وصوركم فأحسن صوركم

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-05-20 - 1435/07/21
عناصر الخطبة
1/ اسم الله «المصور» في القرآن والسنة 2/معاني اسم الله المصور 3/ارتباط اسم الله «المصور» بالخالق والبارئ 4/أثر اسم الله المصوِّر على المؤمن 5/كيف ندعو الله باسمه المصور؟ 6/التحذير من التصوير

اقتباس

إن المصوِّر من أسماء الله الحسنى يدل على أنه مبدع صور المخلوقات، ومزينها بحكمته، ومعطي كل مخلوق صورته على ما اقتضت حكمته الأزلية، وكذلك صوّر الله الناس في الأرحام أطوارًا، وتشكيلاً بعد تشكيل...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله نحمدُه ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. اللهم صلِّ على سيدنا محمد النبي، وأزواجِه أمهاتِ المؤمنين، وذرِّيته وأهل بيته، كما صليتَ على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعدُ: فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله تعالى، وخيرَ الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور مُحْدثاتُها، وكلَّ محدَثة بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. [حديث خطبة الحاجة أخرجه أبو داود (2118) وصححه الألباني].

 

أما بعد:

 

أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه، واحذروا جميع ما يسخطه، وتتبعوا مراضيه، فقد دلّكم على وحدانيته بالآيات البينات, وأوضح لكم معرفته بالحجج والبراهين القاطعات، تعرّف لكم -سبحانه- بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا ونعمه الواسعة العظمى، فأحبوا ربكم وعظّموه، فهو الذي خلقكم بيده، وصوّركم فأحسن صوركم، ونفخ فيكم من روحه.

 

واعلموا أن الله خلقكم ليسبغ عليكم نعمه، وأن الله غني عن العالمين، وهو رب العالمين الخالق البارئ المصور، لا يستحق هذه الأسماء الحسنى سواه، برأ الخليقة وأوجدها، وأبدعها على غير مثال سبق لها، وصورها فأحسن صورها، وأعطى كل شيء خلقه وصورته ثم هداه لما يصلحه، وميَّزه عن غيره وأبدعه، سبحان ربنا اتصف بكل جمال وكمال وعظمة؛ خالق الخلق ورازقهم ومحييهم ومميتهم، موصوف بكل كمال وجلال، وكل عظمة وعلو مقام، سبحانه، تفرد بالكبرياء الذي لا يُنال، له المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم.

 

عباد الله: لقد كرّم الله بني آدم؛ حيث صوّره في أجمل وأبهى صورة، ومن أكبر التكريم تصويره على النحو الذي هو عليه، فليس في جنس المخلوقات أحسن صورة من بني آدم، وإذا أردت أن تعرف حُسْن الآدمي وكمال حكمة الله تعالى فيه، فانظر إليه، عضوًا عضوًا، هل تجد عضوًا من أعضائه يصلح أن يكون في غير محله؟! وانظر أيضًا إلى الميل الذي في القلوب، بعضهم لبعض، هل تجد ذلك في غير الآدميين؟! وانظر إلى ما خصّه الله به من العقل والإيمان، والمحبة والمعرفة، التي هي أحسن الأخلاق المناسبة لأجمل الصور.

 

أحبتي الكرام: أثنى ربنا -جل في علاه- على ذاته العلية، ووصف نفسه بأجمل الصفات وأجلها، ومما أثبته الله لنفسه اسمه تعالى «المصَوِّر»، قال الله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) [الحشر: 24]. أي: المصوّر للأشياء، والمركِّب لها كيف يشاء على هيئات مختلفة، وأنواع شتى من التصوير، وهو التخطيط والتشكيل، وينفّذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها -سبحانه وتعالى-.

 

وقد امتنَّ الله على عباده بأن صوَّرهم في أحسن هيئة، فمن ذلك قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [التغابن: 3]، يقول ابن كثير: "أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم". [تفسير ابن كثير 7/156].

 

وقال -عز وجل-: (يا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار : 6- 8]، يقول السعدي: "الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ في أحسن تقويم, فَعَدَلَكَ وركَّبك تركيبًا قويمًا معتدلاً في أحسن الأشكال، وأجمل الهيئات، فهل يليق بك أن تكفر نعمة المنعم، أو تجحد إحسان المحسن؟ إن هذا إلا من جهلك وظلمك وعنادك وغشمك، فاحمد الله أن لم يجعل صورتك صورة أخرى.." [تيسير الكريم المنان، السعدي (1/914)].

 

وقال سيد قطب: "إنه خطاب يهز كل ذرة في كيان الإنسان حين تستيقظ إنسانيته، ويبلغ من القلب شغافه وأعماقه، وربه الكريم يعاتبه هذا العتاب الجليل، ويذكّره هذا الجميل، بينما هو سادر في التقصير، سيئ الأدب في حق مولاه الذي خلقه فسوَّاه فعدله. إن خلق الإنسان على هذه الصورة الجميلة السوية المعتدلة، الكاملة الشكل والوظيفة، أمرٌ يستحق التدبر الطويل والشكر العميق، والأدب الجمّ، والحب لربه الكريم، الذي أكرمه بهذه الخلقة، تفضلاً منه ورعاية ومنة, فقد كان قادرًا أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها, فاختار له هذه الصورة السوية المعتدلة الجميلة.

 

وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين، سَوِيّ الخِلْقة، معتدل التصميم، وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو، وأعجب من كل ما يراه حوله. وإن الجمال والاستواء والاعتدال لتبدو في تكوينه الجسدي، وفي تكوينه العقلي، وفي تكوينه الروحي سواء، وهي تتناسق في كيانه في جمال واستواء!" [في ظلال القرآن (7/477)].

 

وقال -جل وعلا-: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 6]. والتصوير في الرحم هو إيجاد المادة التي سيوجد منها الإنسان على هيئة خاصة؛ هذه الهيئة تختلف نوعيتها: ذكورة وأنوثة، والذكورة والأنوثة تختلفان أشكالاً؛ بيضاء وسمراء، وقمحية وخمرية، وقصيرة وطويلة، هذه الأشكال التي يوجد عليها الخلق والتي تعدّ من أبدع آيات الله في الخلق، قال تعالى: (وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ) [الروم: 22].

 

هذا الاختلاف في الألوان والألسنة والأشياء المتعددة يَدُل على أنها ليست من إنتاج مصنع يصنع قالبًا، ثم يشكّل عليه ويصبغ ألوانا شتى، لا؛ فكل إنسان يُولد يُصوّر على حدة في بطنه أمّه؛ لا بشبه الآخر من كل وجه. إن أيّ صانعٍ الآن إذا أردت منه أن يصنع لك كوبًا يصنع قالبًا ويكرره، لكن في الخلق البشري كل واحد بقالبه الخاص، وكل واحد بشكله المخصوص، وكل واحد بصوته الذي ثبت أن له بصمة كبصمة اليد، وكل واحد بلون؛ إذن فهي من الآيات، وهذا دليل على طلاقة القدرة, والإبداع في التصوير، قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [البقرة: 117].

 

إن الأب والأم قد يتَّحِدان في اللون، ولكن الابن قد يصوّره الله بلون مختلف، ويصور الله معظم الناس خلقًا سويًا، ويخلق قِلة من الناس خلقًا غير سويّ؛ فقد يُولد طفل أعمى أو مصاب بعاهة ما، أو بإصبع زائدة أو إصبعين. وهذا الاختلاف أراده الله في الخلق؛ ليلفتنا الحق -سبحانه- إلى حسن وجمال خلقه؛ لأن من يرى -وهو السويّ- إنسانًا آخر معوَّقًا عن الحركة، فإنه يحمد الله على كمال خلقته.

 

وحين يرى إنسان له في كل يد خمسة أصابع إنسانًا آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده، يعرف حكمة وجود الأصابع الخمس، فالجمال لا يثبت إلا بوجود القبح، وبضدها تتمايز الأشياء، الإنسان الذي له سبعة أصابع في يد واحدة، يضع الطب أمام مهمة يجنّد نفسه لها؛ حتى يستطيع الطبيب أن يستأصل الزائد عن حاجة الإنسان الطبيعي. ولو خلق الله الإنسان بثلاثة أصابع لما استطاع ذلك الإنسان أن يتحكم عند استعماله الأشياء الدقيقة. إذن فالله (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) [الحشر: 24], وكل تصوير له حكمة، ومادام كل تصوير له حكمة فكل خلق الله جميل؛ إذ هو الجميل -سبحانه-.

 

إن الإنسان العادي في حركته اليومية لا يدرك جمال استواء خلقه إلا إذا رأى فردًا من الأفراد غير الأسوياء, والحق -سبحانه- يلفت الناس الساهين عن نعم الله عليهم لرتابتها فيهم بفقدها في غيرهم, فساعة أن يرى مبصرٌ مكفوفًا يسير بعكاز، يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له الله، فيشعر بنعمة الله عليه ويتذكرها فيشكرها ولا يكفرها. إن الاختلاف في الخلق ووجود غير الأسوياء إنما هي نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم الله التي أنعم الله عليهم بها، ليشكروا ربهم ويعبدوه وحده -سبحانه-.

 

ولهذا المقصد وهذه الحكمة البليغة وجّه النبي -عليه الصلاة والسلام- أمته إلى أن تتعمد دائمًا النظر إلى من هو أقل منها في الأمور الدنيوية؛ ليكتسبوا من وراء ذلك شكرًا، ويزدادوا بذلك معرفة بما هم فيه من النعم فيحفظوها ويشكروها ولا يتنكروا لها، فقال -عليه الصلاة والسلام -كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله" [مسلم (2963)].

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوسل إلى ربه ويدعوه ويثني عليه بأنه هو الذي صوَّر وجهه وجمَّل خلقه، كما في حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- أن رَسُول اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ .. إلى أن قال: وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" [مسلم (771)].

 

أيها المسلمون: والمصور لغة هو الذي يجعل الشيء على صورة وشكل وهيئة. والمصور -سبحانه- هو الذي صوَّر المخلوقات، ونوَّعها بشتى أنواع الصور، وهو الذي جعل لكل شيء شكلاً خاصًّا معروفًا، وأبدع صور المخلوقات وجَمَّلها، وزيَّنها بحكمته، وأعطى كل مخلوق صورته، فالأب الذي عنده عدة أولاد، صوّر كل ولد بصورة، من حيث اللون، من حيث الطول، من حيث شكل الوجه، هناك وجه دائري، ووجه مستطيل، وهناك شعر أسود، وشعر أشقر، فجعل الله لكل شيء شكلاً خاصًّا معروفًا اختص به. قال ابن الأثير: "المصَوِّر في أسماء اللّه تعالى، وهو الذي صوَّر جميعَ المَوُجُوداتِ ورتَّبها فأعْطَى كلَّ شيء منها صورةً خاصَّةً وهيْئةً مُنْفَرِدةً يتَميَّزُ بها على اختلافِها وكْثرتِها" [النهاية في غريب الحديث 3/122].

 

وإذا نظرت -يا عبد الله- في صنعة الإنسان تجد أن أعضاء بني البشر كلّها متشابهة، فكل بني آدم يملك يدين، وكلهم يملك رجلين، وعينين ولسانًا واحدًا, ورأسًا واحدًا، ومع ذلك لن تجد في السبعة آلاف مليون إنسانًا يشبه الآخر من كل ناحية، لا بشكله، ولا بطوله، ولا بلونه، ولا بملامح وجهه، ولا بطريقة مشيه، ولا بطريقة كلامه، ولا بنبرة صوته، حتى قال بعض العلماء: "والله يا رب، لو تشابهت ورقتا زيتون لما سُمِّيتَ الواسع" سبحانه المصوّر.

 

واعلم أخي أن للأشياء صورًا جلية، وصورًا خفية، فلو أمسكت بكأس الماء لتشربه، وجدت أن الماء صافيًا عذبًا زلالاً، لكن لو وضعت هذا الماء تحت مجهر لرأيت ملايين البكتريا، فالصورة الجلية أنه ماء صافٍ، والصورة الخفية أن هذا الماء فيه ملايين البكتريا النافعة والضرورية، فسبحان من خلق وصوّر، وحجب عنا ما يؤذينا، جلَّ ربنا الجليل الجميل -سبحانه وتعالى- عن كل نقص وسوء.

 

اللهم حسنَّا أخلاقنا كما حسنت خَلْقنا يا أكرم الأكرمين، واشملنا بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

يا عباد الله: اتقوا ربكم حق تقاته، وعظموه حق تعظيمه، واعلموا أن الله -سبحانه- هو الذي تفرد بخلق جميع المخلوقات، وبرأ بحكمته جميع البريات، وصوّر بإحكامه وحُسن خَلْقِه جميع الكائنات؛ فخلقها وأبدعها على غير مثال سابق، وفطرها في الوقت المناسب لها، وقدّر خلقها أحسن تقدير، وصنعها أتقن صنع، وهداها لمصالحها، وأعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق لما هُيِّئ وخُلق له، وقدّر الأشياء على مقتضى حكمته.

 

واعلموا -إخواني- أن اسم الله المصور -سبحانه- تفصيل لمعنى اسم الخالق، فالله -عز وجل- إذا أراد خلق شيء قدّره بعلمه وحكمته، ثم برأه، أي: أوجده وفق ما قدّر في الصورة التي شاءها وأرادها -سبحانه-. فالله -عز وجل- هو الذي أعطى كل شيء صورته، وليس معنى الصورة الشكل الخارجي فقط بل الشكل الكامل الداخلي والخارجي، النفس والبدن.

 

وانتبهوا -إخوتي- إلى الفرق بين خلق الله وخلق المخلوقين، فإن الخالق -سبحانه- يخلق كل شيء مِن لا شيء، وعلى غير مثال سابق، كما قال تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14]، بينما المخلوق إذا عُزي إليه الخلق فهو يصنع شيئًا من كل شيء، ومن أشياء خلقها الله، ولم يبدأ الآدمي أي شيء من العدم، بل مما في الأرض من خلق الله، ويصنع ما يريد على مثال سابق، وخذ مثالاً على كمال صنع رب العالمين وعجز البشر وتدرجهم في الصنع والتشكيل، فإن الإنسان ابن آدم خلقه الله على الصورة التي نراها اليوم متنوعة جميلة متغيرة، وهي هي نفس الصورة التي خلقه عليها من أول مرة تقريبًا، بينما السيارة التي صنعها البشر متطورة باستمرار كل عام هناك إصدار جديد وموديل حديث فيه تطوير عما سبق، وإذا نظرت إلى السيارات أول القرن الماضي والسيارات اليوم وجدت فرقًا كبيرًا، وسيحدث فرق هائل في المستقبل في السيارات وسائر الصناعات؛ لأن علم العباد قاصر يبدؤون من حيث انتهى الآخرون، ويجهلون أكثر مما يعلمون، وكل يوم يتعلمون جديدًا.

 

فإذا علم العباد هذا فلا بد أن تنطق ألسنتهم تسبيحًا وتمجيدًا لله الخالق البارئ المصور -سبحانه- وتعالى، خلق المخلوقات في أتم صورة وأجملها من أول مرة، وصدق الله العلي الكبير (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [لقمان: 11]. ولهذا أنكر الله على من يدعو غير الله والحال أن الله تعالى خلقهم، وجعل صورهم أحسن صور المخلوقات، ووصف نفسه بأنه أحسن الخالقين: (أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) [الصافات: 125].

 

والمصور هو من أحسن وأبدع وأخرج الشكل النهائي في كامل هيئته وبهائه، وفي سورة غافر يقول المولى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [غافر: 64] تظهر قدرة الله -سبحانه- في إحسان وإبداع صور خلقه؛ لذا فهو المصوّر القادر على الإبداع في خلقه كيفما يشاء، فتبارك الله أحسن الخالقين.

 

أيها المؤمنون: إن المصوِّر من أسماء الله الحسنى يدل على أنه مبدع صور المخلوقات، ومزينها بحكمته، ومعطي كل مخلوق صورته على ما اقتضت حكمته الأزلية، وكذلك صوّر الله الناس في الأرحام أطوارًا، وتشكيلاً بعد تشكيل، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 12- 14].

 

وكما يظهر حسن التصوير في البدن تظهر حقيقة الحسن أتم وأكمل في باب الأخلاق، ولم يمُنّ الله تعالى على رسوله -صلى الله عليه وسلم- كما منَّ عليه بحُسن الخلق؛ حيث قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم : 4]، وكما تتعدد صور الأبدان تتعدد صور الأخلاق والطباع.

 

إن الإيمان التام بربنا المصوّر -سبحانه- يغرس في النفس اليقين والطمأنينة بأنه الملك الذي له الملك كله، فلا يخرج مخلوق عن ملكه، ويدفع العباد دفعًا كي يحمدوا الله حمدًا كبيرًا على ما له من صفات الكمال والجلال والجمال، وحمدًا على ما أوجده من الأشياء، وأحسن خلقها، وحمدًا على ما شرعه من الأحكام، وأسداه من النعم العظام.

 

وسبحان الخالق البارئ المصور، الذي خلق السموات والأرض وما فيهما، فأحسن خلقهما، وخلق الإنسان في أحسن صورة، وأكمل هيئة، وأحسن تقويم. فالجنين في بطن أمه حينما تُشق عيناه ويُشق سمعه، ويُعطى رأسُه حجمًا، وجسمه حجمًا وله جلد وأعضاء وحركات، كل هذا من التصوير، وليس هناك فصل بين الخلق والتصوير إلا فصل نظري، فالخلق والتصوير يَتِمّان في وقت واحد: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 6].

 

ومن كمال قدرة الله - تعالى- أن النطفة حينما تتطور إلى علقة تجد أنها مصورة مخططة، كما يخط الخطاط والرسام، فتجد صورة العين والأنف والرأس مصورة ومخططة قبل أن يُخلق، فالله يصور هذه النسمة، وهي في بطن أمه، ثم يُوجدها، ويخلقها، ويكوّنها على وفق ما صوّره –سبحانه وتعالى- وخطّطه لكل صورة، فليشْكُر الإنسانُ ربه -عز وجل- على أن أعطاه قَوامًا ورأسًا فيه سمع وبصر، وفم ولسان وأنف، وهذا الخَلْقُ السوي الكامل من نِعَمِ الله -عز وجل-.

 

وانظر إلى هذه العين التي هي أصغر عضو في الإنسان والحيوان، لو تحدثنا فيها لطال الكلام في تفاصيلها، ومن لم يعرف طبقات العين وعددها، وهيئاتها وشكلها، ومقاديرها وألوانها، ووجه الحكمة فيها، فلن يعرف صورتها، ولم يعرف مصوّرها إلا بالاسم المجمل، وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات.

يا عباد الله: الله -سبحانه- هو المصوِّر الذي صوَّر خلقَه على صفاتٍ مختَلفة وهيئاتٍ متباينة كيفَ شاء، (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) [النور:45]، وخلَق الإنسان في أحسنِ صورةٍ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4]. هو المصوِّر، وحرَّم التصويرَ على خلقه، وتوعَّد المصوِّرينَ مِن خلقِه ولعَنَهم، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كلُّ مصوِّرٍ في النار" [مسلم (2110)].

 

فينبغي للمسلم أن يتعبد لله باسمه المصوّر، وأن يظهر أثر ذلك في سلوكه، فيجتنب التصوير المحرم. وقد جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ، فَأَفْتِنِي فِيهَا -وفي رواية أحمد: مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ-، فَقَالَ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، قَالَ: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ". -وفي رواية أحمد قَالَ: فَرَبَا لَهَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: "وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ وَكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ" [مسلم (5662)] أي: إِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً فصوِّر وارسم الشَّجَر والحجر والجبال والبحار، وسائر الجمادات التي لاَ نَفْس لَها.

 

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيُّ، أَوْ رَجُلٌ يُضِلُّ النَّاسَ بِغَيْرِ عَلِمٍ، أَوْ مُصَوِّرٌ يُصَوِّرُ التَّمَاثِيلَ". [رواه الطبراني (10346) وحسنه الألباني]. وليكن معلومًا أن كل ما يضطر إليه المرء من صور شخصية للوثائق الرسمية، فهذا مباح جائز للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وهذا من تيسير رب العالمين على خلقه وعباده.

 

اللهم حسّن أخلاقنا كما حسَّنت خَلْقنا، وأصلح جميع أحوالنا، وتولى سائر أمورنا، ودبر لنا الأمور يا كريم، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

 

دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

 

المرفقات

_فأحسن_صوركم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات