ولكنكم تستعجلون

أحمد بن عبد العزيز الشاوي

2012-03-12 - 1433/04/19
عناصر الخطبة
1/ مساوئ العجلة وقبائحها 2/ هل للعجلة فوائد؟ 3/ متى تكون العجلة حسنة؟ 4/ إنما النصر مع الصبر 5/ خطورة العجلة في الدعوة 6/ الثقة واليقين بنصر الله للمستضعفين

اقتباس

على أرباب الاستعجال أن يعلموا أن لله في خلقه سننًا لا تتبدل، وأن لكل شيء أجلاً مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة أحد من الناس، وأن لكل ثمرة أوانًا تنضج فيه، فيحسن عندئذ قطافها، والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها، فهو لا يملك ذلك وهي لا تملكه ولا الشجرة التي تحملها، إنها خاضعة للسنن الكونية التي تحكمها وتجري عليها بحساب ومقدار.. إن العجلة في غير موضعها تدل على خطل العقل وقلة رزانته وغلبة الشهوة عليه ..

 

 

 

 

الحمد لله الحكيم العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إنه هو البر الرحيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى الكريم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وكل من دعا إلى صراطه المستقيم ومن اهتدى بهديه وصار على دربه إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.

أما بعد: فأوصيكم -أيها المسلمون- ونفسي بتقوى الله، فمن اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه.

صفة جبل الإنسان عليها، وحذر منها، صفة دافعها نفسي أو حماس وانفعال، أو يدفع إليها واقع الأعداء والجهل بأساليبهم وربما دفع إليها شيوع المنكرات مع الجهل بأسلوب تغييرها وصحبة أربابها دافع إليها.

صفة مذمومة في أصلها، الطلاق من ثمارها، وقتل الأبرياء من آثارها، واليأس من أضرارها، وترك الدعاء من مظاهرها، والتعالم من نتائجها.

إنها العجلة والتي تعني إرادة تغيير الواقع في لمحة أو في أقل من طرفة عين، دون نظر في العواقب، ودون فهم للظروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع ودون إعداد جيد للمقدمات والأساليب.

إنها العجلة، جُبل الإنسان عليها (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) [الأنبياء: 37] فالعجلة في طبعه وتكوينه، فهو يمد ببصره دائمًا على ما وراء اللحظة الحاضرة ليتناوله بيده، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله، ويريد أن يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه.. ذلك إلا أن يتصل بالله فيثبت ويطمئن ويكل الأمر لله فلا يتعجل قضاءه، والإيمان ثقة وصبر واطمئنان..

الإنسان مطبوع على العجلة، ومن عجلته أن يسأل الشر كما يسأل الخير، ولو استجاب له ربه لهلك بدعائه (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) [يونس: 11].

العجلة صفة تؤدي دائمًا في ذاتها وآثارها إلى قلق الإنسان وانزعاجه وتورث الأسى والأسف في مشاعره وأحاسيسه والندامة من أعراضها، وقد قال أبو حاتم: "العجل يقول قبل أن يعلم، ويجب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم"..

والعَجِل تصحبه الندامة وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكني العجلة: أم الندامات، وإن الزلل مع العجل والإقدام على العمل بعد التأني فيه أحزم من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه ولا يكون العجول محمودًا أبدًا.

العجلة تورث أمراضًا وآثارًا نفسية منها القلق الذي ينتاب الإنسان في عجلته وسرعته، والارتباك والنسيان، والخوف من المجهول المترتب بسبب عدم وضوح الرؤية.

إن المتطبع بالعجلة والسرعة في سلوكه الاجتماعي يكون حادًّا متعصبًا متكلفًا للأمور، بخلاف الحليم المتأني فإنه يكون ساكنًا متئدًا وسهلاً لينًا يضع الأمور في مواضعها ويتلمس من الطرق أيسرها.

العجلة من الحدة، وصاحب العجلة إن أصاب فرصة لم يكن محمودًا وإن أخطأها كان مذمومًا، والعجل لا يسير إلا مناكبًا للقصد منحرفًا عن الجادة يتلمس ما هو أنكد وأوعر وأخطر مسارًا.

العجلة طريق للفوضوية؛ لأن النتائج لم تقم على تأصيل أصيل ولا على دراسة متأنية، ومن ارتجى رفع الفوضوية عن نفسه فإنه مطالب أولاً بالتأني والنظر والتفكر في عواقب الخطوات القادمة قبل أن يخطوها.

والتأني يعني عدم ارتجال القرارات والتصرفات، ويعني التريث لإمعان النظر في الآثار والعواقب الناجمة عن فعل الفعل أو قول القول أو تركهما، ويعني وضع الشيء في موضعه الصحيح.

إن على أرباب الاستعجال أن يعلموا أن لله في خلقه سننًا لا تتبدل، وأن لكل شيء أجلاً مسمى، وأن الله لا يعجل بعجلة أحد من الناس، وأن لكل ثمرة أوانًا تنضج فيه، فيحسن عندئذ قطافها، والاستعجال لا ينضجها قبل وقتها، فهو لا يملك ذلك وهي لا تملكه ولا الشجرة التي تحملها، إنها خاضعة للسنن الكونية التي تحكمها وتجري عليها بحساب ومقدار.

العجلة في غير موضعها تدل على خطل العقل وقلة رزانته وغلبة الشهوة عليه، ولهذا قال ابن القيم: "لا حكمة لجاهل، ولا طائش ولا عجول" وجاء في الحديث: «التأني من الله والعجلة من الشيطان».

وإذا كانت العجلة في أصلها مذمة ومنقصة فنقيضها وهو التواني والكسل والتردد والتخاذل كلها رذائل لا تليق بحكيم والإسلام يدعو إلى المبادرة والمسابقة والمسارعة في أعمال الآخرة (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) [الحديد: 21] ، (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) [آل عمران: 133].

وفي الحديث: «بادروا بالأعمال سبعًا »، وفي الحديث الآخر: « التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخر»، ومن قبل قال موسى: (قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه: 84].

أما العجلة المذمومة قصورها شتى: فمنها: العجلة في تصديق الأخبار قبل التثبت من صحتها.

والعجلة في اتخاذ القرارات الأسرية من طلاق وهجر وفراق وعقاب، والتي نهايتها الهم والعناء وتشتت الأبناء..

والعجلة في إصدار الأحكام مدحًا أو ذمًا دون دراية وتريث وتبين..

والعجلة في الإفتاء أو رد الفتوى قبل معرفة الدليل..

والعجلة في الوصول إلى الثمرة وإدراك الغاية، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه..

والعجلة في إصلاح الناس وتغيير واقعهم..

والعجلة في الدخول في مجابهات قبل أوانها.

روى البخاري وغيره عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرود له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه؛ ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».

إن من واجب الدعاة أن يمضوا ولا يتطلعوا إلى شيء إلا رضا الله وحمته، هذا هو الهدف الحقيقي وهذه هي الغاية وأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم إنما هي دعوة الله التي يحملونها.

إن كثيرًا من الشباب المتحمس يبدأ مجال الدعوة باندفاع ويسرّ لما يحققه من نجاح نسبي في أول مشواره مع قلة ما يواجه المبتدئ غالبًا من عقبات، فيترسخ في ذهنه أن هذه الطريقة كلها بهذه السهولة قريبة النتائج، فإذا ما توغل وحصل له أي نوع من أنواع الابتلاء من عدم استجابة الناس على عجل أو عدم استجابتهم إليه، أو عدم ثباتهم على الاستقامة أو عدم زوال المنكرات، فإذا ما رأى ذلك بدأ يتململ ويتذمر، وينفد صبره ويتوقف عن مواصلة الطريق.

بل يعتقد أن هذه هي النتيجة الأخيرة، وأنه والدعاة معه قد خسروا فيتصرف تصرفات رعناء متسرعة من واقع الضغط النفسي الذي يضايقه، ظانًا أنه بذلك يحقق نصرًا للدعوة لم يستطع تحقيقه بأسلوب الرفق والتودد.

إن الداعي ليس مطالبًا بتحقيق نصر الإسلام فهذا أمره لله، متى شاء أن يحدث حدث، لكنه مطالب أن يبذل الجهد في هذا السبيل فحسب (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ) [الشورى: 48].

الاستعجال مذموم عند الدعاء ففي الحديث: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي».

فكن على حذر أن تقول: دعونا ودعونا ولم يستجب لنا، فتمل الدعاء وتركن إلى اليأس والقنوط، واعلم أن كل داعي يُستجاب له ما دام طيب المطعم والملبس، وليعلم العبد أن في تدبير الله له كل صلاح، وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وما ثقل الدعاء على قوم، إلا حينما استبطئوا الإجابة وغفلوا عن الحكمة الربانية والإرادة الإلهية.

وإنك لتعجب لأئمة ملوا الدعاء لإخوانهم المستضعفين المظلومين في أرض الشام واستبطئوا الإجابة وهم أولوا الناس بإدراك أن الملل من موانع إجابة الدعاء..

والاستعجال مذموم في طلب العلم، حينما ترى طلاب العلم قد أصيبوا بداء العجلة وسقوط الهمم ونفاذ الصبر، فأصبحت صدروهم ضيقة وهممهم ساقطة وهزيلة، لم يعد هناك صبر ومصابرة ولا جلد على طلب العلم والجلوس عند ركب العلماء وملازمتهم لأخذ العلم والعمل عنهم..

أصبح طلاب العلم اليوم لا يقدون على إكمال متن في أي علم من العلوم.

الناس جميعًا في عجلة من أمرهم، ولذلك لجئوا إلى الاختصار، اختصار كل شيء، العلم اليوم مختصر، والدين مختصر، والعلماء مختصرون، وما لا يمكن اختصاره يلغى.

ونتج عن داء العجلة داء أمر وأنكى، إنه طلب الإمامة والتصدر للفتوى والترجيح والاجتهاد، فشرعوا يناقشون الآراء والمذاهب ودخلوا في علم الخلاف بلا علم.

إن العجلة في العلم مع سقوط الهمم وقلة الجلد وعدم الصبر على التلقي مع تحكم شهوة طلب الإمامة وحب الرئاسة، كل ذلك أدى على هذه الفوضى العلمية وهذا الهزال العلمي الذي عمت به البلوى اليوم.

وقد قيل: العلم ثلاثة أشبار، من دخل في الشبر الأول تكبر، ومن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه لم يعلم.

الاستعجال المذموم هو الاستعجال في قطف الثمار وتحصيل النتائج وهذا واضح لدى الشباب الذين يغلي في دمائهم حب هذا الدين والغيرة على هذه الأمة.

وسبب الاستعجال عند الشباب يعود في أكثر الأمر إلا أن كثيرًا من قادة الدعوات يوهمون الشباب بأن التمكين في الأرض وبسط سلطان الدين هو قاب قوسين أو أدنى وذلك رغبة في كسبهم وإغرائهم بالعمل الدعوي، حتى إذا مرت السنين تلو السنين أدرك أولئك الشباب أن الطريق أطول بكثير مما قيل لهم فيؤدي ذلك عند أية هزة إلى الإحباط والانزواء والسلبية أو إلى تسفيه القيادات واتهامها بالقصور وتجاوز المرحلة لها ثم الاندفاع خلف قيادات شابة تفتقر في أكثر الأوقات إلى الحكمة والخبرة والعلم، والنتيجة معروفة.

 

وسبب ذلك أن الشيوخ لم يبصروا الشباب بطبيعة طريق الدعوة وتكاليفه ومشاقه، وإن الحل الوحيد لحالات الاستعجال على قطف الثمار قبل نضجها هو الإحاطة المبصرة بكل جوانب التغيير المنشود وآلياته، وإلا فإن كثيرًا من الجهود ستكون جهادًا في غير عدو، بل ستكون أخطر على الدعوة من أعدائها.

إنه ينبغي للعبد أن يتعجل الأمور أو يحلل المواقف والأحداث قبل دراستها والبحث في جوانبها متجردًا في ذلك لله عز وجل مهتديًا بالموازين والسنن الثابتة التي ذكرها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

وإذا وفق العبد إلى هذا الفضل فإنه في الغالب يصدر عن الحق وينطق بالحق وتنشأ عنده صفتا الحلم والأناة اللتان يحبهما الله ورسوله، وكم رأينا من أناس تعجلوا أمورهم قبل أوانها فكانت نتيجتها وبالاً وشرًا، وكم سئم أناس من نعمة أنعم الله بها عليهم فتقالوها وملوها وأرادوا غيرها، فلما جاءهم ما أرادوا وتعجلوا أصابهم منه ضرر ونكد وندم.

لما تولى عمر بن عبد العزيز خلا به ابنه عبد الملك وقال له: ما أنت قائل لربك غدًا إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحييها، فقال له: يا بني، أشيء حكمته الرعية لي أم رأي رأيته؟ فقال: لا والله بل رأي رأيته، وعرفت أنك مسؤول فما أنت قائل، فقال عمر: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير " يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقًا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق بسبب محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنه حتى يحكم الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الحاكمين".

أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خير خلقه أجمعين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها المسلمون: فمع ما يشهده إخواننا المسلمين على أرض الشام المباركة من ظلم وطغيان على يد جبابرة النصيرية وطواغيت الرافضة وأعوانهم ومع انتشار الكيد العلماني والمكر النفاقي واستشراء صور التغريب تبرز صورة من صور الاستعجال المذموم ذلكم هو الاستعجال في تحقيق النصر وقطف الثمار والغلبة على الأعداء..

فمن الناس من يصاب بالهلع وفقدان الثقة بنصرة هذا الدين ويصاب آخرون بالإحباط واليأس والقنوط من رحمة الله وتسخط لأقدار الله وتلك أدواء قاتلة وهي منافية لحقيقة التوحيد من الصبر واليقين والتقوى والتوكل على رب العالمين..

برغم أنه في كل سماء طائرة وفوق كل أرض قنبلة وعلى كل شبرا صاروخ وعلى كل شاطئ زورق وفي كل أسرة شهيد، وفي كل بيت مأتم، برغم الأشلاء المتناثرة والجماجم وبحار الدم إلا أننا نقول..

إن دفاع الله سبحانه وتعالى عن أوليائه حق، ووعد من الله، ولكنه شاء أن يكون هذا الدفاع بأسباب يبذلها أولياؤه، من إعداد شامل لكل أسباب النصر.. ومع قدرة الله عز وجل بدون هذه الأسباب إلا أنه شاء أن يربط النصر بمسبباته وقد يعجل النصر أو يتأخر على قدر إحاطتنا بهذه الأسباب.

والنصر قد يبطئ.. على الذين ظلموا وأُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله جل في علاه..

نستبطئ النصر أحيانا ونحن بعد لم نقدم للنصر ثمنا ونستعجل النصر وقد لا يكون حان وقته بعد ونتطلع إلى تغيير مفاجئ في العالم ونحن بعد لم نغير ما بأنفسنا وبالجملة فهناك معوقات للنصر وأسباب لتأخره يعرفها العلماء ويجهلها البسطاء..

النصر قد يبطئ لأن بنية الأمة لم تنضج بعد نضجتها، ولم يتم بعد تمامها ولم تحشد بعد طاقاتها، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكًا لعدم قدرتها على حمايته طويلاً.

وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزًا ولا غاليًا إلا وتبذله هينًا رخيصًا في سبيل الله.

وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوة وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طاقتها ثم توكّل الأمر بعده إلى الله.

من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله تعالى قد يبطئ النصر فتتضاعف التضحيات وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله سبحانه وتعالى عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية، وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه..

قد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله وهي تعاني وتتألم وتبذل ولا تجد لها سندًا إلا الله تعالى، ولا متوجهًا إلا إليه وحده في الضراء..

قد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته، فهي تقاتل لمغنم لتحققه أو تقاتل حمية لذاتها أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها، أو تحت راية قومية أو وطنية، والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه.

سئل النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل حمية،والرجل يقاتل شجاعة،والرجل يقاتل ليرى فأيها في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».

كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير يريد الله أن يجرد الشر منها ليمحص خالصا ويذهب وحده هالكا وحده لا تلتبس به ذرة من خير تذهب في الغمار.

قد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، ولم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تتكشف لهم الحقيقة فيشاء الله تعالى أن يبقي الباطل حتى ينكشف عاريا للناس ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية.

قد يتأخر النصر لأنه مازال في الأمة من يركن إلى أعداء الله ويواليهم (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) [هود: 113].

يتأخر النصر (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ) [الأنفال: 37].

يتأخر النصر (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) [التوبة: 43].

والله الذين لا إله غيره ولا إله سواه ليتمن الله هذا الأمر، وليتحققن النصر وتتطهر بلاد الشام وغيرها من بلاد المسلمين بإذن الله تعالى من رجس النصيرية والرافضية وطغاتهما ولكنكم تستعجلون..

فيا أيها المسلمون عامة ويا أهلنا في الشام خاصة ثقوا بالله ربكم فإنه والله ناصركم يوم أن تتجردوا من كل ولاء إلا له وتتخلوا عن كل التجاء إلا إليه ويوم أن تكفوا عن نداء يا عرب يا غرب وتخلصوا لرب الأرض والسماء (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40 ].

اللهم صل وسلم على من بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وارض الله عن صحابته أجمعين وعمنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام، وانصر المسلمين، وأذل الشرك والمشركين والنفاق والمنافقين..
 

 

 

 

 

المرفقات

تستعجلون

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات