، وبيَّنه حقَّ بيانِه؛ فقد قالَ -سبحانه-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21].
آياتٌ لقومٍ يتفكرون في هذا الزواجِ الذي جعله اللهُ سكنًا ومودَّةً ورحمةً؛ ألم تروا إلى الفتاةِ تكونُ في بيتِ أبيها لا تريدُ الخروجَ منه، ثم ما إنْ تدخلُ بيتَ زوجِها حتى يكونَ هذا العشُّ الجديدُ السعيدُ أحبَّ إليها من بيتِ أبيها، ولو لم يكن من فوائدِ وعوائدِ الزواجِ؛ إلا أنه يحصلُ به أجورٌ مضاعفةٌ لكفى به عائدةً وفائدةً.
وإنَّ الزواجَ فطرةٌ قبل أن يكونَ شِرعةً؛ قالَ -تعالى-: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)[يس: 36]، وقالَ -سبحانه-: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[الذاريات: 49].
فلماذا يحرِمُ نفسَه الاستقرارَ من قدرَ على مؤونةِ وباءةِ الزواجِ الذي هو خيرُ متاعِ الدنيا؟
أما قالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"(رواه النسائي).
أيُّها المؤمنون: وإنَّ من بشائرِ الخيرِ في عددٍ من البيئاتِ التي تغلبُ فيها سِمةُ الصلاحِ توافدَ وتوافقَ طائفةٍ من الأولياء والأبناء على المبادرةِ بالزواجِ؛ فالتفكيرُ بالزواجِ محلُّ اهتمامهم، وغلاءُ المهورِ ليس باهظًا عندهم، لولا ظروفُ المعيشةِ ومتطلباتُ الحياةِ.
وإنَّ مما يُحمدُ للناسِ في الآونةِ الأخيرةِ تلك المبادرةَ الحميدةَ -التي نسألُ اللهَ دوامَها-؛ ألا وهي اقتصارُهم على الرجالِ وإقامةُ الزواجاتِ في الاستراحاتِ، غير مكلِّفين النساءَ الحضورَ والتكلفَ، وهذا بدوره يخففُ الأعباءَ على الأولياء، وأما أولئك المتباهون الباذخون؛ فإنهم لو فكَّروا لعلموا أنهم يجنون النكدَ على الزوجين، ويجلبون لهم الهمَّ بدلَ السعادةِ.
فيسِّروا -معاشرَ الأولياء والزوجات- أمرَ الزواجِ، خِطبةً ومِلكةً ومهرًا وحفلًا، ومشترواتٍ وحفلاتٍ وحلوياتٍ وسفراتٍ؛ لتروا بعدها البركاتِ، ولتحققوا مقاصدَ الزواجِ بالموداتِ والرحماتِ.
يقول الشيخُ ابنُ عثيمين -رحمه الله-: "ولو أننا نسلكُ طريقةً لتسهيلِ الأمرِ، وتخفيفِ حدةِ المغالاةِ، بتأجيلِ بعضِ المهرِ، بأن نُقدِّمَ من المهرِ ما دعتِ الحاجةُ إليه في النكاحِ، ونؤجلَ الباقيَ في ذمةِ الزوجِ، لكانَ هذا جائزًا وحسنًا، وفي ذلك تسهيلٌ على الزوجِ، ومصلحةٌ للزوجةِ؛ فإن ذلك أدعى لبقائها معه؛ لأنه لو طلَّقها لحلَّ المهرُ المؤجلُ إذا لم يكن له أجلٌ معينٌ".
الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ على لطفِه الخفيِّ، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ الأميِّ، أمَّا بعدُ:
وإنَّ ثَمَّةَ أمرًا يطيلُ أمدَ تحقيقِ الزواجِ، ويُبعدُ تعجيلَ الفرحةِ بحصولِه؛ ألا وهو العزوفُ عنه بحجةِ تكوينِ المستقبلِ -زعموا-؛ فالشابُّ قد يقولُ: لماذا أرتبطُ بامرأةٍ تكونُ عليَّ حملًا؛ أحملُ مسؤولياتِها، وأقضي طلباتِها؟! لماذا لا أعيشُ وحدي؛ أستمتعُ بوحدتي وحياتي المسهَّلةِ، بعيدًا عن الحياةِ المعقَّدةِ والمسؤولياتِ والواجباتِ والمشكلاتِ الزوجيةِ؟!
والفتاةُ قد تقولُ: لماذا أرتبطُ برجلٍ أكونُ خادمةً عنده، يتحكمُ فيَّ كما يشاءُ، وأكونُ أسيرةً في يده، وأتولى تربيةَ أولادِه، وفي النهايةِ له الأمرُ والنهيُ عليَّ؟! أعيشُ وحدي هذا أفضلُ لحياتي الخاصةِ الحرةِ!
أيُّها الأخوَّة: هذا التفكيرُ المغلوطُ لدى بعضِ شبابِنا وشوابِّنا سببُه انجرافُهم خلفَ دعواتٍ بنتها الحضارةُ الزائفةُ، ويقودُها تيارٌ متحللٌ، يستثمرُ الفهمَ المغلوطَ، ويصبُّ نارَ المعاندةِ لشرعِ اللهِ على زيتِ الجهلِ والتحررِ، الذي يمثلُ أرضًا خصبةً، يلعبُ على أرضِها هؤلاء المتحللون؛
ولما أرادَ بعضُ الصحابةِ -رضي الله عنهم- أن يتعففوا عن النكاحِ نهاهم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وقالَ: "وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"(رواه البخاري ومسلم).
فاللهم يسرِ الزواجَ على المتزوجينَ، وأعِفَّ أولادَ المسلمينَ بالحلالِ، وجنِّبهُم سُبُلَ الغيِّ والخنا والزنا.
اللّهُمّ اكْفِنا مَا أَهَمّنا، وَمَا لَا نهْتَمُّ لَهُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّا. وَوَجِّهْنا لِلْخَيْرِ أَيْنَمَا تَوَجّهْنا.
اللهم احفظْ أمنَنا واستقرارَنا. اللهم احفَظْ ثرواتِنا وثمراتِنا، واقتصادَنا وعتادَنا.
اللهم وفَّقْ وليَّ أمرِنا ووليَّ عهدِه لما تحبُّ وترضَى، وخُذْ بناصيتِهِما للبرِّ والتقوى.
اللهم احفظ جنودَنا في حدودنا، وأيِّدْهُم بتأييدِكَ.
اللهم احفظْ دينَنَا وبلادَنا، وأَدِمْ أمنَنا، واحْمِ أرجاءَنَا وأجواءَنَا، وادحَرْ أعداءَنا، وأجِبْ دعاءَنا، واجمعْ شملَ إخوانِنا في بلدانِهِم.
اللهم احفَظْ إمَامَنَا خَادِمَ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وسدِّدْهُ ووليَّ عهدِهِ لهُدَاكَ. اللهم اشْفِهِ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمَاً.
اللهمَ لكَ الحمدُ على ما أنزلتَ من خيراتِ السحابِ، وأجريتَ من شِعاب.
اللهم ارزقنَا بركةَ ما أنزلتَ، وتابِعْ علينا الخيرَ يا خيرَ الرازقينَ، وعُمَّ بها أوطانَ المسلمينَ، واجعلنا لكَ شاكرِينَ ذاكرِينَ، وفي آلائكَ متفكرينَ.
وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم