وصايا للأمة

صالح بن محمد آل طالب

2015-12-12 - 1437/03/01
عناصر الخطبة
1/ أحوال المسلمين وواقعهم 2/ تكالُب الأعداء على الأمة المسلمة 3/ خطورة الأفكار الداعشية على الأمة 4/ سبيل تفعيل التضامن المجتمعي والبعد عن التفتيت 5/ وصايا للنهوض بالأمة وتحقيق النصر والتمكين.
اهداف الخطبة

اقتباس

إننا نرى العالَم البعيد، ومهما أوغلَ في علمانيَّته أو إلحاده، فإنه يستحضِر دينَه عند أزماته وكُروبه، ويتحدَّثُ عن مُبارَكة الربِّ لجيوشِه وحُروبه. وفي الوقت نفسِه فإن مخذُولين من بيننا كلما ضاقَت بنا الدوائِر، واستحكمَت الأزمات، نشَطوا في جعل قبضة الدين تسترخِي في حياتنا، ومظاهر التديُّن تقلُّ في مُجتمعاتنا، وروَّجُوا لأسباب الشهوات حتى تستسلِم النفوسُ لخدَرها، وتلهُو عن مخاطِر ما في غدِها.. إن الأمة التي نزل بها البلاء، واستُهدِفَت في دينها وأراضيها، يجبُ أن تكون أبعدَ الناس عن اللهو والترَف، وأن تصرِف جهودَها وطاقاتها للتقرُّب لخالِقها وبارِيها، وأن تُخلِصَ لله الدين، وتُقلِع عن المعاصي والشهوات، وتهجُر الذنوبَ والمُنكرات، وأن تأخذ على يد السفهاء...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله جعل الأيام بين عباده دُولاً، وصيَّر تصاريفَ الأقدار في أحوالهم مُثُلاً، يُحيلُ عليهم الأحوال وإن لم يبغُوا عنها حِولاً، ليعلَموا أن هذه الدار ليست لحيٍّ نُزُلاً ولا لمُستبصرٍ غايةً أو لعاقلٍ أملاً، الحمدُ لله أعدَّ الجنةَ للصابرين مُستقرًّا ونُزُلاً.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مُستوٍ على عرشه في الملكُوت العُلى، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه به أنارَ الله الكونَ وبه الجهلُ انجلَى، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابِه الأُلى كانوا خيرَ جيلٍ وأكرمَ موئلاً.

 

اللهم ربَّنا لك الحمدُ كما خلقتَنا ورزقَتنا وهديتَنا وعلَّمتَنا، وأنقذتَنا وفرَّجتَ عنَّا، اللهم إنا نسألُك شُكرَ نعمتك، وحُسن عبادتِك، ونعوذُ بك من زوال نعمتِك، وتحوُّل عافيتِك، وفُجاءة نقمتِك، وجميع سخَطِك.

 

أما بعد:

فأُوصِيكُم - أيها الناس - بما وصَّى الله به الأُمم الغابِرة، كما وصَّى الأمةَ الحاضِرة: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131].

من تنبَّه سلِم .. ومن غفَلَ ندِم، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) [فاطر: 3].

 

أيها المسلمون:

إننا في هذا العالَم المُلتهِب في كل نواحِيه، وزمن المُتغيِّرات المُتسارِعة حوله وفيه، لنحن أحوجُ من أي زمنٍ إلى التشبُّث بمُكتسبَاتنا تديُّنًا ووطنًا وأمنًا وائتلافًا؛ فإنه سُرعان ما تحلُّ الأقدار، وتتغيَّر الأحوال.

وليس لنا وعدٌ عند ربِّنا ولا عهد بأن يُديمَ لنا النعم، ويدفَع عنا النِّقَم إلا ما جرَت به سَنَنُه، ونطقَ به كتابُه العزيز.

 

وقد جرَت سُنَّةُ الله بأنه لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفُسهم، كما جرَت سُنَنُه بأنه لا يُصلِحُ عملَ المُفسِدين، وقد نزل وحيُ الله بسُنَّةٍ أجراها على الأُمم قبلَنا، وهي تجري علينا لا محالة، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96].

