ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين

خالد القرعاوي

2017-01-01 - 1438/04/03
عناصر الخطبة
1/ حكم الاحتفال برأس السنة الميلادية 2/ تفرد المسلمين بأعيادهم 3/ تحريم مشاركة غير المسلمين في أعيادهم الباطلة 4/ حكم تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.

اقتباس

كَتَبَ أحدُ الدُّعاةِ من بلدٍ عربيٍّ مُسلِمٍ مُجَاورٍ واصفاً حالَ كثيرٍ من النَّاسِ عندهم ليلةَ رأسِ السَّنةِ قائلاً: "فما نراه من مظاهرِ الفرح والابتهاج، من تَأَهُّبٍ واستعدادٍ، لَيُؤذِنُ بالخطرِ! فواجهاتُ الْمَتَاجِرِ والفنادقِ مُزَيَّنةٌ بالرُّسُومِ والصُّورِ لِحُلُـولِ السَّنةِ الجديدةِ، وإحياءُ الحفلاتِ الصَّاخبةِ التي تقامُ في بمناسبة ليلةِ رأسِ العامِ الجديدِ، والإقبالُ على الخمـور يكتسحُ الْمَتَاجِر! لَيُؤذِنُ بالخطرِ! حتى إذا جاءتِ الليلةُ الموعودةُ سَهِروا على فِسقٍ وزنىً وخمور، وما تستحيي الشياطينُ من ذِكْرِهِ! وكأنَّنَا في عاصمةٍ غربيةٍ نصرانيِّةٍ" !!

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله الذي هدانا للإسلام، وأنعمَ علينا بالإيمانِ، وكرَّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، نشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له المَلِكُ الدَّيَّانُ، وَنشهدُ أنَّ نَبيَّنا وقائِدَنَا محمداً عبدُ الله ورسولُه دَعَانَا لِلصِّدْقِ وَالتَّوحيدِ، وإفرَادِ اللهِ بِالمَحَبَّةِ وَالتَّمجِيدِ، صلَّى اللهُ وسلمَ وباركَ عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يوم الدِّينِ.

 

أمَّا بعد: فاتقوا الله عبادَ اللهِ: حقَّ التَّقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعروةِ الوثقى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف: 35].  

 

 أيُّها المؤمنون: مِمَّا كَتَبَهُ اللهُ تَعَالى عَلى أُمَّةِ الإسلامِ أنَّها إنْ تَخَلَّت عن خَصَائِصِها وَمَبادِئِها أنَّها في انحِطَاطٍ وَهَوانٍ، فِي عَقِيدَتِها وَقُوَّتِها وَأَخْلاقِهَا! لِذا خَافَ المُصطَفَى -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- على أُمَّتِهِ مِنْ التَّبَعِيِّةِ لأعداءِ الإسلامِ! فَعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدريِّ رضي الله عنه عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- أنَّهُ قَالَ: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبلَكُم شِبْراً شبراً وذِرَاعَاً ذراعاً حتى لو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُم". قالوا: يا رسولَ اللهِ اليهودُ والنَّصَارَى؟ قَالَ: "فمن؟!".

 

أيُّها الكرام: لم يَعُدْ خَافيًا اغترارُ كثيرٍ من إخْوَانٍ لنا بأعيادِ النَّصارى والتعلقُ والافتتانُ بِها! ولم يَعُدْ خَافيًا ما تَبُثُّهُ القَنَوَاتُ مِن استِعْدَادَاتٍ وَتَجهِيزَاتٍ ليس في الدُّول الكافرةِ إنَّما في دولٍ عربيِّةٍ وإسلاميِّةٍ وَخَلِيجِيَّةٍ! حَتَّى اتُّخِذَ عِندَهُم ذالِكَ اليومَ عُطْلَةً وعيدًا؛ كلُّ ذَلِكَ بِسبَبِ غَيابِ الحُكمْ الشْرعِي! وبالْجَهْلِ بخطورةِ ذلكَ على الدِّينِ والأخلاق والْمجتمعِ!

 

كَتَبَ أحدُ الدُّعاةِ من بلدٍ عربيٍّ مُسلِمٍ مُجَاورٍ واصفاً حالَ كثيرٍ من النَّاسِ عندهم ليلةَ رأسِ السَّنةِ قائلاً: "فما نراه من مظاهرِ الفرح والابتهاج، من تَأَهُّبٍ واستعدادٍ، لَيُؤذِنُ بالخطرِ! فواجهاتُ الْمَتَاجِرِ والفنادقِ مُزَيَّنةٌ بالرُّسُومِ والصُّورِ لِحُلُـولِ السَّنةِ الجديدةِ، وإحياءُ الحفلاتِ الصَّاخبةِ التي تقامُ في بمناسبة ليلةِ رأسِ العامِ الجديدِ، والإقبالُ على الخمـور يكتسحُ الْمَتَاجِر! لَيُؤذِنُ بالخطرِ! حتى إذا جاءتِ الليلةُ الموعودةُ سَهِروا على فِسقٍ وزنىً وخمور، وما تستحيي الشياطينُ من ذِكْرِهِ! وكأنَّنَا في عاصمةٍ غربيةٍ نصرانيِّةٍ" !!

 

أسمعتم يا مؤمنونَ: هذا ما كانَ يخشاهُ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- على أمَّته وهذا ما يخشاه أهلُ الدِّين والتُّقَى والغَيرَةِ على أمَّتِنا ومُجتَمَعِنا؛ فلا تظنُّوا يا كرامُ: أنَّ مُشَارَكَةَ النَّصارى فِي أَعْيَادِهم مَسْأَلَةَ إثمٍ ومعصيةٍ فحسبُ، أو مجردَ زلَّةٍ وخطأٍ فقط، كلاَّ وربِّي ولكنَّها مَسْأَلَةُ عَقِيدَةٍ وَدِينٍ! بل قَد تَكُونُ مَسأَلَةَ إِيمَانٍ وَكُفْرٍ؛ لأنَّ المشاركةَ نوعٌ من التَّشَبُّهِ، ونبيُّنَا -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- قد قَال: "من تَشَبَّهَ بِقَومٍ فَهُوَ منهم". قال ابنُ تيميةَ -رحمهُ الله-: "وهذا الحديث أقلُّ أحوالِه تَحريمُ التَّشبُّهِ بِهم، وإنْ كانَ ظَاهِرُهُ يَقتَضِي كُفرَ الْمُتَشَبِّهِ بِهم" انتهى.

 

عِبادَ اللهِ: كُلُّ أُمَّةٍ لَهَا أَعْيَادُهَا الزَّمَانِيَّةُ وَالمَكَانِيَّةُ، وَلَهَا فِي أَعْيَادِهَا شَعَائِرُهَا وَأَعْمَالُهَا، تَحْتَفِلُ بِهَا بِحَسَبِ دِينِهَا أَوْ عَادَاتِهَا. وَالتَّعْظِيمُ فِي الْإِسْلَامِ حَقٌّ لِلَّـهِ تَعَالَى، وَتَخْصِيصُ أَزْمِنَةٍ أَوْ أَمْكِنَةٍ بِأَعْمَالٍ تَعَبُّدِيَّةٍ لَيْسَ إِلَّا لِلَّـهِ؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الْأَعْيَادُ عَلَى الْوَقْفِ، فَالْأَصْلَ فِيهَا المَنْعُ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِلَا دَلِيلٍ فَقَدْ أَحْدَثَ فِي دِينِ اللَّـهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.

 

وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ جَاءَ بِاخْتِصَاصِ كُلِّ أُمَّةٍ بِأَعْيَادِهَا؛  تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَعْيَادِهِمْ، وَلَا يُشَارِكُوا غَيْرَهُمْ فِي أَعْيَادِهِمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) [الحج: 67]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّهُ الْعِيدُ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ عِيدٌ يَحْتَفِلُونَ بِهِ. (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48].

 

وَالْأَعْيَادُ جُزْءٌ مِنَ الشِّرْعَةِ وَالمِنْهَاجِ، فَإِذَا كَانَتْ أُمَّةُ الْإِسْلَامِ كَذَلِكَ فَلَا تَأْخُذُ مِنْ غَيْرِهَا شِرْعَةً وَلَا مِنْهَاجًا، وَلَا تُشَارِكُ ْأُمَمٌ أُخْرَى فِي أَعْيَادِهَا.

 

عِبادَ اللهِ: لَقَد كانَ نَبِيُّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ عَلَى تَمَيُّزِ أُمَّتِهِ عَنِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى فِي شَرَائِعِهَا وَشَعَائِرِهَا، وَعِبَادَاتِهَا وَمَنَاسِكِهَا، وَيَمْنَعُ تَسَرُّبُ شَيْءٍ مِنْ عَادَاتِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ إِلَى المُسْلِمِينَ، وَيَحْرِصُ عَلَى مُخَالَفَةِ المُشْرِكِينَ، وَفِي آخِرِ حَيَاتِهِ حَرِصَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَكَثُرَتْ خِطَابَاتُهُ فِي هَذَا الشَّأْنِ، حَتَّى لَاحَظَ الْيَهُودُ ذَلِكَ فَقَالُوا: «مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

 وَسَبَبُ هَذَا الْحِرْص النَّبَوِيِّ الكَرِيمِ عَلَى حِيَاطَةِ دِينِ المُسْلِمِينَ بِسِيَاجٍ مَتِينٍ هُوَ لِأَجْلِ بَقَائِهِ كَمَا هُوَ نَقِيًّا لَمْ يَتَلَوَّثْ بِأَوْضَارِ التَبَعِيَّةِ للآخَرِينَ.

 

يا مُؤمِنُونَ: لَقَدْ تواترتِ النُّصُوصُ على حَصْرِ أعْيَادِ الإسلام بِعِيدَيْ الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَمَا سِوَاهَا مُحدَثٌ بَاطِلٌ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ، سَوَاءٌ كَان أُسْبُوعِيَّاً أَمْ سَنَوِيِّاً أَمْ قَرْنِيَّاً. قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المَدِينَةَ فَوَجَدَ أَهْلَهَا لَهُم يَومَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِما قَالَ: "مَا هَذَانِ اليَومَانِ"؟، قَالُوا: كنَّا نَلْعبُ فِيهِمَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: "إنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُم بِهِمَا خَيرَاً مِنْهُمَا يُومُ الأَضْحَى وَيَومُ الفِطِرِ".

 

وَهَذا الفَارُوقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يُحَذِّرُ الأُمَّةَ مِن خُطُورَةِ التَّبَعِيَّةِ فَيَقُولُ: لا تَعَلَّموا رَطَانةَ الأَعَاجِمِ، وَلا تَدْخُلُوا عَلى المُشرِكِينَ فِي كَنَائِسِهِم يَومَ عِيدِهِمِ؛ فَإنَّ السَّخْطَةَ تَنْزِلُ عَلَيهِم"، وَقَالَ: "اجْتَنِبُوا أَعْدَاءَ اللهِ فِي أَعْيَادِهِمِ".

 

إخْوانِي: إنَّهُ كُلَّمَا كَانَ التَّشَبُّهُ أَظْهَرَ كَانَ عَلَى الدِّينِ أَخْطَرَ، وَمُشَارَكَةُ الْكُفَّارِ فِي أَعْيَادِهِمْ هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّشَبُّهِ، وَآخِرُ مَرَاحِلِ المُجَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَادَ هِيَ أَظْهَرُ الشَّعَائِرِ عِنْدَ الْأُمَمِ. وَالمُلَاحِظُ فِي خِطَابَاتِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَنِ الْأَعْيَادِ يَجِدُ أَنَّهُ يُرَكِّزُ عَلَى مَسْأَلَةِ اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَعْيَادِهَا، وَاخْتِصَاصِ الْأُمَمِ الْأُخْرَى بِأَعْيَادِهَا، كَقَوْلُهُ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ-: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا». (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

فالمُسْلِمِونَ يَخْتَصُّونَ بِأَعْيَادِهِمْ، وَلَا يُشَارِكُونَ غَيْرَهُمْ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَإِلَّا لمَا كَانَ لِذِكْرِ هَذَا الِاخْتِصَاصِ فَائِدَةٌ. وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مَا كَانُوا يُشَارِكُونَ الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى وَلَا المَجُوسَ فِي أَعْيَادِهِمْ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ الَّتِي فَتَحُوهَا، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعِيشُونَ بَيْنَهُمْ وَيُخَالِطُونَهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَيَسْتَعْمِلُونَهُمْ فِي حَاجَاتِهِمْ، وَيُحْسِنُ الْجَارُ مِنْهُمْ إِلَى جَارِهِ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيُعِينُهُ إِذَا احْتَاجَ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِ كَمَا أَمَرَ اللهُ، وَلَمْ يُشَارِكُوهُمْ!

 

فَالَّلهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقَّاً وَارْزُقْنَا إتِّبَاعَهُ وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.

أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.   

 

 

الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الحَمدُ لِلهِ الْمُتَفَرِّدِ بالعَظَمةِ والْجَلالِ، الْمَوصُوفِ بِكُلِّ كَمَالٍ وَجَمالٍ، نَشْهَدُ أَلَّا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الكَبِيرُ المُتَعَالِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِمَامُ الْمُوَحِّدِينَ، وَقُدْوَةُ الْمُتَّقِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ، وَمَنْ سَارَ عَلى نَهجِهِمْ بِإحْسَانٍ وَإيمَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَاستَمْسِكُوا بِهَذَا الدِّينِ، فَهُوَ خَيرُ دِينٍ وَأَزْكَى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85].

 

أيُّها المُسلِمُونَ: وَلِسَائِلٍ أَنْ يَقَولَ: مَا المْحَاذِيرُ التَي تَجْعَلُكُمْ تُحَذِّرُونَ وَتُشَدِّونَ مِنْ مُشَارَكَةِ النَّصَارَى فِي أَعْيَادِهِمِ؟ أَلا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُشَارَكَتَنَا لَهُمْ سَبَبَاً فِي تَأَلُّفِهِمْ وَكَسْبِ وُدِّهِمْ وَتحْبِيبِهِم بِالإسْلامِ ؟!

 

فَيا أخي المُسْلِمَ: اسْتَمِعِ الجَوَابَ مِنْ عَلاَّمِ الغُيُوبِ القَائِلِ: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: 120]، فَمَهْمَا فَعَلْتَ فَلَنْ تَنَالَ رِضَاهُمْ إلاَّ باتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ أعاذَاكَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ.

 

ثُمَّ إنَّ مُشَارَكَةَ النَّصَارَى فَي أَعْيَادِهِمْ تُورِثُ نَوعَ مَحَبَّةٍ وَمُوَالاةٍ، وَهَذِهِ تُنَافِي الإيْمَانَ! ثُمَّ إنَّ مُشَارَكَتَهُمْ فِي أَعْيَادِهِمْ يُوجِبُ سُرُورَ قُلُوبِهِم بِمَا هُمْ عَلَيهِ مِنَ البَاطِلِ، وَمُعَاوَنَةٌ لَهُمْ على الإثْمِ والعُدْوَانِ! أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [المائدة: 51]. فَمنْ مِنَّا يَرْضَى بِأَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ يَهوديٌّ أو نَصْرَانِيٌّ؟

 

قَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: "وَأَمَّا تَهنِئَتُهُم بِشَعَائِرِ الكُفْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِهم فَحَرَامٌ بِالاتِّفَاقِ، فَهَذَا إنْ سَلِمَ قَائِلُهُ مِن الكُفْرِ فَهُوَ مِن الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُوَ بِمنْزِلَةِ أَنْ يُهَنِّئَهُ بِسُجُودهِ لِلصَّلِيبِ، بَلْ ذَلِكَ أَعْظَمُ إِثْمَاً عندَ اللهِ وأَشَدُّ مَقْتًا من التَّهنِئَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وقَتلِ النَّفسِ، وَارْتِكَابِ الفَرْجِ الحَرَامِ، وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لا قَدْرَ لِلدِّينِ عِندَهُ يَقَعُ فِي ذَلِكَ وَلا يَدْرِي قُبْحَ مَا فَعَلَ، فَمَنْ هَنَّأَ عَبْدًا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ كُفْرٍ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَقْتِ اللهِ وَسَخَطِهِ".

 

أيُّها الكِرَامُ: يُحْرَجُ بَعْضُ إخْوانِنَا مِمَّنْ يَعْمَلُونَ في المُسْتَشْفَيَاتِ أو الشَّرِكَاتِ وَيَقُولُونَ: مَاذا نَفْعَلُ إذَا هُمْ هَنَّئَونَا بِأَعْيَادِهِمْ؟ أو قَدَّمُوا لَنا الهَدَايَا أو الحَلْوى؟

 

أجَابَ الشَّيخُ ابنُ العُثَيمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ- فَقَالَ: "إذَا هَنَّئُونَا بِأَعْيَادِهِم فَإِنَّنَا لا نُجِيبُهُم عَلى ذَلِكَ، لأنَّهَا لَيْسَتْ بِأَعْيَادٍ لَنَا، وَلِأَنَّهَا أَعْيَادٌ لا يَرْضَاهَا اللهُ تَعَالَى. وَمَنْ فَعَلَ شَيْئَاً مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ سَوَاءٌ فَعَلَهُ مُجَامَلَةً أَوْ تَوَدُّدَاً أَوْ حَيَاءً؛ لِأَنَّهُ مِنْ المُدَاهَنَةِ فِي دِينِ اللهِ، وَمِنْ أَسْبَابِ تَقْوِيَةِ نُفُوسِ الكُفَّارِ وَفَخْرِهِمْ بِدِينِهِمْ. وَاللهَ المَسؤُولَ أَنْ يُعزَّ المُسلِمِينَ بِدِينِهِم، وَيَرْزُقَهُمُ الثَّبَاتَ عليهِ، وَيَنْصُرَهُم عَلى أَعْدَائِهِم، إنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيز". انتهى كلامُهُ رَحِمَهُ اللهُ.

 

إخْوَانِي: ولا يَلزَمُ مِنْ ذلِكَ مُقَابَلَتُهُمْ بالإسَاءةِ أو الغِلْظَةِ عليهمْ إنَّمَا يُرَدَّونَ رَدَّاً كَرِيمَاً مَعَ بَيانِ السَّبَبِ إنْ أمْكَنَ.

 

أيُّها المُسْتسلِمُونَ لِلهِ تَعَالى: مُشَارَكَةُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي أَعْيَادِهِم لا تَقْتَصِرُ عَلى الحُضُورِ فَقَطْ، بَل حتَّى التَّهنِئَةِ بِالقَوْلِ أو الرَّسَائِلِ، أوْ إهْدَاءِ الشُّمُوعِ وَالوُرُودِ وَالْحَلَوياتِ، أو تَأْجِيرِ الفَنَادِقِ وَالمَسَارِحِ لِيقِيمُوا فِيهَا حَفَلاتِهم وَأَعْيَادِهُم، فَإنَّهُ تَعَاوُنٌ عَلى الإثْمِ وَالعُدْوَانِ، قَالَ الإمِامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيعَ لِلنَّصارَى شَيئَاً مِنْ مَصْلَحَةِ عِيدِهمْ لا لَحْماً ولا ثَوْباً وَلا يُعَانُونَ عَلى شَيءٍ مِنْ دِينِهِم لأنَّ ذِلِكَ مِنْ التَّعظِيمِ لِشْرِكِهِم وَعَونِهِم على كُفْرِهِمْ". 

 

إِخْوةَ الإيمَانِ: مُشَارَكَةُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي أَعْيَادِهِم خَطرٌ وَخَلَلٌ فِي العَقِيدَةِ! فَكيفَ يَرْضَى مُسْلِمٌ يَقْرَأُ قَولَ اللهِ تَعَالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)[البقرة: 105]. وَقَالَ تَعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة: 109].

 

فَاتَّقُوا اللهَ فِي دِينِكُمْ وَعَقِيدَتِكُم وَثَوَابِتِكُمْ، وَاشْكُرُوهُ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإسْلامِ، وَخَصَّكُم بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالسَّلامِ، وَاعْتَزُّوا بِدِينِكُم، فَهُوَ عَقِيدةٌ صَحِيحَةٌ، وَشَرِيعَةٌ عَادِلَةٌ، وَأَخْلاقٌ فَاضِلَةٌ. وَلا تَغتَّرُوا بِمَا يَفْعَلُهُ الْمُترَفُونَ! وَخُذُوا عَلى أَيْدِي السُّفهاءِ الذينَ لا يَعْقِلُونَ! وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا على سَيِّدِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، مُحَمَّدٍ الأَمِينِ، القائِلِ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا".

 

فَالَّلهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلى مُحَمَّدِ وَعَلى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَن الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهم بِإحسَـانٍ وإيمانِ إلى يَومِ الدِّينِ وَعَنَّا مَعَهُمْ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.                 

 

اللهم أَرِنَا الْحَقَّ حَقَّا وارزقنا إتباعَه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، اللهم أَحْيِنا مُسلمين وتوفَّنا مسلمينَ غير مُبدِّلينَ ولا مُغيريِّنَ. اللهم يا مُقلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قُلُوبَنَا على دِينِكَ. ربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنِّك أنت الوهاب. اللهم أصلح شَأْنَنَا كُلَّه ووفِّق ولاتَنا وعلماءَنا إلى ما تُحبُ وترضى وخذ بنواصينا للبر والتقوى، اللهم انصر دينكَ وكتابك وسنةَ نَبِيِّكَ وعبادَك الصالحين.

 

اللهم انصر جُنُودَنا واحفظ حُدُودَنا، سدِّدْ رَمْيَهُم وثبت أقدامهم، وانصُرْهُم على مَنْ بغى عليهم، اللهم وَفِّق ولاةَ أُمورنا لِما تُحبُّ وترضى، وأعنهُم على البرِّ والتقوى. ربَّنا اغفر لنا ولإخوانِنِا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعلْ في قُلُوبِنا غِلاًّ للذين آمنوا ربَّنا إنِّكَ رءوفٌ رحيمٌ. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].

 

 

 

المرفقات

العزة ولرسوله وللمؤمنين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات