وما أكثر الخائنين في هذا الزمان!

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2015-09-09 - 1436/11/25
عناصر الخطبة
1/خطر الخائنين على المسلمين 2/المقصود بالخيانة لغة وشرعا 3/تحريم الدفاع عن الخائنين 4/عدم ائتمان أعداء الإسلام والنهي عن الاقتداء بالخونة 5/بعض صور ومظاهر الخيانة 6/إحاطة الله بالخونة 7/سقوط عدالة الخونة 8/تفشي الخيانة في آخر الزمان والتحذير من ذلك 9/التحذير من تخوين الأمناء والظن السيئ بهم 10/التحذير من تتبع عورات المسلمين 11/بعض صور الخيانة في العبادات

اقتباس

إنَّ وجودَ الخائنين الخونةِ في الأمَّةِ أمرٌ خطير، والسكوتَ عنه شرٌّ مستطير، إنه سوسٌ ينخرُ في جسم الأمة، ويصدِّعُها ويخلخِلُها، مما يُسهِّلُ على أعدائها اغتصابَها، والنيلَ منها. والخيانةُ تكون في الأموال، مما يؤدي إلى انهيار الاقتصاد، وتكون في الأعراض، ويؤدي إلى انهيار الأخلاق. وتكون الخيانةُ في العقولِ والأفكار، ويؤدِّي إلى انحرافٍ في السبيلِ والمنهاج، وتكون الخيانةُ...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي حذرنا من الخيانة، وحثنا على الأمانة، القائلِ في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27].

والصلاة والسلام على رسول الله القائل: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" [سنن أبي داود (3534)، سنن الترمذي (1264)].

ورضي الله -تعالى- عن الصحابة الكرام، الذين بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وجاهدوا في الله حق جهاده.

 

إنَّ وجودَ الخائنين الخونةِ في الأمَّةِ أمرٌ خطير، والسكوتَ عنه شرٌّ مستطير، إنه سوسٌ ينخرُ في جسم الأمة، ويصدِّعُها ويخلخِلُها، مما يُسهِّلُ على أعدائها اغتصابَها، والنيلَ منها.

 

والخيانةُ تكون في الأموال، مما يؤدي إلى انهيار الاقتصاد.

 

وتكون في الأعراض، ويؤدي إلى انهيار الأخلاق.

 

وتكون الخيانةُ في العقولِ والأفكار، ويؤدِّي إلى انحرافٍ في السبيلِ والمنهاج.

 

وتكون الخيانةُ في القلوبِ والصدور، وتؤدِّي إلى فسادٍ في الدين والاعتقاد.

 

وتكون الخيانةُ بنقل أخبارِ المسلمين لأعدائهم، وإفشاءِ أسرارِهم، مما يؤدي إلى فسادٍ وإفسادٍ في البلاد والعباد.

 

وخيانة النفس تُوْدِي بها إلى مهاوي الردَى، وأودية البلاء.

 

وأغلب ما تطلق عليه الخيانةُ في الأموال.

 

فالخيانة في اللغة؛ هي: الأخذُ خُفيةً وسرًّا مما هو تحت يدك، وليس مملوكا لك، كالأمانة.

 

"والخائن الذي ائتُمِن فأَخَذ -وسرق-، قال النمر بن تولب:

 

وإنَّ بَنِي رَبيعةَ بَعْدَ وَهْبٍ *** كَرَاعِي البيتِ يحفظهُ فَخَانَا

 

والسارق من سرقك سرًّا بأيِّ وجهٍ كان، يقال: كلُّ خائنٍ سارقٌ، وليس كلُّ سارقٍ خائنا.

 

والغاصب، الذي جاهرك ولم يستتر، والقطع في السرقة دون الخيانة والغصب" [معجم الفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري، ص: 228)].

 

ف "الخيانة" هي التصرف في الأمانة على خلاف الشرع؛ كالجناية في الوديعة، فإنها أمانة في يد المودَع، فإذا تلفت الوديعة تحت يده من غير تقصير فلا ضمان عليه؛ لعدم خيانته، أما إذا قصر فيها فإنه يضمن" [شرح البخاري للسفيري، المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية، لشمس الدين محمد بن عمر بن أحمد السفيري الشافعي (المتوفى: 956هـ) (ج2 ص 63)].

 

قال ابن تيمية: "وَلَفْظُ الْخِيَانَةِ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ؛ لا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ فِيمَا خَفِيَ عَنْ الْمَخُونِ، كَاَلَّذِي يَخُونُ أَمَانَتَهُ، فَيَخُونُ مَنْ ائْتَمَنَهُ إذَا كَانَ لا يُشَاهِدُهُ، وَلَوْ شَاهَدَهُ لَمَا خَانَهُ.

 

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27].

 

وَقَالَ تَعَالَى: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ) [المائدة: 13].

 

وَقَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف: 52].

 

وَقَالَ تَعَالَى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19].

 

وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا قَامَ: "أَمَا فِيكُمْ رَجُلٌ يَقُومُ إلَى هَذَا فَيَضْرِبُ عُنُقَهُ؟" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلاَّ أَوْمَأْت إلَيَّ؟ فَقَالَ: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ".

 

قَالَ تَعَالَى: (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) [النساء: 107]. [مجموع الفتاوى (14/ 440)].

 

ولا يجوز الدفاعُ والمخاصمةُ عمَّن عُلِمْت خيانتُه للمسلمين، واشتُهر بعدمِ أمانته للمؤمنين، قال الله -تعالى-: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء: 105].

 

"يقول: ولا تكن لمن خانَ مسلمًا أو معاهَدًا في نفسه أو ماله (خَصِيمًا) تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقِّه، الذي خانه فيه: (وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ) يا محمد، وسَلْه أن يصفحَ لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره: (إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [النساء: 106].

 

يقول: إن الله لم يزل يصفح عن ذنوب عباده المؤمنين، بتركه عقوبتهم عليها إذا استغفروه منه: (رَّحِيمًا) بهم.

 

فافعل ذلك أنت؛ يا محمد! يغفرْ اللهُ لك ما سلف من خصومتك عن هذا الخائن" [جامع البيان للطبري، ت شاكر (9/ 176)].

 

إنه لا أمنَ ولا أمانَ لأعداء المسلمين، فهم يتحينون الفرصَ السانحةَ لخيانةِ عهودهم، والانقضاضِ عليهم، قال تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الأنفال: 71].

 

(وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ) في السعي لحربك ومنابذتك: (فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) فليحذروا خيانتك، فإنه تعالى قادر عليهم وهم تحت قبضته: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها.

 

ومن علمه وحكمته: أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وأن تكفل بكفايتكم شأن الأسرى وشرهم إن أرادوا خيانة" [تيسير الكريم الرحمن، للسعدي (ص: 327)].

 

فما أكثرَ نقضِهم -أي أعدائنا- للعهودِ والمواثيق، وما أكثرَ خياناتِهم وقسوةِ قلوبِهم: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة: 13].

 

ف "الخيانة المستمرة التي: (لا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ) أي: خيانةٌ للهِ ولعبادهِ المؤمنين.

 

ومن أعظم الخيانةِ منهم؛ كتمُهم عن من يعظُهم، ويحسنُ فيهم الظنَّ الحقَّ، وإبقاؤهم على كفرهم، فهذه خيانة عظيمة.

 

وهذه الخصال الذميمة، حاصلةٌ لكلِّ من اتصف بصفاتهم.

 

فكلُّ من لم يقُمْ بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام؛ كان له نصيبٌ من اللعنةِ وقسوة القلب، والابتلاءِ بتحريفِ الكلم، وأنه لا يوفَّقُ للصواب، ونسيانِ حظٍّ مما ذُكِّر به، وأنه لا بدَّ أن يُبتلَى بالخيانة -نسأل الله العافية-" [تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص: 225)].

 

ونحن منهيون عن الاقتداء بأعدائنا في الخيانة وغيرها من الصفات الذميمة، والأخلاق السيئة، فإن خانوا هم لا نخون نحن: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) [الأنفال: 58].

 

أي: وإذا كان بينك وبين قوم عهدٌ وميثاقٌ على ترْكِ القتالِ فخفت منهم خيانة، بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم بالخيانة: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ) عهدهم، أي: ارْمِهِ عليهم، وأخبرْهم أنه لا عهدَ بينك وبينهم: (عَلَى سَوَاءٍ) أي: حتى يستوي عِلمُك وعلمُهم بذلك، ولا يَحِلُّ لك أن تغدرَهم، أو تسعى في شيء مما منعه موجب العهد، حتى تخبرَهم بذلك: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) بل يبغضُهم أشدَّ البغض، فلا بدَّ من أمر بيِّنٍ يبرئُكم من الخيانة.

 

ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة منهم؛ لم يحتجْ أن ينبذَ إليهم عهدهم، لأنَّه لم يخفْ منهم، بل عَلِمَ ذلك، ولعدمِ الفائدة، ولقوله: (عَلَى سَوَاءٍ) وهنا قد كان معلوما عند الجميع غدرهم.

 

ودل مفهومها أيضا: أنه إذا لم يُخَفْ منهم خيانة، بأنْ لم يوجد منهم ما يدلُّ على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتمَّ مدته" [تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص: 324)].

 

والخيانة تكون بالكفر بالله -تعالى- ومن أعظم الخيانات الزوجية، أن يكون أحدهما كافر سرًّا والآخر مؤمن، قال سبحانه: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) [التحريم: 10].

 

(فَخَانَتَاهُمَا) في الدين، بأن كانتا على غير دين زوجيهما، وهذا هو المراد بالخيانة؛ لا خيانةَ النسب والفراش، فإنه ما بغتْ امرأةُ نبيٍّ قطُّ -أي زنت-، وما كان الله ليجعلَ امرأةَ أحدٍ من أنبيائه بغيًا -أي زانية- (فَلَمْ يُغْنِيَا) أي: نوحٌ ولوطٌ: (عَنْهُمَا) أي: عن امرأتيهما: (مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ) لهما: (ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)" [تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص: 874)].

 

وهذه امرأة العزيز التي اتهمت يوسف -عليه السلام-، عند التحقيق معها بعد سجن يوسف -عليه السلام- اعترفت في غيابه بالحقيقة، وبرَّأته مما ألصقته به قائلةً: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف: 52].

 

تقول: (ذَلِكَ) الإقرار، الذي أقررْتُ أني راودْتُ يوسف: (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) يحتمل أن مرادها بذلك زوجَها، أي: ليعلمَ أني حين أقررت أني راودت يوسف، أني لم أخنه بالغيب، أي: لم يجر منِّي إلا مجرد المراودة، ولم أفسد عليه فراشه، ويحتمل أن المراد بذلك ليعلم يوسف حين أقررت أني أنا الذي راودته، وأنه صادق أني لم أخنه في حال غيبته عني: (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) فإنَّ كلَّ خائنٍ لا بدَّ أن تعودَ خيانتُه ومكرُه على نفسه، ولا بدَّ أن يتبين أمره" [تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص: 400)].

 

وإذا كانت الخيانةُ لا تكون إلا خفية وسرًّا؛ هذا عن الناس، أمَّا عن الله -سبحانه-؛ فإنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19].

 

(يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ) وهو النظر الذي يخفيه العبد من جليسه ومقارنه، وهو نظر المسارقة: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) مما لم يبينه العبدُ لغيره، فالله -تعالى- يعلم ذلك الخفي، فغيره من الأمور الظاهرة من باب أولى وأحرى" [تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص: 735)].

 

وهنا تحذير من الله -جل جلاله- للمؤمنين من الخيانة عموما، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27].

 

ف "يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين أن يؤدُّوا ما ائتمنهم الله عليه من أوامره ونواهيه، فإنَّ الأمانة قد عرضها الله على السماوات والأرض والجبال؛ فأبين أن يحملْنَها وأشفقْن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، فمن أدى الأمانة؛ استحق من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدِّها بل خانها؛ استحق العقاب الوبيل، وصار خائنا لله وللرسول ولأمانته، منقصا لنفسه بكونه اتصفت نفسُه بأخسِّ الصفات، وأقبحِ الشيات، وهي الخيانة، مفوِّتًا لها أكمل الصفات وأتمَّها، وهي الأمانة.

 

ولما كان العبدُ ممتحنًا بأمواله وأولاده، فربما حمله محبةُ ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته، أخبر الله -تعالى- أنَّ الأموالَ والأولادَ فتنةٌ يَبتلِي الله بهما عبادَه، وأنها عاريَّةٌ ستؤدَّى لمن أعطاها، وتُردُّ لمن استودعها: (وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).

 

فإنْ كانَ لكم عقلٌ ورَأْيٌ، فآثِروا فضلَه العظيمَ، على لذةٍ صغيرةٍ فانيةٍ مضمحلَّةٍ، فالعاقل يوازن بين الأشياء، ويؤْثِرُ أَوْلاها بالإيثار، وأحقَّها بالتقديم" [تيسير الكريم الرحمن، للسعدي، ص: 319)].

 

والخونة لا تجوز شهاداتهم، ولا تقبل أقوالهم، فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلا خَائِنَةٍ، وَلا زَانٍ وَلا زَانِيَةٍ، وَلا ذِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ" [صحيح الجامع (2486) ورمز له: "د، هـ" عن ابن عمرو، وانظر: الإرواء 2669، والمشكاة 3382].

 

قال الصنعاني: "وَلا ذِي غَمَرٍ" وَهِيَ الْحِقْدُ وَالشَّحْنَاءُ عَلَى أَخِيهِ.., وَقَوْلُهُ: "الْخَائِنِ" قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لا نَرَاهُ خَصَّ بِهِ الْخِيَانَةَ فِي أَمَانَاتِ النَّاسِ دُونَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَائْتَمَنَهُمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ سَمَّى ذَلِكَ أَمَانَةً، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) [الأنفال: 27].

 

فَمَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- بِهِ، أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ؛ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَدْلاً؛ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ خَائِنًا فَلَيْسَ لَهُ تَقْوَى تَرُدُّهُ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَاتِ الدِّينِ، الَّتِي مِنْهَا الْكَذِبُ، فَلا يَحْصُلُ الظَّنُّ بِخَبَرِهِ" [سبل السلام (2/ 582، 583)].

 

وستكثرُ الخيانة، ويفشو التخوين في آخر الزمان، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْفُحْشُ وَالتَّفَحُّشُ، وَقَطِيعَةُ الأَرْحَامِ، وَتَخْوِينُ الأَمِينِ، وَائْتِمَانُ الْخَائِنِ" [صحيح الجامع (5894) ورمز له "طس" عن أنس، وانظر: الصحيحة (2290)].

 

"وهذا إنما يكون إذا غلب الجهل، وضعُف أهل الحقِّ عن القيام به ونصرته" [شرح صحيح البخارى، لابن بطال (1/ 138)].

 

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟! قَالَ: "الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ" [صحيح الجامع (1438) رمز له "حم، هـ، ك" عن أبي هريرة، الصحيحة 1888)].

 

إن الخائنَ أحدُ أهلِ النارِ الخمسةِ الذين ذكَرَهم رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قوله: "وَالْخَائِنُ الَّذِي لا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ" [رَوَاهُ مُسلم (2865)].

 

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالْخَائِنُ الَّذِي لا يخفَى لهُ طمَعٌ وإنْ دَقَّ إلاَّ خانَهُ" معنى: "لا يخفى"؛ لا يظهر" [شرح النووي على مسلم (17/ 199، 200)].

 

وقال في المرقاة: "وَالْخَائِنُ الَّذِي لا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ" قَالَ الْقَاضِي أَيْ: لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُطْمَعَ فِيهِ "وَإِنْ دَقَّ" بِحَيْثُ لا يَكَادُ أَنْ يُدْرَكَ "إِلا خَانَهُ" أَيْ: إِلا وَهُوَ يَسْعَى فِي التَّفَحُّصِ عَنْهُ، وَالتَّطَلُّعِ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِدَهُ فَيَخُونُهُ، وَهَذَا هُوَ الإِغْرَاقُ فِي الْوَصْفِ بِالْخِيَانَةِ.

 

قُلْتُ: بَلْ هُوَ إِغْرَاقٌ فِي وَصْفِ الطَّمَعِ، وَالْخِيَانَةُ تَابِعَةٌ لَهُ.

 

وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لا يَتَعَدَّى عَنِ الطَّمَعِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى الْخِيَانَةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: "الطَّمَعُ فَسَادُ الدِّينِ وَالْوَرَعُ صَلاحُهُ".

 

وَالْمَعْنَى: لا يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ يَطْمَعُ فِيهِ إِلا خَانَهُ، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا" [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3108)].

 

والخيانة من صفات المنافقين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ" [البخاري (2749)].

 

إن الخيانةَ أعظمَ الخيانةِ أنْ يوسَّدَ الأمرُ إلى غير أهله، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: "أَعْظَمُ الْخِيَانَةِ؛ أَدَاءُ الأَمَانَةِ إِلَى الْخَائِنِينَ" [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 48)].

 

لقد سأل أعرابيٌّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "متى الساعة؟!" فقال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ" قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ" [البخاري (59)].

 

ومما ينبغي التنبيه عليه، والتنويه إليه، من الآداب النبوية، والأخلاق المرعية: ألاَّ يتطرَّقَ إلى قلوبِنا تخوينُ المسلمين، ولا تتسلَّلَ إلى نفوسنا الريبةُ والشكُّ في أمانات المقرَّبين، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ" [صحيح مسلم (715)].

 

قال ابن بطال: "فبيَّن النبيُّ -عليه السلام- بهذا اللَّفظ المعنى الذى من أجله نهى عن أن يطرق أهله ليلاً.

 

فإن قيل: وكيف يكون طروقه أهله ليلاً سببًا لتخوُّنِهم؟

 

قيل: معنى ذلك -والله أعلم- أنَّ طروقَه إيَّاهم ليلاً هو وقت خلوةٍ، وانقطاعِ مراقبةِ الناسِ بعضَهم بعضًا، فكان ذلك سببًا لسوءِ ظنِّ أهلِه به، وكأنَّه إنما قصدَهم ليلاً ليجدَهم على رِيبةٍ حين توخَّى وقتَ غِرَّتِهم وغفلتِهم.

 

ومعنى الحديثِ: "النهيُ عن التجسس على أهله، ولا تحملُه غيرتُه على تهمتِها إذا لم يأنس منها إلا الخير" [شرح صحيح البخاري، لابن بطال (7/ 369)].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 

وبعد:

 

وكذلك ظننا ببقية المسلمين، فلا نظن بهم ظن السوء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) يَقُولُ: "نَهَى اللهُ الْمُؤْمِنَ أَنْ يَظُنَّ ظَنَّ سَوْءٍ"

 

وَفِي قَوْلِهِ: (وَلا تَجَسَّسُوا) قَالَ: "نَهَى اللهُ أَنْ تُتَّبَعَ عَوْرَاتُ الْمُؤْمِنِ".

 

وفِي قَوْلِهِ: (لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) قَالَ: "حَرَّمَ اللهُ أَنْ يُغْتَابَ الْمُؤْمِنُ بِشَيْءٍ كَمَا حَرَّمَ الْمَيْتَةَ" [شعب الإيمان (9/ 107، ح6330)].

 

فعورات المسلمين محترمة حفظ الشرع حرمتها، ونهى عن تتبعها وخيانتها، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذَا الْمِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، وَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ؛ لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلا تَطْلُبُوا عَثَرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْ عَوْرَةَ الْمُسْلِمِ يَطْلُبِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَطْلُبِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ، وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ".

 

وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ: "مَا أَعْظَمَكَ! وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ! وَلَلْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكَ" [صحيح ابن حبان (13/ 75، ح5763)، قال الألباني: "حسن صحيح " التعليق الرغيب (3/ 177)].

 

فإذا تتبع أحد عورات المسلمين ونشرها وأذاعها أفسدهم أو كاد، عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ" فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: "كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَفَعَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- بِهَا" [سنن أبي داود (4888)].

 

وفي رواية عند الطبراني: "أَعْرِضُوا عَنِ النَّاسِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ تُفْسِدُهُمْ؟" [المعجم الكبير للطبراني (19/ 365، ح859) عن معاوية، و(ح1049) في صحيح الجامع].

 

قال المناوي: "الرِّيْبة في الناس" أي التهمة فيهم؛ لتعلمَها وتظهرَها "أفسدتهم" أي أوقعتهم في الفساد "أو كدت أن تفسدهم" لوقوع بعضهم في بعض؛ بنحو غيبةٍ، أو لحصولِ تهمةٍ لا أصل لها، أو هتكِ عرض ذوي الهيئات المأمور بإقالة عثراتهم، وقد يترتب على التفتيش من المفاسد ما يربو على تلك المفسدة التي يراد إزالتها، والحاصل أن الشرع ناظرٌ إلى الستر مهما أمكن، والخطاب لولاةِ الأمور ومن في معناهم بدليل الخبر الآتي: "إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ".

 

قال الحراني: "والإعراض صرف الشيء إلى العرض التي هي الناحية" [فيض القدير (1/ 559)].

 

وليس معنى ذلك عدمَ التحرُّزِ، وتركَ أخْذِ الحيطة والحذر ممن قد يُحْسَن بهم الظنُّ، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله تعالى عنها-: "قَالَتْ: كَانَ رَجُلٌ أَسْوَدُ يَأْتِي أَبَا بَكْرٍ فَيُدْنِيهِ, وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ, حَتَّى بَعَثَ سَاعِيًا -أَوْ قَالَ: سَرِيَّةً- فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَعَهُ, فَقَالَ: "بَلْ تَمْكُثُ عِنْدَنَا" فَأَبَى, فَأَرْسَلَهُ مَعَهُ, وَاسْتَوْصَى بِهِ خَيْرًا, فَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً، حَتَّى جَاءَ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ, فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ فَاضَتْ عَيْنَاهُ, وَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟!" قَالَ: مَا زِدْتُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوَلِّينِي شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ, فَخُنْتَهُ فَرِيضَةً وَاحِدَةً, فَقَطَعَ يَدِي, فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "تَجِدُونَ الَّذِي قَطَعَ يَدَ هَذَا يَخُونَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ فَرِيضَةً, وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتُ صَادِقًا لأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ" قَالَ: ثُمَّ أَدْنَاهُ، وَلَمْ يُحَوِّلْ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ مِنْهُ, قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَقْرَأُ, فَإِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ قَالَ: "تَالَلَّهِ لَرَجُلٌ قَطَعَ هَذَا" قَالَ: فَلَمْ يَعِرْ إِلاَّ قَلِيلاً حَتَّى فَقَدَ آلُ أَبِي بَكْرٍ حُلِيًّا لَهُمْ وَمَتَاعًا, فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "طَرَقَ الْحَيَّ اللَّيْلَةَ" فَقَامَ الأَقْطَعُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ, وَرَفَعَ يَدَهُ الصَّحِيحَةَ وَالأُخْرَى الَّتِي قُطِعَتْ, فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَهُمْ, أَوْ نَحْوَ هَذَا, وَكَانَ مَعْمَرٌ رُبَّمَا، يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ عَلَى مَنْ سَرَقَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِينَ, قَالَ: فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى ظَهَرُوا عَلَى الْمَتَاعِ عِنْدَهُ, فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: "وَيْلَكَ إِنَّكَ لَقَلِيلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ, فَأَمَرَ بِهِ, فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ" قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتَهُ مِنَ اللَّيْلِ, قَالَ: "مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ" [مصنف عبد الرزاق الصنعاني (10/ 188، ح18774) وسنن الدارقطني (4/ 245، ح3403)، السنن الكبرى للبيهقي (8/ 88، ح16024)، وغيرهم بألفاظ أخرى].

 

وفي الختام: كلُّ ما تنقَّصَه العبدُ سرًّا وخُفيةً في العبادات أو المعاملات أو العادات وغيرها يعدُّ خيانة، ف "الصِّيَامُ مَبْنَاهُ عَلَى الأَمَانَةِ؛ فَإِنَّ الصَّائِمَ يُمْكِنُهُ الْفِطْرُ وَلا يَدْرِي بِهِ أَحَدٌ، فَإِذَا أَفْطَرَ سِرًّا فَقَدْ خَانَ أَمَانَتَهُ، وَالْفِطْرُ بِالْجِمَاعِ الْمَسْتُورِ خِيَانَةٌ، كَمَا أَنَّ أَخْذَ الْمَالِ سِرًّا، وَإِخْبَارَ الرَّسُولِ وَالْمَظْلُومِ بِبَرَاءَةِ السَّقِيمِ، وَسَقِمِ الْبَرِيءِ؛ خِيَانَةٌ، فَهَذَا كُلُّهُ خِيَانَةٌ، وَالنَّفْسُ هِيَ الَّتِي خَانَتْ؛ فَإِنَّهَا تُحِبُّ الشَّهْوَةَ وَالْمَالَ وَالرِّئَاسَةَ، وَخَانَ وَاخْتَانَ مِثْلُ كَسَبَ وَاكْتَسَبَ فَجَعَلَ الإِنْسَانَ مُخْتَانًا ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ نَفْسَهُ هِيَ الَّتِي تَخْتَانُ كَمَا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَضُرُّ؛ لأَنَّ مَبْدَأَ ذَلِكَ مِنْ شَهْوَتِهَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا يَأْمُرُ بِهِ الْعَقْلُ وَالرَّأْيُ، وَمَبْدَأُ السَّفَهِ مِنْهَا لِخِفَّتِهَا وَطَيْشِهَا، وَالإِنْسَانُ تَأْمُرُهُ نَفْسُهُ فِي السِّرِّ بِأُمُورِ يَنْهَاهَا عَنْهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ، فَتَكُونُ نَفْسُهُ اخْتَانَتْهُ وَغَلَبَتْهُ، وَهَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي أَمْرِ الْجِمَاعِ وَالْمَالِ؛ وَلِهَذَا لا يُؤْتَمَنُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَيُقْصَدُ بالائتمان مَنْ لا تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إلَى الْخِيَانَةِ فِي ذَلِكَ.

 

قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: "لَوْ ائْتُمِنْتُ عَلَى بَيْتِ مَالٍ لأَدَّيْتُ الأَمَانَةَ، وَلَوْ ائْتُمِنْت عَلَى امْرَأَةٍ سَوْدَاءَ لَخِفْتُ أَنْ لا أُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ فِيهَا".

 

وَكَذَلِكَ الْمَالُ لا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الأَنْفُسِ الْحَرِيصَةِ عَلَى أَخْذِهِ كَيْفَ اتَّفَقَ.

 

وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّفْسَ تَخُونُ أَمَانَتَهَا، وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ ابْتِدَاءً لا يَقْصِدُ الْخِيَانَةَ، فَتَحْمِلُهُ عَلَى الْخِيَانَةِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَتَغْلِبُهُ عَلَى رَأْيِهِ، وَلِهَذَا يَلُومُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَذُمُّهَا، وَيَقُولُ: هَذِهِ النَّفْسُ الْفَاعِلَةُ الصَّانِعَةُ؛ فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي اخْتَانَتْ" [مجموع الفتاوى (14/ 443)].

 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: "إِذَا كَانَتْ فِي الْبَيْتِ خِيَانَةٌ ذَهَبَتْ مِنْهُ الْبَرَكَةُ" [مكارم الأخلاق للخرائطي، ص: 71، رقم 167)].

 

فاللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلوبَنا مِنَ النِّفَاقِ، وَفروجَنا مِنَ الزِّنَا، وَألسِنَتَنا مِنَ الْكَذِبِ، وَأعيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

 

اللَّهُمَّ إِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ.

 

والله -تعالى- أعلم.

 

 

المرفقات

أكثر الخائنين في هذا الزمان!

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات