عناصر الخطبة
1/وقفات مع الحديث 2/شرح الحديث 3/من صفات أهل الجنة 4/من صفات أهل النار 5/الأمر بالصدق والتحذير من الكذباقتباس
معنا اليوم حديث جليل القدر طويل من خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحاح، اشتمل على فوائدَ عظيمة لا يستغني عنها المسلم، فضلاً عن طالب العلم...
الخُطْبَة الأُولَى:
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا الله.
أيها الإخوة: معنا اليوم حديث جليل القدر طويل من خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحاح، اشتمل على فوائدَ عظيمة لا يستغني عنها المسلم، فضلاً عن طالب العلم.
فعن عياض بن حمار المجاشعي -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم، مما علَّمني يومي هذا؛ كلُّ مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقَتَهم عرَبَهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتُك لأبتليَك وأبتلي بك، وأنزلتُ عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان، وإن الله أمرني أن أُحرِّق قريشًا، فقلت: رب إذنْ يثلغوا رأسي فيدعوه خبزةً، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزُهم نُغزِك، وأنفِق فسنُنفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسةً مثله، وقاتِل بمن أطاعك مَن عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقسِط متصدق موفَّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال، قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإنْ دقّ إلا خانه، ورجل لا يُصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك"، وذكر البخل أو الكذب، والشنظير الفحاش"(صحيح مسلم).
هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم -رحمه الله- في صحيحه، في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، تحت باب الصفات التي يُعْرَف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار.
في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن ربي أمرني أن أُعلِّمكم ما جهلتم مما علَّمني يومي هذا؛ كل مال نحلته عبدًا حلال"؛ أي: كل مال أعطيته عبدًا من عبادي فهو له حلال، "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم" جمع حنيف، وهو المائل عن الباطل المنقطعُ للحق، وقوله -تعالى-: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلَّهم"؛ أي مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقَبول الهداية، وقيل: المراد حين أخذ عليه عليهم العهد، وقال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)[الأعراف: 172].
قال -جل وعلا-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[آل عمران: 67].
وقوله -تعالى- في الحديث: "وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم"؛ استخَفُّوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل.
يؤيده في التنزيل قوله -سبحانه-: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[إبراهيم: 22].
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وإن الله -تعالى- نظر إلى أهل الأرض فمقَتَهم عرَبَهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب"؛ المقت: أشدُّ البغض، والمراد بهذا المقتِ والنظر ما قبل بعثة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمراد ببقايا أهل الكتاب الباقون على التمسك بدينهم الحقِّ من غير تبديل.
وقوله: "إنما بعثتُك لأبتليَك وأبتلي بك"؛ لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتُك به من تبليغ الرسالة وغير ذلك، من الجهاد في الله حق جهاده، والصبر في الله -تعالى- وغير ذلك، وأبتلي بك من أرسلتُك إليهم.. وهذا نحو قوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ)[محمد: 31]؛ أي: نَعْلَمهم فاعلين ذلك متصفين به.
وقوله -سبحانه- في الحديث: "وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان"، أما قوله: "لا يغسله الماء" فمعناه محفوظ في الصدور لا يتطرق إليه الذهاب، بل يبقى على مر الأزمان، وأما قوله -تعالى-: "تقرؤه نائمًا ويقظان"؛ فقال العلماء: معناه يكون محفوظًا لك في حالتي النوم واليقظة، وقيل: تقرؤه في يسر وسهولة.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فقلت: ربِّ إذنْ يثلغوا رأسي فيدعوه خبزةً"؛ أي: يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز؛ أي: يُكسر.
وقوله في الحديث: "واغزُهم نُغزِك"؛ أي: نُعينك.
وقوله في الحديث: "وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقسِط متصدّق مُوفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف"؛ مقسط: أي عادل.
ويؤيد هذا ما ذكره -صلى الله عليه وسلم- من السبعة الذين يظلُّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقال: "سبعة يظلهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: الإمام العادل"(متفق عليه).
ونص الحديث على أن رحيم القلب واصلَ الرحمِ من أهل الجنة؛ قال الله -جل الله-: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَو كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَولِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)[آل عمران: 159].
ونص الحديث على أن العفيف المتعفف من أهل الجنة، كما أن الشريعة عظَّمت شأن العفة، كما في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال: "ما يكون عندي من خيرٍ فلن أدَّخِرَه عنكم، ومن يستعفف يُعِفّه الله، ومَن يستغنِ يُغنِه الله، ومن يتصبر يُصبِّره الله، وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر"(متفق عليه).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
فيا عباد الله، اتقوا الله.
أيها الإخوة: وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: "قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعًا لا يبتغون أهلاً ولا مالاً"، فقوله: "زبر"؛ أي: لا عقل له يزبره ويمنعه مما لا ينبغي؛ أي: لا يمنعه عقله عن الإثم والمنكر، بل ويرضى أن يكون ذليلاً من أجل المعصية أو المنكر نسأل الله العافية، وقوله: "يبتغون"؛ أي: لا يطلبون، وفي بعض النسخ "لا يتَّبعون" من الاتباع.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "والخائن الذي لا يخفى له طمع وإنْ دقَّ إلا خانه"؛ معنى لا يخفى: لا يظهر.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "البخل أو الكذب، والشنظير الفحاش"، الشنظير: الفاحش، سيئ الخلُق.
قال -تعالى-: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَومَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)[آل عمران: 180].
وقال -تعالى-: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[الحديد: 24].
وقد حثّ -صلى الله عليه وسلم- على الصدق وحذّر من الكذب؛ فعن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البِرِّ، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدُق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا"(صحيح مسلم).
عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم