ومن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون

عمر بن عبد العزيز الدهيشي

2023-09-22 - 1445/03/07 2023-10-08 - 1445/03/23
عناصر الخطبة
1/ترتيبات مهمة لاتخاذ القرارات المصيرية 2/ أعظم المنعطفات التي ستواجه كل عبد 3/وزن أعمال العباد يوم القيامة 4/خسارة أبدية وشقاوة سرمدية 5/الإكثار من الحسنات وعدم احتقار المعروف 6/التحذير من احتقار المعاصي والإكثار منها.

اقتباس

فمن رجحت كفة حسناته، وثقلت موازينه، فأولئك هم المفلحون الناجون من المرهوب الفائزون بالمطلوب فيعيش عيشة هنيئة، ويسعد سعادة سرمدية، وإن طاشت حسناته، وثقلت سيئاته، شقي شقاوة لا حياة أشقى بعدها ولا قبلها، وحقّت عليه الخسارة...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

عباد الله: في حياة المرء وسيره في الحياة، تُواجهه مراحل مفصلية، تُشكل منعطفات مهمة في حياته، تُغير مسيرته، وتهيؤه للمرحلة التي تليها، فلها ما بعدها، كاختيار تخصص جامعي، أو تحديد وظيفة، أو اختيار شريك للحياة...

 

فيُعد لها الموفق العدة، ويسعى في تحقيق ما يصبو إليه ويسعى من أجله، وحين يعظم الأمر وتكبر المهمة، يكون الاستعداد أكبر، وإن كان القرار غير قابل للمراجعة، ولا توجد فرصة للعودة، فالمسؤولية أعظم وأجلّ، قال -تعالى-: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ)[الانشقاق: 19].

 

عباد الله: أعظم المنعطفات التي ستُواجه كل عبد، ولن يسلم منها أي أحد، وهو أشدها وأكبرها على الإطلاق؛ حيث تواردت عليه النُّذر في القرآن، ورغب فيه رسول الأنام -عليه الصلاة والسلام- ورهَّب منه، تلك الحقيقة الغيبية، والواقع القادم لا محالة في يوم القيامة، إنه الميزان، حين ينصب فتُوزن فيه أعمال كل عبد، الحسنات والسيئات، الهمُّ والخطرات، وهو ميزان حقيقي له كفتان، يوزن بها أعمال العبد، بعد أن تُحصى أعماله وتجمع، وتتمثل أمامه أجساماً وأجراماً، فيبصرها وينظر إليها.

 

 (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)[المجادلة: 6]، فتوضع الحسنات في كفة، والسيئات في الكفة الأخرى، فمن رجحت كفة حسناته، وثقلت موازينه، فأولئك هم المفلحون الناجون من المرهوب الفائزون بالمطلوب فيعيش عيشة هنيئة، ويسعد سعادة سرمدية، وإن طاشت حسناته، وثقلت سيئاته، شقي شقاوة لا حياة أشقى بعدها ولا قبلها، وحقّت عليه الخسارة الحقيقة، والجزاء السرمدي.

 

 قال -تعالى-: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ)[الأعراف: 8-9]، وقال -سبحانه-: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)[القارعة: 6- 11].

 

قال ابن سعدي: "وفي القيامة مواضع، يشتد كربها، ويعظم وقعها، كالميزان الذي يميز به أعمال العبد، وينظر فيه بالعدل ما له وما عليه، وتبين فيه مثاقيل الذر، من الخير والشر، (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ) بأن رجحت حسناته على سيئاته (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 8].

 

(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) بأن رجحت سيئاته على حسناته، وأحاطت بها خطيئاته (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ)[الأعراف: 9] كل خسارة، وأي خسارة، فإنها -بالنسبة إليها- سهلة ومُعوّضة، ولكن هذه خسارة صعبة، لا يُجبر مصابها، ولا يُستدرك فائتها، خسارة أبدية، وشقاوة سرمدية، قد خسر نفسه الشريفة، التي يتمكن بها من السعادة الأبدية ففوتها هذا النعيم المقيم، في جوار الرب الكريم.

 

عباد الله: إذا كان ذلك كذلك، فإن الكَيِّس الفَطِن، المُوفَّق اللَّقن، من يسعى لفكاك نفسه، وسلامة جسده، بأي وسيلة ممكنة، وطريقة متيسرة، فلا يزهد في حسنة وإن كانت في نظره قليلة، ولا يستهين بمعصية وإن كان يراها صغيرة، فإن القليل مع القليل كثير، والكبير والكثير في أصله صغير وقليل.

 

ولذا جاءت الشريعة الإسلامية حاثَّة على عموم الحسنات، وأن لا يحقر المرء معروفاً، أو يستقل حسنة أو يستكثر طاعة، فعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- أنَّ رَسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ منها، وَأَشَاحَ بوَجْهِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ قالَ: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ، فإنْ لَمْ تَجِدُوا، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"(رواه الشيخان).

 

فذلك المعروف أو تلك الكلمة الحسنة، أو الابتسامة الصادقة، بسببها قد ترجح حسناتك، وتسعد بها سعادة أبدية، فهي كفيلة برفع الدرجات، ومغفرة السيئات، لما رأت امرأة بغي كَلْبًا في يَومٍ حارٍّ يُطِيفُ ببِئْرٍ، قدْ أدْلَعَ لِسانَهُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَعَتْ له بمُوقِها فسقته فَغُفِرَ لَها بسببه(والحديث رواه مسلم).

 

وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن رجلاً لم يَعْمَلْ خيرًا قطُّ، نزع غُصْنَ شوكٍ عن الطريقِ، إما كان في شجرةٍ فقَطَعَه وألقاه، وإما كان موضوعًا فأَماطَه، فشَكَرَ اللهُ له بها؛ فأدَخَلَه الجنةَ. (والحديث رواه أبو داود وأصله في الصحيحين).

 

فلا تدري –عبد الله- أي معروف تكون معه نجاتك، أو حسنة يكون بها خلاصك، فلْيُوطِّن العبد نفسه على المعروف، ولا يزهد في صغير أو كبير من العمل، فالنفوس على ما عوَّدها صاحبها، والحسنة تتبعها الحسنة، والمُوفَّق مَن وفَّقه الله، والهداية بيد الله، قال ابن عباس -رضي الله عنه- في قوله -تعالى-: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 8]؛ أي: "من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة".

 

 فاللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: إن كان ذلك في سبيل الحسنات، فكذلك السيئات، فاستمراؤها واستصغارها، والتهاون معها، أو الاستمرار فيها، قد يكون بها عطب العبد، وخسارته السرمدية، فها هو أبونا آدم -عليه السلام- بمعصية واحدة، خسر الحياة الهنية في الجنة، وأهبط إلى الأرض، يعاني حارها وقارها، ويَصْلى لأواها وشدتها، وإبليس أخرج من الجنة وطرد منها ولعن، بمعصية الاستكبار عن الاستجابة في السجود لآدم -عليه السلام- (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا)[الأعراف: 18].

 

ولما أقسم ذلك الرجل أن الله لا يغفر لفلان، قال اللَّهَ -تعالى-: "مَن ذا الذي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ، فإنِّي قدْ غَفَرْتُ لِفُلانٍ، وأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ، أوْ كما قالَ"(رواه مسلم)؛ فهي كلمة عابرة أَوْبَقَت عليه حياته وخسر معها إيمانه وطاش بها عمله، فأَنَّى لعبدٍ الأمن وهو مقيم على معصية، أو مستهين بسيئة، فبسيئة واحدة قد ترجح كفة السيئات، وتطيش معها الحسنات.

 

 فالحذر الحذر، وليكن العبد شحيحًا بحسناته مستكثرًا من الطاعات، يقظًا من السيئات مجافٍ للمعاصي والموبقات.

 

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

هذا وصلوا وسلموا على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

المرفقات

ومن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون.doc

ومن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات