وقفات مع سورة الكهف

علي باوزير

2017-02-19 - 1438/05/22
عناصر الخطبة
1/ يوم الجمعة عيد أسبوعي للمسلمين 2/ قراءة سورة الكهف من أعمال يوم الجمعة 3/ وقفات وتأملات في قصص سورة الكهف 4/ لماذا كانت سورة الكهف عصمة من الدجال؟

اقتباس

ما هو السر الذي يجعل سورة الكهف خصوصًا دون غيرها عصمة من الدجال؟ دعونا نقف نتأمل ونتدبر في هذه السورة العظيمة المباركة، اشتملت هذه السورة على أربع قصص أساسية، اشتملت على قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وقصة ذي القرنين. وكل قصة من هذه القصص تناولت فتنة من الفتن التي تعرض على الإنسان في حياته وتناولت كيفية النجاة والسلامة من هذه الفتنة...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

وبعد أيها المسلمون عباد الله: يوم الجمعة عيد متكرر في كل أسبوع مناسبة عظيمة شُرع فيها العديد من العبادات والطاعات والقربات فهو يوم عبادة وطاعة وقربة لله -عز وجل-.

 

ومما يُشرَع في هذا اليوم ويتنافس فيه المسلمون في كل مكان قراءة سورة الكهف، هذه السورة التي ورد في فضل قراءتها في يوم الجمعة وليلتها عدة أحاديث من ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه وأرضاه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعة الأخرى".

 

وفي رواية أخرى "أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق"، وهذا فضل عظيم لقراءة هذه السورة المباركة في يوم الجمعة، وقد جاء في فضل سورة الكهف أحاديث أخرى ومن أصحها وأشهرها ما جاء في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال"، وفي رواية أخرى "من حفظ عشر آيات من آخر سورة الكهف عُصم من الدجال".

 

والدجال معلوم أيها الأحباب ومعروف أن فتنته هي أعظم فتنة في تاريخ البشرية وتكون في آخر الزمان، ولكن أيها الأحباب ما هو السبب وما هو السر الذي يجعل سورة الكهف خصوصًا دون غيرها عصمة من الدجال؟

 

دعونا أيها الأحباب نقف نتأمل ونتدبر في هذه السورة العظيمة المباركة، اشتملت هذه السورة على أربع قصص أساسية، اشتملت على قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وقصة ذي القرنين.

 

وكل قصة من هذه القصص تناولت فتنة من الفتن التي تعرض على الإنسان في حياته وتناولت كيفية النجاة والسلامة من هذه الفتنة.

 

أما القصة الأولى وهي قصة أصحاب الكهف فهم فتية آمنوا بالله -سبحانه وتعالى- شباب صغار عرفوا ربهم فأمنوا به (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) [الكهف:14].

 

هؤلاء الفتية آمنوا في وسط مجتمع كافر مشرك بالله -عز وجل- فكان هذا المجتمع يعبد غير الله (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ).

 

هذا المجتمع الكافر المشرك كان يشكّل ضغطًا على هؤلاء الفتية يريد إخراجهم عن دينهم، يريد إجبارهم على أن يعودوا أو يصيروا إلى ملة الكفر والشرك: (إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) [الكهف:20].

 

فكانت الفتنة هنا هي ضغط هذا المجتمع المنحرف والمجتمع يشكل ضغطًا على الفرد في كل الأحوال، فإذا كان المجتمع منحرفًا فإن ضغطه سيكون في الاتجاه المنحرف يدعو الإنسان إلى الخروج عن صراط الله المستقيم، فماذا يفعل الإنسان حينئذ هل يثبت؟ هل يصبر؟ هل يستطيع أن يتحمل هذا الضغط أم ما هي الحيلة والوسيلة؟

 

الفتية هنا لجئوا إلى وسيلة رأوا فيها السلامة والنجاة من هذه الفتنة (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ)، ابتعدوا واعتزلوا هذا المجتمع حين رأوا أنه لن يستجيب لهم لن يستمع لهم لن يؤمن بربهم، فما رأوا حيلة إلا الاعتزال والسلامة بالدين والنفس فلجئوا إلى الكهف فأووا في هذا الكهف فضرب الله -عز وجل- عليهم نومة طويلة فناموا ثلاث مائة عام وازدادوا تسعة فكانت كرامة من الله -عز وجل- آية من الآيات.

 

ثم في آخر هذه القصة يأتي الإرشاد إلى وسيلة أخرى للسلامة والنجاة من ضغط هذا المجتمع وهي ملازمة الصالحين من هذا المجتمع والابتعاد عن الأشرار منهم (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28].

 

أما القصة الثانية أيها الأحباب فهي قصة صاحب الجنتين، وهذه القصة تتناول فتنة من أعظم الفتن وهي فتنة الدنيا وعلى رأسها المال والبنون (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [الكهف:34].

 

اغتر بماله واغتر بأولاده ورأى أن هذا عنوان السعادة والفلاح والنجاح، فأدى هذا به إلى الكبر والتعالي، بل إلى الكفر بالله -سبحانه وتعالى-، وإنكار البعث والجزاء والحساب، قال (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً..) فجاء العلاج في نصيحة صاحبه وهو يحاوره (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) [الكهف:39]، نسبت الفضل إلى الله لا إلى نفسه اعترفت بضعفك وعجزك ونسبت القوة لله -سبحانه وتعالى- لا تتكبر ولا تتعالى مهما أعطاك الله مهما منحك مهما رزقك فلا تتكبر على ربك وانسب الفضل كله إلى الله -سبحانه وتعالى-.

 

(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ) أي: هذا ما شاء الله تعالى (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) لكنه تمادى وأصر على ما هو عليه فكانت العاقبة أن أهلك هذا البستان (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف:42].

 

ثم يأتي التذكير بأمر مهم في ختام هذه القصة، وهي أن هذه الحياة ليست هي الأهم والأعظم بل هناك ما هو أفضل، وأفضل عند الله -سبحانه وتعالى-: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) لكن (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) [الكهف:46].

 

يأتي التذكير بعد ذلك بأن الدنيا ليست هي الحياة الأخيرة، ليست هي كل شيء بل بعدها حياة وبعدها أيام وبعدها أحوال وأهوال (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [الكهف:47].

 

وأما القصة الثالثة فهي قصة موسى مع الخضر -عليهما السلام-؛ هذه القصة تتناول فتنة بلي بها كثير من الناس وهي فتنة العلم موسى -عليه السلام- يقف خطيبًا بين بني إسرائيل كما في الصحيح فيسأله بنو إسرائيل من أعلم أهل الأرض؟ هل هناك أحد أعلم منك؟ يقول: أنا أعلم أهل الأرض، فعتب الله -عز وجل- عليه أنه لم يكل الأمر إليه، أي: لم يقل الله أعلم، وقال له: "بل لي عبد في مجمع البحرين هو أعلم منك".

 

فقال موسى وكيف لي إليه، كيف أصل إلى هذا العبد الصالح العالم؟ فدله الله -عز وجل- على الطريق وجرت الرحلة والقصة بين موسى والخضر هذه القصة التي نقرأها في سورة الكهف.

 

وجد موسى -عليه السلام- في هذه الرحلة وهي أول رحلة في طلب العلم وجد أن هناك كثيرًا من العلم كان يخفى عليه وأنه هناك أشياء لا يعلمها بل إنه لم يستطع صبرًا عليها مع أنه وافق الخضر في أول الأمر قال (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف: 66- 69].

 

ولكن وقع من الحوادث ما لم يحط به موسى علما فلم يصبر فآل الأمر بينه وبين الخضر إلى الفراق وعدم استمرار هذه الرحلة.

 

يقف موسى مع الخضر على السفينة فيأتي عصفور فينقر من البحر نقرة أو نقرتين فيقول الخضر لموسى -عليه السلام-: "ما علمي وعلمك في علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر".

 

أما القصة الرابعة فهي قصة ذي القرنين تتحدث عن فتنة أيضًا بُلي بها الكثيرون ولم يسلم من شرها إلا القليل وهي فتنة الملك والسلطان، هذه الفتنة التي عرضت على ذي القرنين فسلم من غوائلها، أتاه الله -عز وجل- من كل شيء سببًا، وأعطاه الملك والقوة والسلطان جاب الأرض شرقًا وغربًا، وبلغ إلى أطرافها، ووصل إلى حيث لم يصل أحد قبله من الناس وأعطاه الله -عز وجل- ملكا لم يعطه أحداً إلا النادر من الناس على مر التاريخ.

 

ولكن هذا كله لم يغره ولم تفتنه هذه القوة ولم يفتنه هذا الملك والسلطان بل كان ملكًا صالحًا، وصار في الناس سيرة حسنة، وكلما ذهب إلى مكان جعل فيه بصمة خير وإصلاح، ودرأ عن الناس الفتن وتمثل هذا في السد الذي بناه بين الناس وبين قوم يأجوج ومأجوج، وهم قوم من البشر مفسدون فجعل سدًّا يحول بينهم وبين الناس، ولا يزال هذا السد قائمًا وسيظل قائمًا إلى أن يأتي وعد الله (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف:98].