 

إننا وفي هذه الأيام، والتي تتربَّصُ فيها بالأمة قُوًى لا طاقةَ لنا بها بمقاييس الخلق، فإننا أحوجَ ما نكونُ لتقوية الحبل بالخالق، فهو العاصِمُ من كل ما سِواه، ولا عاصِمَ لأحدٍ منه مهما بلغَت قُواه.

 

حبلُ الله الذي يُخلِفُ ظنَّ اليائِس، وتتغيَّرُ به القُوى والموازين .. حبلُ الله الذي بردَت به النارُ على إبراهيم، ويبَسَ البحرُ لموسى، وبه انسابَ لُطفُ الله على نبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وعلى المُسلمين معه، مُذ كانوا قلَّة وأذلَّة، وحتى بلغَ حكمُهم المُشرقَين.

لُطفُ الله الذي صحِبَ من طلبوه بحقِّه، وتلمَّسُوا أسبابَه، فأورثَهم تأييدًا وعزًّا وغنًى.

 

وإننا هنا وفي هذه البلاد السعودية بالذات، رأينا هذا اللُّطفَ وهذا التأييد كيف تجلَّى وماذا أثمَر. فإنه في الوقت الذي كان العالَمُ يعترِكُ ويتصارَعُ في الحربين العالميَّتين مُستخدِمًا أعتَى ما وصلَ له العقلُ البشريُّ من أسلِحةٍ في حينها، نتجَ عنها قتلُ ما يزيدُ على سبعين مليون إنسان، ولم تتمدَّد دولةٌ من هذه الدول أو تتسِع شِبرًا واحدًا.

 

وفي الوقت نفسه قد مكَّن الله لنا في هذه البلاد، ووحَّد لنا أرجاءَها بأسبابٍ بدائية، وتكاليف محدُودة، نتجَ عن ذلك أمنٌ وأُلفة، وكنوزٌ من باطن الأرض قلَّ وجود نظيرٍ لها في العالَم؛ إذ إن بُناةَ هذه الديار ومُوحِّدي هذه الأرض كانوا مُوحِّدين لله قبلاً، وصالِحين أصلاً، فيسَّر الله لهم ما لم يتيسَّر لمن هم أقوَى منهم عُدَّةً وأكثر عددًا. وهو المشهدُ ذاتُه الذي كان في الصدر الإسلاميِّ الأول، وهي قبل ذلك وبعدَه سُنَّةُ الله الماضِية.

 

أيها المسلمون:

إن قوتَنا المادية كعربٍ ومُسلمين مُتفرِّقين في هذه الأزمِنة لا تُقارَنُ بقوة غيرنا، وقد بدَت مطامِعُ الأعداء تكبُر، وتربُّصهم بالأمة يظهَر، وليس لنا حامٍ بحقٍّ إلا الله.

 

وإننا في الوقت الذي يجبُ علينا أن نمتثِلَ قولَ الله - عز وجل -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [الأنفال: 60]، فنبنِي قوةً ماديةً تردَعُ الطامِعين، فإنه يجبُ علينا في الوقت نفسِه أن نُعنى بالقوة المعنوية، وهي المُحافظةُ على مُكتسَب الدين وتقويته، فإنه السلاحُ الذي لم يخِب، والدرعُ الذي لم يخذُل.

 

وإن أيَّ هتكٍ لستر الدين في مُجتمعنا، وفي هذا الوقت بالذات، لهي خيانةٌ للوطن، ومُحاولةٌ لرفع يد الله ولُطفه عنَّا، خصوصًا ما كان مُعلنًا منه ومُجاهَرًا به.

 

إن دينَ الإسلام ليس ضمانًا للآخرة فحسب؛ بل هو سببُ بقاء الأمة في الأرض وإثباتُ هويَّتها، وإلا فليست بشيءٍ دونَه. ومن خيانة الأمة أن تبرُد عاطفتُها تجاهَ حقوق الله، وأن تجعلَ حبَّها وبُغضَها مُرتبطًا بمصالِحِها لا بمبادِئِها. ولم يُفلِح الأعداءُ في النَّيل من الأمة إلا حين تفرَّقَت وتمزَّقَت، وتجافَت عن ربِّها وغفلَت.

 

إننا نرى العالَم البعيد، ومهما أوغلَ في علمانيَّته أو إلحاده، فإنه يستحضِر دينَه عند أزماته وكُروبه، ويتحدَّثُ عن مُبارَكة الربِّ لجيوشِه وحُروبه. وفي الوقت نفسِه فإن مخذُولين من بيننا كلما ضاقَت بنا الدوائِر، واستحكمَت الأزمات، نشَطوا في جعل قبضة الدين تسترخِي في حياتنا، ومظاهر التديُّن تقلُّ في مُجتمعاتنا، وروَّجُوا لأسباب الشهوات حتى تستسلِم النفوسُ لخدَرها، وتلهُو عن مخاطِر ما في غدِها.

وهذه هي ساعةُ الصفر التي نُكِبَت عند بلوغها الأمة في تاريخها الطويل، وفي تواريخ الأندلُس وبغداد الخبرُ والعِبَر.

ومن غدَا لابِسًا ثوبَ النعيم *** بلا شُكرٍ عليه فإن الله ينزِعُه

 

إن الأمة التي نزل بها البلاء، واستُهدِفَت في دينها وأراضيها، يجبُ أن تكون أبعدَ الناس عن اللهو والترَف، وأن تصرِف جهودَها وطاقاتها للتقرُّب لخالِقها وبارِيها، وأن تُخلِصَ لله الدين، وتُقلِع عن المعاصي والشهوات، وتهجُر الذنوبَ والمُنكرات، وأن تأخذ على يد السفهاء، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) [الذاريات: 50].

 

أيها المسلمون:

ومن أعظم مُكتسباتنا: نعمةُ الاجتماع والائتِلاف، وقد أمرَ الله بها وامتنَّ بها على من قبلَنا، (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103].

فمع التفرُّق لا يمكن التمتُّع بأيِّ نعمة. وقد رأينا ولم نزَل نرى ديارًا شاسعةً تجري الأنهارُ فوقها، وتستبطِنُ الكنوزَ أرضُها ما زادَتهم الأيام إلا فقرًا، ولا الليالي إلا ذُعرًا، حتى هاجروا من بلادهم وهجروها، وفضَّلوا العيش بذلٍّ في غير ديارهم، نُشدانًا للأمن وطلبًا للسكون. عافاهم الله وكشفَ بلواهم.

ومن تربَّى في العافية قد لا يعلم ما يُقاسِيه المُبتلَى، ولا يعرفُ مقدارَ النعمة التي هو فيها.

 

وحتى تبقى لنا النِّعم فلا بُدَّ من المُحافظة عليها بأسبابها، وخاصَّةً ما يكونُ سببًا رئيسًا هذه الأزمان، ومُفرِّقًا للجماعة ومُمزِّقًا للأوطان، وأعني بذلك: الكتابةَ واللسان.

 

عباد الله:

إن البشرية لم تشهَد في تاريخها تيسيرًا لنقل الكلمة وطرح الرأي، ونقد الأشخاص والمُجتمعات كما شهِدَت هذه الأيام، وذلك بتوفُّر وسائل الإعلام عمومًا، والمُجتمعيِّ منها خصوصًا. ورغم إمكان إيجابية هذا الأمر إلا أننا رأينا المُرَّ في ذلك؛ فقد استغلَّها كثيرون للاختلاف وليس مُجرَّد الخلاف، وللتشاحُن والتنابُز والتباغُض والاتهام.

 

ومما يُؤسَفُ له: أن بعضًا من المُتديِّنين فيما بينهم لهم حظٌّ من هذا الخِصام، في تتبُّعٍ للزَّلَل، وتصيُّدٍ للعثرات، وإسقاطٍ للشخصيات.

 

ونجِد التناحُر والتعيير حاضرًا في البُعدَين القبليِّ والمناطقيِّ، ويلتهِبُ أكثر في الميدان الرياضيّ، وقد صّرنا نرى أثرَه السلبيَّ يكبُر يومًا بعد يوم.

 

أيها المسلمون:

إن أكثر خلافاتُكم تلك ترفٌ لا يليقُ بكم وقت السِّلم، فكيف وأنتم في حال حرب؟!

إن أكثر ما يُخاصِم ويُشيعُ الكراهيةَ في المُجتمع بخِصامه مكفيٌّ بحُكَّام ومسؤولين وعلماء وهيئات شرعىية ومُؤسسات دولة، فلِم التخوين والتبديع؟! ولمَ الاتهام في الولاءات وسَلب المُواطَنة؟!

 

يتولَّى كِبر ذلك أناسٌ لا صفةَ لهم ولا رُسوخ، وإنما لأجل اللَّجَج في الخصومة، أو طلب الشُّهرة وتصفية الحسابات، وإلا فإن النصيحة معروفة السبيل، وتبليغ رجال الأمن عن خطرٍ حقيقيٍّ مُتاحٌ ومُمكن.

 

وقد عابَ الله على أقوامٍ أنهم إذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعُوا به، (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83].

 

ليس من المصلحة ولا من الأدب اتخاذُ الكتابات وسيلةً للنَّيل من الآخرين، أو تتبُّع العيوب في الجهات والأفراد، في إساءةٍ بالغةٍ للوطن، تشرعُ للمُغرِضين أبوابَ الاتهامات للبلد وأهله، وتجلِبُ الاتهامات للوطن.

 

إن الوطنيين حقًّا هم الذين يُدافِعون عن أوطانهم ومُواطنيهم وتُراثه وعقيدته وأرضه، في المنابِر الإعلامية والسياسية. وفي الإخلاص لأمتهم في كل ثغرٍ يعملُ فيه المُؤمن ويُؤدِّي أمانتَه. المُواطِنون حقًّا هم من يقِفون على حدود البلاد مُناضِلين عن العقيدة والوطن، والأرض والعِرض.

 

إن الأبطال الذين يجبُ أن ينشغِل بهم الإعلام هم الساهِرون على الثُّغور في حرِّ الصيف، وزمهرير الشتاء، قدَّموا أرواحَهم، وترمَّلت نساؤُهم، وتيتَّمَ أطفالُهم، لأجل أن نأمَن في دُورنا، وننعَم بأُسرنا، ولأجل أن يصنَعوا تاريخًا جديدًا مُشرِّفًا للأمة كلِّها. ومن خلفِهم رجالٌ مُخلِصون، أولئك هم الذين يستحقُّون الكتابة والخطابة والدعم والدعاء.

 

أيها المسلمون عامَّةً، وفئةَ الشباب خاصَّة:

اشتغِلوا بما ينفعُكم، وتذكَّروا نعمةَ الله عليكم، وحاذِروا زوالَها وأسباب زوالها، والزَموا الجديَّة في كل شُؤونكم، فإن الرخاءَ لا يدُوم إلا بالعمل الجادِّ، وسُلوك سبيله، والتجافِي عن المُعوِّقات والمُهلِكات، ومن أهمها: طاعةُ الشيطان، وخيانةُ الأوطان.

 

والوفاءُ للأوطان مبدأٌ زالَ من نفوس الجاحِدين، وفَت وهَجُه في نفوس بعض المُتوهِّمين؛ حيث ظنُّوا أن الوفاءَ للوطن القريب وحبِّه يُؤثِّر على عالمية الإسلام وكون المُسلمين إخوة.

 

والواقعُ: أن من لم يكن له خيرٌ لوطنه، فخيرُه عن باقي بلاد الإسلام أبعَد، ومن جحَد حقَّ أهله الأدنَين فهو لما سِواهم أجحَد.

 

وقد سالَت مشاعرُ الوفاء من قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - الكبير تجاه بلاده مكة، وهي لم تزَل حينئذٍ في ظلِّ الكفر وحِماه، ولم يزَل أهلُها له ولدينه مُؤذُون وصادُّون، ولم يقبَل عرضَ جبريل - عليه السلام - بأن يُطبِق عليهم الأخشبَين - وهما جبالٌ بمكة -، كما أنه حين دخلَها فاتحًا، وساكِنوها لم يُسلِموا بعد لم يهدِم حجرًا، أو يُغيِّر معلَمًا سِوى الأصنام التي في الكعبة المُشرَّفة، فضلاً أن يقتُل أو يُخرِّب في بلده.

 

بل بلغ وفاؤُه ما رواه جُبير بن مُطعِم - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أُسارى بدر: «لو كان المُطعِم بن عديٍّ حيًّا وكلَّمني في هؤلاء النَّتنى لتركتُهم له»؛ متفق عليه.

 

وانطلاقًا من هذين المعنيين الكريمين في الوفاء للوطن، والوفاء لصاحب المعروف ولو كان غيرَ مُسلم، يتبيَّنُ المدى البعيد والفَجوةُ الأخلاقيةُ الواسِعة بين المُعتَدين على أوطانهم بقتلٍ وتفجيرٍ وإيذاءٍ وإرهاب، وبين ما كان عليه نبيُّنا محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وشريعةُ الإسلام. فكيف إذا كانت بلادُهم بلادَ إسلام وأهلُها مُسلمون؟!

 

لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مُتقبِّلاً لشفاعة كافرٍ كان يحوطُه بحمايته في كفارٍ مُحاربين، فكيف بمن يُقدِمُ على قتل رِجال أمنه وهم مُسلِمون؟!

 

إننا نُخاطِبُ هنا مُختطَفي العقول من قِبَل عصاباتِ "داعش" وقياداتها، وليس خطابُنا للقيادات نفسها؛ لأن الأيام والوقائِع أثبتَت أن مُنطلقات قياداتها ليست دينية، وإن تظاهَرت بذلك، وليست مُشكلتُهم فهمًا مُحرَّفًا للدين وإن استخدموه في خطابهم؛ بل إن إسلامَهم ابتداءً محلُّ شكٍّ كبيرٍ عند كثيرين، وعدمُه محلُّ جزمٍ عند الأكثر.

 

ولكن الخطاب لمن أسلَم عقلَه لمن لا يُعرف شخصُه، فضلاً عن دينه، فأسلَمهم روحَه ليُزهِقَ بها أرواحًا من أهله، ووهبَهم نفسه ليُريقَ به دماءَ مُواطنيه، وأعطاهم مِزَع جسدِه ليهدِم في بلاده مباني ويُقوِّضَ معاني. وإنما بُعِث النبي - صلى الله عليه وسلم - رحمةً للعالمين.

 

قال ابن تيمية - رحمه الله -: "الدينُ كلُّه يدورُ على الإخلاص للحقِّ ورحمةِ الخلق".

فيا أيها المخدُوعون، وتحسَبون أنكم على رُشد! إن خسارةَ الدنيا وإن عظُمَت، فإن خسارةَ الآخرة أعظَم، والمُجازفةَ بالمصير الأُخرويِّ فاجِعةٌ ليس لها استِدراكٌ ولا تلافِي، فآياتُ الله وأحاديثُ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - جليَّةٌ في مصير المُنتحِر، وقاتل المُسلم.

 

فلِم الحيدةُ عن المُحكَم إلى الضلال، ولِم التهوُّك في الأموال والأرواح؟! ولم يزَل من شباب المُسلمين من هانَت عليه نفسُه وآخرتُه ووطنُه ومُواطِنوه فأسلَمَها لعصابةٍ يغلِبُ على الظنِّ عداؤُها لدين المخدُوع نفسِه ووطنه، وهُزئِها بأهله ومُعتقَده. فتزهَق روحُه هباءً في الدنيا، ويستحقَّ الوعيد الشديد في الأُخرى.

 

إن من خطَّط لتلك الاعتِداءات لا يَعنيه مُعتقَد القاتل والمقتُول، ولا يهمُّه مذهبُ من يُصلِّي في هذا المكان أو ذاك، بقدر ما يعنِيه خلخلةُ هذا الوطن، ومُحاولة هتك نسيجِه. فالفتنةُ هي الغاية، وقد حاولوا الضربَ على هذا الوتَر مرات، فلم يُفلِحوا - بحمد الله -، ووعيُ مُواطني هذه البلاد حجرُ عثرةٍ في أن ينجَحوا.

 

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش: 1- 4].

 

بارَك الله لي ولكم في القرآن والسُّنَّة، ونفَعَنا بما فيهما من الآياتِ والحكمةِ، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ الله تعالى لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وهو المحمُود في عليائِه، والشكرُ له وهو المُنعِمُ في أرضِه وسمائِه، أشهَدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهَدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخيرتُه من أنبيائِه وأصفيائِه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

 

أيها المسلمون:

في هذه الأيام وحيث بلغَ الكيدُ ببلاد الشام والشاميين ذروتَه، في تآمُرٍ على الأرض والدين والشعب، نتلمَّسُ نورًا من هنا، من حيث اجتمعَت وفودٌ تُمثِّلُ أهلَها هناك، فإن رجاءَنا أن يجعل الله في اجتماعهم البركة لأهليهم، وأن يكونوا فألاً ومفاتيحَ خيرٍ لمُواطنيهم.

 

فإن الحالَ قد بلغَت بالشاميين ما يجبُ معه أن تتنازَل الفصائلُ والجماعات عن حظوظهم، لتحقيق مكاسِب لبلادهم، وقد وفَّقهم الله جميعًا للاتفاق على وثيقة الرياض، والتي نأملُ أن تكون بدايةً للملَمة الجِراح، وكفكفة الدمع، وطيِّ بِساط المأساة، وانطِلاقةً للخير للشام، ورفعًا للظلم ودفعًا للظالِم. فإن الاجتماع بحدِّ ذاته نصرٌ قبل النصر، والائتِلاف أولُ تباشير الظَّفَر. كان الله في عون المُخلِصين.

 

ومما يُؤكَّدُ عليه في هذه الأيام وبصفةٍ عاجلة: أن تزدادَ الإغاثةُ للسوريين في الغذاء والملبس والفُرُش، فإن الشتاءَ في هذا العام أكثرُ قسوةً مما سبق، والمُهجَّرون داخل الحدود وخارِجها كثيرون، والمُواساةُ واجبة، وهي حقٌّ لإخواننا وليست منَّة.

 

فجُودوا بما جادَ الله به عليكم، وأعينُوا إخوانَكم على قسوة الشتاء، وقسوة الجُوع، وقسوة العدوِّ الباغي.

 

ولئن كان واقعُ الشام بلاءً لأهلها كيف يصنَعون، فإن حالَهم أيضًا بلاءٌ لغيرهم كيف يقِفون ويُسانِدون! ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعد، والله مُطَّلعٌ يسمعُ ويرى، ولو شاءَ الله لانتصرَ منهم، ولكنه - سبحانه - يُمضِي الأقدارَ لآجالٍ معلومة، وحِكَم مُحدَّدة.

 

والجامعُ لذلك كلِّه: حديثُ نبيِّنا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، والذي يأسُوا الجراح، ويُكفكِفُ الدمع: «عجبًا لأمر المُؤمن، إن أمرَه كلَّه له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمُؤمن، إن أصابَته سرَّاءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرَّاءُ صبرَ فكان خيرًا له» (رواه مسلم).

 

ومع أن الأمةَ تشهَدُ مخاضًا صعبًا، ومُكابدةً قاسِية، فإني أرى خلالَها تباشيرَ الصباح، والرصاصُ يشتدُّ ويتماسَكُ بحرارة الذوبان، والذهبُ لا يخلُص إلا بمسِّ النار، وإذا اشتدَّت ظُلمةُ الليل طلعَ الفجرُ وأشرقَ الصباح. وكم في الحياة من ألمٍ يُخفيه الأمل! (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].

 

أيها المسلمون:

وفي فلسطين ثمَّة حراكٌ وتغيُّرٌ في المُواجهة، يدخلُ شهرَه الثاني، نتجَ عنه شُهداءُ وجرحَى وأسرَى، كما نتَجَ عنه استِنزافٌ ورهَقٌ للعدُو، للتذكير بأن الظُّلم وإن طالَ زمنُه فلا يُمكن نسيانُه بأنه ما زالَ ظُلمًا، وطولُ أمد الاحتِلال لا يُكسِبُه المشروعية، وأن اعتِراف دُولٍ بحقِّ اللصِّ في السرقة والاعتِداء لا يُغيِّرُ من حقائق الأمور شيئًا.

 

فمُقاومةُ الفلسطينيين جهاد، وتمسُّكهم بأرضهم رباط، وقتلُ من قُتل منهم شهادةٌ بإذن الله، فهم موعودون بالظفَر في عاقبة الأمور، كما هم موعودون بعظيم الأجر يوم النشور.

 

ومما يُؤلِمُ كلَّ مسلمٍ في هذه الأيام: ما يراهُ من صُور حِصار الفلسطينيين، وشدَّة حاجتهم للعُبور لعلاجٍ مُلِحٍّ أو لضيقِ حالٍ، مع تعرُّضهم المُستمر للقتل والتضييق.

 

إن على كل قادرٍ من حُكَّام المُسلمين رفعُ هذا الرَّهَق عنهم، ومن فرَّج عن مُسلم كُربةً فرَّج الله عنه، ومن ضيَّق على مُستضعَفٍ فإنه مُعرَّضٌ لتضييق الله عليه ولو ساندَه العالَم كلُّه.

 

عباد الله:

وفي اليمن لم يزَل الباغُون هناك يبذُلون المالَ والجُهد، ليس لمصلحَة وطنٍ أو استِقرار شعبٍ، وإنما لأجل مسخِ هويَّته وارتِهان أهله لهم، وتسخير البلاد والعباد لمصلحة الغريب البعيد. أعانَ الله اليمانيين على استِتباب الأمن، وتطهير الأرض.

 

وإننا ندعُو الله أن يُكلِّل بالنجاح كلَّ المساعي التي تُبذلُ لحقن الدماء، وتوحيد الأرض، وجمع الكلمة، وما يُبذل لتحقيق التنمية والأمن والسِّلم.

 

ولهذه البلاد ولدول الخليج سبقٌ وريادة، وعسى أن يكون في اجتماعهم الأخير أُلفةٌ وقوَّةٌ لدُولهم وللعرب وللمُسلمين، فإن عاصمة القرار في الرياض محطُّ أنظار المُسلمين في القوة السياسية والاقتصادية، وهي موطِنُ الحرمين الشريفين، ومأرِزُ الإسلام، حرسها الله وبارك جُهدها، ورعَى الله كل من بذلَ للإسلام والمُسلمين.

 

اللهم إنا نبرأُ من حولنا وقوتنا إلى حولِك وقوتك، (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [يونس: 85، 86].

 

ثم صلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّ الله محمدِ بن عبد الله.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن صحابةِ رسولِك أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الطُّغاةَ والملاحِدة والمُفسِدين، اللهم انصُر دينَك وكتابَك وسُنَّة نبيِّك وعبادَك المؤمنين.

 

اللهم انصُر المُجاهدين في سبيلِك في فلسطين، وفي بلاد الشام، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم أنقِذ المسجد الأقصَى والمُؤمنين فيه وحولَه من عُدوان المُعتدين، وظُلم المُحتلِّين، اللهم عليك بالصهاينة المُعتدين فإنهم لا يُعجِزونك.

 

اللهم كُن لإخواننا في فلسطين، وفي سُوريا، وفي كل مكان، فإنه قد عظُم عليهم الخَطب، واشتدَّ الكرب، ولا ناصِر إلا أنت سُبحانك، فاللهم عجِّل بالنصر والفرَج.

 

اللهم احفَظ بلادَنا وبلادَ المُسلمين من كل سُوءٍ ومكروه، اللهم من أرادَنا وأرادَ الإسلام والمسلمين بسُوءٍ فأشغِله بنفسِه، ورُدَّ كيدَه في نحره، اللهم من أرادَ بلادَنا وولاتنا وعلماءَنا وعامَّتنا بسوءٍ فأشغِله بنفسه، واجعَل دائرةَ السَّوء عليه يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّ وترضَى، وخُذ به للبرِّ والتقوى، اللهم وفِّقه ونائبَيه وإخوانَهم وأعوانَهم لما فيه صلاحُ العباد والبلاد.

 

اللهم وفِّق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك، واتباع سُنَّة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعَلهم رحمةً على عبادِك المؤمنين.

 

اللهم انشُر الأمن والرخاء في بلادنا وبلاد المسلمين، واكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفُجَّار، وشرَّ طوارِق الليل والنهار.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201]، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 147].

اللهم اغفر ذنوبَنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورَنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالَنا.

 

اللهم اغفر للمُسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ووالدِيهم، وأزواجنا وذريَّاتنا، ربنا اغفر لنا ولوالدِينا ووالدِيهم وذريَّاتهم، وأزواجنا وذريَّاتنا، إنك سميع الدعاء.

نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيوم ونتوبُ إليه.

 

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا، سحًّا طبقًا مُجلِّلاً، عامًّا نافعًا غيرَ ضار، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِر والباد.

 

اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق.

ربَّنا تقبَل منا إنك أنت السميع العليم، وتُب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

سبحان ربِّك رب العزة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المرفقات

وصايا للأمة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات