ولو أن أهل القرآن آمنوا

علي باوزير

2016-08-16 - 1437/11/13
عناصر الخطبة
1/ القرآن دستور المسلمين 2/ حال المسلمين مع القرآن 3/ وقفة مع قوله: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ) 4/ السر في فقر وعوز المسلمين وغنى وثراء الكفار 5/ ضعف الإيمان وبعض مظاهر ذلك 6/ أسباب محق البركة 7/ استدراج الله للكفار بالخيرات والأرزاق

اقتباس

آية عظيمة أنزلها الله في سورة الأعراف؛ لنتأمل في معانيها، ولنتدبر في غاياتها ومراميها. هي خطاب لجميع الأمم والشعوب التي تبحث عن السعادة والراحة التي تتلمس الأمن والاستقرار، وتسعى للخير والرفاهية، هذه الآية خطاب للبشرية كلها وللمؤمنين خصوصا....

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 - 71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد:

 

أيها المسلمون -عباد الله-: أنزل الله -سبحانه وتعالى- على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- أنزل عليه معجزة خالدة، ورسالة عظيمة: قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد، وإلى الحق وإلى طريق مستقيم.

 

أعجز به الفصحاء، وألجم به البلغاء، وحير به العقلاء، وأبهر به العلماء، ضمنه شريعة كاملة، وأحكاما وأنظمة شاملة، تستوعب جميع مناحي الحياة، وتلبي كل ما يحتاج الناس إليه لتحقيق سعادتهم وهنائهم في الدنيا والآخرة.

 

فما أعظمها من نعمة! وما أجلها من منة! أن حبانا الله -سبحانه وتعالى- بهذا القرآن العظيم! ولكن السؤال المهم -أيها الأحباب-: هل انتفعنا بما في هذا القرآن؟ هل عملنا بأحكامه وشرائعه؟ هل استفدنا من عبره وعظاته؟ هل أخذنا بآدابه وأخلاقه؟ هل فهمنا سننه وآياته؟

 

هذا هو المقصود الذي أنزل القرآن لأجله، فهل حققنا هذا المقصود؟ أم أن حالنا مع القرآن كحال الذين قال الله فيهم: (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ...) [البقرة: 101].

 

نفتخر -أيها الأحباب- بأن لدينا أعظم دستور عرفته البشرية، ومنذ عشرات السنين وإلى يومنا هذا لا زالت دساتيرنا تؤخذ من الشرق والغرب، ولا تؤخذ من هذا القرآن العظيم.

 

أمر يثير العجب، وأمر يثير الحيرة والاستغراب، أليس هذا القرآن بين أظهرنا؟ أليس هو بين أيدينا؟ تمر بنا المصائب والأزمات وتحل بنا المحن والنكبات، فهل نعرج على هذا القرآن أو نلتفت إليه؟! أم أن حال الأمة اليوم -أيها الأحباب- هو الإعراض عن هذا القرآن العظيم!

 

في هذه الأيام تعاني الأمة من أزمات كثيرة فأين حلها؟

 

تبحث الأمة عن حلولها في عقولها، بل -وللأسف- تبحث عن حلول مشكلاتها عند أعدائها.

 

ومن يكن الغراب له دليلا *** يمر به على جيف الكلاب

 

فهلا عرجنا -أيها الأحباب- على كتاب الله -سبحانه وتعالى-؟ هل تلمسنا الحل والعلاج فيه وإننا -والله- سنجده فيه؟ هل وقفنا في أزماتنا ومحننا هذه مع كتاب الله نتأمل في آياته ونتدبر في عبره وعظاته؟

 

دعونا -أيها الأحباب- نقف مع آية واحدة من هذا الكتاب العظيم، آية واحدة فكيف بالقرآن كله؟!

 

دعونا نقف مع هذه الآية فحسب وهي آية عظيمة أنزلها الله -تبارك وتعالى- في سورة الأعراف، فلنتأمل في معانيها، ولنتدبر في غاياتها ومراميها، فوالله إننا أحوج ما نكون اليوم إلى التأمل والتدبر في هذه الآية العظيمة.

 

هي خطاب لجميع الأمم والشعوب التي تبحث عن السعادة والراحة التي تتلمس الأمن والاستقرار، وتسعى للخير والرفاهية، هذه الآية خطاب للبشرية كلها وللمؤمنين خصوصا -أيها الأحباب-، يقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96].

 

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى) يعني بأهل القرى أهل المدن والحواضر، ويقصد بذلك الأمم والشعوب جميعا التي تبحث عن الخيرات والبركات، كيف تصل إليها.

 

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ) شرطان أساسيان وركنان رئيسيان لابد من تحققهما: الإيمان والتقوى، الإيمان في صحة الاعتقاد بالله -سبحانه وتعالى-، وتصديق رسله، والإقرار بالوحي الذي جاؤوا به من عند الله -سبحانه وتعالى-، قبول أخبارهم، وتصديق الغيبيات التي حدثونا عنها، الإيمان باليوم الآخر وبالقدر، الإيمان بالرسل، والكتب والملائكة، هذا هو الإيمان الذي لابد من تحققه، الإيمان الذي يتضمن إفراد الله -تبارك وتعالى- وتوحيده في ربوبيته وإلوهيته بأن يعبد وحده لا شريك له، لا يشرك معه أحدا من خلقه.

 

ولا يكفي هذا الإيمان، بل لابد من أن يقترن بالتقوى التي هي العمل الصالح، العمل على وفق الشريعة المنزلة التي أنزلها الله -تبارك وتعالى- بتحليل حلالها، وتحريم حرامها، بالعمل بأوامرها، واجتناب نواهيها، بالأخذ بقواعدها وضوابطها وآدابها، هذه هي التقوى التي لابد أن تقرن بالإيمان، فإذا اجتمع الإيمان والتقوى، وتحقق الشرطان عندها يأتي موعود الله -تبارك وتعالى-: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ).

 

لا يتخلف هذا الموعود، ولا يتأخر أبداً، ولكن إذا تحقق هذان الشرطان، فعند ذلك أكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم؛ كما قال سبحانه وتعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة: 65 - 66].

 

يتحقق لهم ما يريدون من السعادة والراحة والرفاهية والأمن والأمان.

 

قد يقول قائل: أو ليس الواقع يخالف مدلول هذه الآية؟! ألا نرى الكفار يتمتعون بالخيرات والبركات، والمسلمين أهل الإيمان يعيشون في ضنك وشقاء ويتقلبون في المنح والعناء والابتلاء؟ فكيف تكون هذه الآية دالة على أن البركة والخير مقرون بالإيمان، وأهل الإيمان في الحال نراه اليوم؟!

 

فنقول -أيها الأحباب-: الآية مطابقة للواقع تمام المطابقة ليس فيها أي مخالفة للواقع فالواقع اليوم أن المسلمين الذين تسموا بالإسلام، وانتسبوا للإيمان صار عندهم هذا الإيمان مجرد مظاهر لا حقيقة لها، ضيعت حقيقة الإيمان، وضيعت حقيقة التقوى، وصارت في كثير من الأحوال مجرد أسماء وألقاب لا جوهر ولا حقيقة تحتها.

 

أين الإيمان -أيها الأحباب-؟ أين الإيمان ممن يرفض شريعة الله -تبارك وتعالى- ويطلب شريعة الشرق والغرب ويبحث عنها؟

 

أين الإيمان ممن يرفض سلطان الله -تبارك وتعالى- على البشرية ويرضى بسلطان الكفار والملاحدة عليها؟!

 

أين الإيمان ممن يقبل المساومة على دينه ويتنازل عن أصوله وثوابته لا يبالي بأن يسخط ربه -تبارك وتعالى- في مقابل أن يرضي أعداءه؟

 

أين الإيمان ممن يتوكل على الخلق، ويعتمد عليهم، ويعلق قلبه بهم، ولا يتوكل على الله، ولا يعتمد عليه، ولا يعلق قلبه به أبداً؟

 

أين الإيمان ممن يسيء الظن بالله -تبارك وتعالى-، ويحسن الظن بالمخلوقين؟

 

أين الإيمان ممن يطعن في ذات الله -تبارك وتعالى- وينتقصه ويشكك في كماله سبحانه وتعالى؟

 

أين الإيمان ممن يشكك في الغيبيات، ويطعن في النصوص الصريحات الواضحات، ويرد ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟

 

أين الإيمان من هؤلاء؟

 

أين الإيمان ممن لا يلتفت إلى الآخرة، ولا يعمل لها حسابا ولا يستشعر موقفه بين يدي الله -تبارك وتعالى-، قد صارت الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، وكأنها الحياة التي لا حياة بعدها!

 

أهذا هو الإيمان الحقيقي؟ أهذا هو الإيمان الذي يريده الله -تبارك وتعالى-؟ أم أنه إيمان قد فرغ من مضمونه وقد صار اسما لا حقيقة تحته.

 

هذا الذي هو موجود اليوم في الأمة، بل وأكثر من ذلك.

 

ثم أين التقوى -أيها الأحباب-؟ أين التقوى في الأمة ومظاهر الفساد تنخر جسدها وتأكله أكلا بكل صور الفساد وبكل أشكاله وأنواعه؟

 

أين التقوى والأمة اليوم كثير، بل معظم أبنائها يستحلون الحرمات، ويتجرؤون على الحدود والمحرمات؟

 

صار اليوم أبناء الأمة يستحل بعضهم حرمة بعض يستبيحون أموال بعضهم، ويستبحون دماء بعضهم، ويستبيحون أعراض بعضهم، قد صوب أحدهم سلاحه إلى صدور إخوانه، وصار المسلمون يقتل بعضهم بعضا، وعدوهم جالس يشاهد ما يفعلون.

 

كم من المسلمين يقتلون يوميا على يد اليهود؟ كم من المسلمين يقتلون يوميا على يدي النصارى؟ وكم من المسلمين يوميا يقتلون على يدي المسلمين أنفسهم؟! أضعاف مضاعفة ولا مقارنة بين هذا وذاك.

 

فأين التقوى من هذه الحال -أيها الأحباب-؟ وهل يمكن أن توصف أمة هذا حالها بأنها أمة متقية لله -تبارك وتعالى-؟ فهل عرفتم -أيها الأحباب- أن الآية مطابقة للواقع تماما: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ) [الأعراف: 96]، فإن لم يوجد الإيمان ولم توجد التقوى، فلن توجد البركات، ولن تتنزل الخيرات.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفره إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما مزيدا.

 

وبعد:

 

أيها الأحباب الكرام: الذي نعيشه اليوم، بسبب ضعف الإيمان، وبسبب قلة التقوى، فلهذا محقت البركات، وحرم الناس من الخيرات، واسمع -أيها الأخ الحبيب- إلى هذا الحديث الذي رواه الإمام ابن ماجة -رحمه الله- في سننه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركهن" يقول صلى الله عليه وسلم: "لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها -أي حتى يظهروها وتصير واضحة للناس وتصير معروفة في العلن- لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يلعنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأمراض التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا" هذا الأمر الأول.

 

الامر الثاني: يقول: "ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين -أي بالقحط والجفاف وقلة الخيرات إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة- قلة الطعام وصعوبة الوصول إليه- وجور السلطان" هذا إذا أنقصوا المكيال والميزان فكيف إذا ضيع المكيال والميزان؟

 

والأمر الثالث: "ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء -أي المطر- ولولا البهائم لم يمطروا" سبحان الله! حين يصل الناس إلى هذا المستوى تصير البهائم أعز إلى الله منهم، حين يصلون إلى تضييع حرمات الله تصير البهائم أعز على الله منهم، فيمطرون بفضل البهائم، ويرزقهم الله -سبحانه وتعالى- رفقا بالبهائم، وأما هم فإنهم قد ضاعت مكانتهم عند الله -سبحانه-.

 

الأمر الرابع: "ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدو من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم" ينقضوا عهد الله الميثاق الذي بينهم وبين الله بالعبودية والتسليم والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله بالانقياد والاتباع والطاعة، إذا نقضوا هذا العهد بينهم وبين الله سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فيأخذ بعد ما في أيديهم.

 

"وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما فيه إلا جعل الله بأسهم بينهم".

 

يتساءل المسلمون اليوم: لماذا يقتتلون فيما بينهم البين؟ لماذا يتصارعون ويتحاربون؟

 

لأن كتاب الله قد ضيع ولم يحكم به فيما بينهم: "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما فيه إلا جعل الله بأسهم بينهم".

 

حديث عظيم يصف ويلخص لنا الحال الذي نعيشه اليوم، استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- للمهاجرين أن يدركوا هذا الحال، فأدركناه نحن وعشناه ورأيناه عيانا، فهل سيقتنع المسلمون -أيها الأحباب- هل سيقتنعون أن الحل في العودة إلى الله -تبارك وتعالى-، وأن أصل البلاء هو بسبب البعد عن الله -عز وجل-؟

 

سيظل المسلمون حائرين يتخبطون، تائهين يبحثون عن المخرج ويبحثون عن السبيل، فتارة يتبعون أعداءهم، وتارة يجتهدون بمحض عقولهم، وتارة يأخذون بآراء سفهائهم، وهكذا سيظلون في هذا الحال حتى يعودوا إلى هذا الوحي العظيم، يعودوا إلى النور والهداية حتى يعودوا إلى منبع الخير الذي أنزله الله -تبارك وتعالى-.

 

يريد الخيرات، يريد البركات، يريد الدولة الحديثة، يريد التقدم، يريد الرقي، يريد المكانة، أو ليست هذه الآية واضحة صريحة؟! أو ليس النص ظاهرا لا خفاء فيه؟! (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ) [الأعراف: 96].

 

أعداؤنا يعدون، ويريدون أن يجعلونا نعيش في الأحلام والأوهام، وأنه سيكون المستقبل كذا وكذا، وما أمانيهم إلا الغرور: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا) [النساء: 120].

 

وللأسف أن الأمة تنقاد ورائهم كالعميان، وتنفذ ما يطلبون وما يريدون، بينا ربنا -جل وعلا- وعدنا وعدا صادقا، وقال لنا قولا حقا لا يتخلف أبدا، وعدنا بالخير والبركات، واشترط علينا شرطا يسيرا سهلا، أسهل مما يشترط علينا الأعداء، وأيسر مما يطلبوه منا، ومع ذلك إعراض عجيب، وصدود غريب عن الاستجابة لهذا الوعد الرباني، وبُعد عن المعاهدة والمواثقة مع الله -تبارك وتعالى-، فلم يصلح حال الأمة، ولن يستقيم حالها، ولن يتبدل هذا الحال إلا إذا كانت هناك قناعة تامة، وكانت هناك عودة ورجعة صادقة إلى الله -تبارك وتعالى-، فعند ذلك سيتغير هذا الحال.

 

وأما الكفار فما عندهم من الخيرات والأرزاق إنما هو استدراج من الله -تبارك وتعالى- ليس إكراما لهم، ولا إنعاما عليهم، وإنما هو زيادة في عذابهم وإثمهم، يقول الله -تبارك وتعالى-: (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران: 178].

 

ويقول الله -سبحانه وتعالى-: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام: 44].

 

فليست هذه بركات وإنما هو استدراج من الله -تبارك وتعالى-.

 

ولاحظوا -أيها الأحباب- الله -تبارك وتعالى- في هذه الآية قال: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ) ولم يقل: لفتحنا عليهم أموالا، أو فتحنا عليهم أرزاقا؛ لأن المال والرزق قد يكون فتنة للعبد، وقد يكون استدراج من الله ليوقعه في شر أعماله، ولكن البركة لا شر فيها أبداً، وليست باستدراج، وليس فيها ضرر على العبد، بل هي خير خالص، فأهل الإيمان والتقوى موعودون بهذه البركات، والكفار في يوم من الأيام كانوا محرومين من هذه الخيرات، كانت هذه الخيرات عند المسلمين لما عملوا بأسبابها، فلما ضيعوا أسبابها انتقلت إلى غيرهم، فإذا عملوا بأسبابها مرة أخرى عادات إليهم، وأعظم أسبابها: الإيمان والتقوى.

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرزقنا إيمانا صادقا...

 

 

 

المرفقات

أن أهل القرآن آمنوا

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات
عضو نشط
hicham
03-01-2018

السلام عليكم وجزاكم الله على عملكم

عضو نشط
زائر
01-01-2021

يعطيكم العافية... خطبة رائعة جدا 

جزاكم الله خيرا على هذا الموضوع 

عضو نشط
زائر
31-01-2021

جزاكم الله خيرا , خطبة جميلة شاملة ماتعة , بارك الله فيمن قام بتحضيرها وخطبتها 

عضو نشط
زائر
31-01-2021

جزاكم الله خيرا , خطبة جميلة شاملة ماتعة , بارك الله فيمن قام بتحضيرها وخطبتها 

عضو نشط
زائر
23-02-2021

والله ماقلته هو غيض من فيض وهو عين الحقيقة   بارك الله فيك وجزاك خير الجزاء في الدنيا والآخرة