 

حينئذ يخرج قوم يأجوج ومأجوج في آخر الزمان (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ) [الأنبياء:96 - 97].

 

وهكذا الملك الصالح لا يزرع الفتن بل يدفعها، ويسعى إلى أن يحول بين الناس وبينها ويسير بينهم وفيهم بالسيرة الصالحة الحسنة.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدًا.

 

وبعد أيها الأحباب الكرام: هذه القصص الأربع في سورة الكهف، القصة الأولى تحدثت عن ضغط المجتمع المنحرف، وكيفية النجاة من هذا الضغط بالاعتزال والابتعاد وملازمة الصالحين والبعد عن الأشرار.

 

والقصة الثانية تتحدث عن فتنة الدنيا المال والبنون، وكيفية النجاة من هذه الفتنة بنسبة الفضل إلى -سبحانه وتعالى- والاعتراف له بكل خير، وتذكر الباقيات الصالحات والعمل لها، وتذكر الآخرة وأن هذه الحياة فانية.

 

القصة الثالثة وفيها فتنة العلم وكيفية النجاة منها بالتواضع والاعتراف بالجهل، وأن يعلم الإنسان بأن ما خفي عليه اكثر بكثير مما اطلع عليه وعلمه.

 

والقصة الرابعة: وفيها فتنة الملك وكيفية النجاة منها بالتواضع لله -عز وجل- والسير في الناس بالسيرة الصالحة ودرء الفتن بين الناس.

 

 وفي أثناء الكلام عن هذه القصص جاء الكلام عن المحرك والمغزى لهذه الفتن كلها وهو الشيطان الرجيم: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، فيأتي التحذير من إتباعه والسير ورائه (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف:50].

 

هذه السورة أيها الأحباب من يقرأها بتأمل وتدبر وتفكر يعرف هذه الفتن وكيف ينجو منها خاصة إذا تأمل في أولها وآخرها فأول هذه السورة يقول الله -عز وجل- فيه (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا..) [الكهف:1 - 2]، الإشادة بالقرآن، وأن القرآن هو الكتاب المستقيم الذي يدل على الصراط والطريق القويم وأن العبد إذا تمسك به فإنه سيوصله إلى الله -سبحانه وتعالى- ولن يأخذه إلى سبيل آخر.

 

ثم يأتي الإشارة إلى العمل الصالح (لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا) [الكهف: 2- 3]، بشارة بالخير وبشارة بالنعيم المقيم، وهذه المعاني التي بُدئت بها السورة هي نفسها التي ختمت بها السورة يقول الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [الكهف:108].

 

العمل الصالح وثوابه (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) [الكهف:109]، كلام الله وعلى رأسه القرآن (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110].

 

التوحيد والعمل الصالح الإشادة بالقرآن، والأمر بالتوحيد والإيمان، والحث على العمل الصالح وذكر الثواب والجزاء الذي يترتب عليه هذه المعاني هي التي ابتدأت بها السورة وبها خُتمت كذلك.

 

نعود إلى الدجال أيها الأحباب، حين يخرج الدجال في آخر الزمان إنما يفتن الناس بمال ودنيا أو بعلم يخدعهم به أو بملك كاذب أو بفتنة للناس فيفتتن الناس به فينقاد بعضهم لبعض، فإذا علم الإنسان هذه الفتن وقرأها في سورة الكهف؛ فتنة العلم والدنيا، والملك وضغط الناس يعلم كيف ينجو منها ويسلم -بإذن الله عز وجل- خاصة إذا عمل بأول السورة وآخرها فتمسك بالقرآن واعتصم بالتوحيد والإيمان ولازم العمل الصالح وتذكر ثواب الله -عز وجل- وما ينتظره في الآخرة عند ذلك لا تضره فتنة الدجال أبداً.

 

يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فتنة الدجال ويقول: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه"، أي أنا الذي سأناظره وأحاجه وأدفعه عنكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرئ حجيج نفسه، أي فكل واحد موكل بنفسه يدفع عن نفسه فتنة الدجال، قال: "فمن أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف؛ فإنه جواركم من فتنته" (رواه مسلم).

 

اللهم يا ربنا يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا لطول والإنعام، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال..

 

 

المرفقات

مع سورة الكهف

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات