يا عبد الله لا تكن كفلان

حمزة بن فايع آل فتحي

2020-10-11 - 1442/02/24
عناصر الخطبة
1/ظاهرة التراجع الإيماني 2/انقطاع بعض الناس عن العبادة 3/الحث على تفقد المنقطعين 4/أسباب التراجع عن الطاعة 5/فضل قيام الليل.

اقتباس

لماذا تغيّر أخونا؟ وما هي الأمور التي تجعل إيمانَنا يتراجع, واستقامتنا تتناقص؟! ربما لمعصيةٍ غَشيها أو لشيطانٍ أن تسلط عليه، أو رُفقةٍ سيئةٍ مكرت به، أو جليسِ سوء غره، أو مشاهدةٍ صور ومقاطع محرمة, أو جهالةٍ التحفَ بها, أو غرورٍ لازمه...

الْخُطبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ, وبَعْدُ:

 

أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

أيها الناس: هل رأيتم ذلك الإنسانَ الذي كان في الصف الأول ثم تأخر؟! وأخاكم المعطاءَ الجواد؛ فانقبض واستبخل؟! وثالثًا كان ذَا صيامٍ وأذكار، ومن رواد الدروس؛ فغاب وانشغل؟! لماذا كل ذلك؟! وماذا دهاهم، وحلّ بهم؟!.

 

إنها ظاهرةُ التراجع الإيماني، والارتخاء العبادي، يُرى بعضنا نحو هامةِ الثريا؛ جدا وعملا وانطلاقا, وفُجاءةً يصبحُ يلوكُ الثرى؛ تعثرًا وضعفا وانهزاما, قال -تعالى-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا)[النحل: 92].

 

يا لهفَ روحي على عبد وقد جملا *** بالصالحات وأزجى الطيب واعتدلا

ثم اعتراه مع الأيامِ معضلةٌ *** فضيَّع الذكر والأعمال واعتللا

 

 

قال الإمام النووي -رحمه الله- في كتابه الماتع الرائع (رياض الصالحين): "باب الأمر بالمحافظة على ما اعتاد من الخير", وساق موعظةَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن عمرو بن العاصِ -رضي الله تعالى عنهما-: "يَا عبدَ اللهِ! لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلان، كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ؛ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيهِ).

 

كان على سجيةٍ حسنة, وعلى طاعة ذهبية وعلى حياةٍ مشرقه, ثم اختفى ذلك الحُسن والذهب والإشراق، ورؤي الفاضلُ النبيلُ متغيرا منكسرا, أو غير مبالٍ بما حدث, والله يقول: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)[هود: 112], وقال -سبحانه-: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)[الحديد: 21], فأنى له التغير؛ وقد ذاق حلاوةَ الإيمان؟! ولماذا النكوصُ وقد تلذذ بالقُربات، وعاش طيبَها وصفاءها؟!.

 

يا عبدَ الله: لمَ ذاك التغير؟! ولِم تركت الطاعاتِ المعروفة؟! ولمَ هجرتَ ما كنتَ عليه من خيرٍ وبر؟!.

 

‏يا مسلمون: إنها مشكلةٌ تعترينا في ديننا, وتُعكِّر علينا استقامتَنا, وتكدرُ فينا سعادتَنا, وتنتشر من حينٍ لآخر, ولا يوجدُ من يعالجها لنا, وقد يُبتلى أحدُنا ونتركه ونهجره، ولا نعملُ على زيارته والسؤال عنه, وقد يردد بعضنا: "دعوه؛ فقد اختار طريقه!".

 

كلا, إن ذلك ليس بمسلكٍ رشيد؛ بل الواجبُ السؤالُ عن ذلك المتغير، والبحث عن أخينا, ولِمَ تراجع؟ ولماذا كان في الصفوف الأول؛ علما وعبادة ومسارعة, ثم رؤي متأخرا متخلفًا بعد ذلك؟!.

 

إنّ إخوّةَ الإسلام والمعرفة, توجبُ علينا الاهتمامَ به والعمل على إصلاحه ومناصحته؛ "فالدينُ النصيحة", ولكنها تكونُ برفقٍ ورحمة؛ "مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا زَانَهُ وَلَا نُزع عَنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"؛ كما قال المصطفى الحكيم -عليه الصلاة والسلام-.

 

والسؤالُ المفيد هنا -إخوةَ الإيمان-: لماذا تغيّر أخونا؟ وما هي الأمور التي تجعل إيمانَنا يتراجع, واستقامتنا تتناقص؟!.

 

ربما لمعصيةٍ غَشيها أو لشيطانٍ تسلط عليه، أو رُفقةٍ سيئةٍ مكرت به، أو جليسِ سوء غره، أو مشاهدة صور ومقاطع محرمة, أو جهالةٍ التحفَ بها, أو غرورٍ لازمه، أو انغماسٍ دنيوي أحاط به.

 

كلُّ ذلك من مكدّرات الطريق, ومن معوِّقات الاستقامة, والواجب لزومُ الرشاد, وتثبيتُ الأرجُل على الطريق، وسؤالِ اللهَ الثباتَ على الدوام؛ (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ)[الكهف: 14]؛ أي: ثبتناهم.

 

ومن أدعيتِه المستحسنة -صلى الله عليه وسلم-: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ؛ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ", "يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ؛ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ".

 

وما أحوجَنا في أزمنةِ الفتن العاتية إلى دعواتٍ متينات خالصات, نلتجئ فيها إلى الله بالثبات، وأن لايكِلنا إلى أنفسنا طرفةَ عين.

 

اللهم احفظْ علينا إيمانَنا واستقامتنا, وثبِّتنا على صراطك المستقيم, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبهِ أجمعين.

 

وبعد: فحافظوا -يا أخيارُ- على دينِكم، وثبتوا استقامتكم, وإياكم والتبدلَ والنكوص, وحاذروا أسبابَ النكسة والتغير؛ من استسهالِ المعاصي, واستحلاءِ النظرات, وذنوب الخلوات.

 

وفِي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كان يقوم الليل" تحذيرٌ من تغير الفرد، وهجران الطاعة المعتادة, وإرشادٌ إلى عبادةٍ جليلة، وقربة متينة، وضعت للكنز المفقود، والامتحان المرصود, فظفرَ بها من ظَفر؛ من صفوةٍ مؤمنة، وثلةٍ خاشعة، هبّت في نسائم الليل، وجافت المضجعَ الوثير، والنومَ الخصيب؛ لتلتقي ربها -تعالى- وتسبِّحه وُتعظِّمه؛ (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الذاريات: 17، 18].

 

وفِي قيام الليلِ حيويةٌ وتسلط، وسرورٌ وثواب، وإخلاصٌ واقتراب، وثبات واجتناب، ومراجعةٌ وجهاد, وانتصار واعتياد.

 

وفِي هذا القيام تذكر ما أعده الله لقومٍ متقين، وأناس صالحين، آثروا ما عند الله على دنياهم وملذاتِهم وراحتهم, واستأثروا بصلاحهم, وما عرفهم الناس، ولا تحدّثوا بها في المجالس؛ "وصلوا بالليل والنَاسُ نيامٌ؛ تدخلوا الجنةَ بسلام".

 

المرفقات

يا-عبد-الله-لا-تكن-كفلان.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات