وصايا بلزوم الاستقامة ورعاية الأقصى

الشيخ محمد سليم محمد علي

2026-04-10 - 1447/10/22 2026-04-12 - 1447/10/24
عناصر الخطبة
1/وجوب الاستقامة على أمر الله تعالى 2/بيان معنى الاستقامة وأثرها في الفرد والمجتمع 3/التحذير من الابتداع في الدين 4/الوصية بالتوبة والتحذير من الإفراط والتفريط 5/الوصية بعمارة المسجد الأقصى ورعايته

اقتباس

إنَّ استقامتَكم على دوامِ العملِ بأحكامِ شريعتِكم هي الاستقامةُ الفرديَّةُ والجماعيَّةُ من الأمةِ كلّها. فاجتمِعوا -يا مسلمون- على كتابِ ربِّكم واعتصِموا به كما أمرَكم الاعتصامَ به، فهذا الاجتماعُ عليه هو رأسُ الاستقامةِ. لا تختلفوا على سنَّةِ نبيِّكم -صلى الله عليه وسلم-؛ فالاختلافُ عليها اعْوِجَاجٌ يَمْقُتُهُ اللهُ ورسولُه...

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين؛ أتمَّ علينا نعمتَه بالصلاةِ في المسجدِ الأقصى تَتْرَى، وردَّنا إليه مرةً أُخرى، فاشكُرُوا اللهَ -يا عبادَ اللهِ- على هذه النعمةِ، بالاستِقامةِ على دِينِه وكتابِه، وعلى تبليغِ رسالتِه، كما أمرَكم فقال: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)[هُودٍ: 112].

 

وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ؛ جعلَ ذُلَّنا وخُضُوعَنا له أساسَ استِقامتِنا على دِينِه وشرعِه، فقال لرسولِه: يا محمدُ؛ قُلْ: (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[غَافِرٍ: 66]، وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه؛ قال له سُفيانُ بنُ عبدِ اللهِ: يا رسولَ اللهِ؛ قُلْ لي في الإسلامِ قولًا لا أسألُ عنه أحدًا بعدكَ. فقال له: "قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ".

 

فخُذُوا -يا عبادَ اللهِ- بوصيَّةِ ربِّكم ووصيَّةِ رسولِكم؛ فهي وصيَّةٌ تَجمعُ لكم خِصالَ دينِكم كلّها، فاللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على رسولِنا محمدٍ؛ الذي جمعَ الطاعاتِ كلَّها، والذي تركَ المنهياتِ كلَّها، فكان قُدوةَ المُقتدينَ في الاستقامةِ. وصلِّ اللهمَّ على آلِهِ الأبرارِ، وعلى أصحابِه الأخيارِ؛ الذين كانوا نماذجَ في الاستقامةِ على كتابِ ربِّهم، وسُنَّةِ رسولِهم. وصلِّ اللهمَّ على كلِّ مسلمٍ آمنَ واستقامَ، صلاةً وسلامًا دائمَينِ إلى يومِ الدينِ.

 

أما بعدُ، أيُّها المسلمون: إذا سِرتُم في طريقٍ في جهةٍ واحدةٍ، من غيرِ أخذٍ في جهةِ اليمينِ والشمالِ؛ فأنتُم -حينئذٍ- تسيرون في طريقٍ مُستقيمٍ من غيرِ عِوَجٍ. وهذا مثالٌ مُطابقٌ تمامًا لمن استقامَ منكم على امْتِثَالِ أمرِ اللهِ باتباعِ كتابِه، والاهتِدَاءِ بسُنَّةِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيُّها المؤمنون: إنَّ الاستقامةَ على امْتِثَالِ أمرِ اللهِ، والتِزامِ دينِه وشرعِه، ليسَ خيارًا لكم؛ بل هو فرضٌ عليكم، مأمورون به من ربِّكم -سبحانه- الذي أمرَ نبيَّكم وأمرَكم فقالَ: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[هُودٍ: 112].

 

يا أهلَ الإسلامِ: انتبِهوا جيِّدًا؛ الأمرُ في الآيةِ مُلزِمٌ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولمن معه من المُسلمينَ كافَّةً، إلى أن تقومَ القيامةُ.

 

يا عبادَ اللهِ: لقد أمرَكم اللهُ في هذه الآيةِ بأمرٍ، ونهاكم عن شيءٍ، ثم ختمَها بتحذيرِكم؛ أما الأمرُ؛ فهو قولُه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ)، وأما النَّهيُ؛ فهو قولُه: (وَلَا تَطْغَوْا)، وأما التحذيرُ؛ فإنَّ اللهَ -سبحانه- عليمٌ بما تفعلون، بصيرٌ بما تعملون. يعلمُ استِقامتَكم ويعلمُ انحرافَكم، ويُبصِرُ طُغيانَكم، فمَنِ انحرفَ عن دينِه وشرعِه، ومَنِ اتَّصَفَ بصفةٍ من صفاتِ الطُّغيانِ؛ أخذَهُ اللهُ بالذُّلِّ والصَّغَارِ.

 

فكونوا مع دينِكم على بصيرةٍ؛ فربُّنا -تعالى- ذِكرُه- يحُضُّكم -يا مسلمون- على دوامِ التمسُّكِ بدينِكم، على الوجهِ القويمِ الذي شرعَه لكم.

 

يا مسلمون: إنَّ استقامتَكم على دينِكم تعني أن تُديموا العملَ بتعاليمِ الإسلامِ، وأن يبقَى العملُ بهذه التعاليمِ هَمَّكُمُ الذي تُديمون التفكيرَ فيه؛ كي يكون متقبَّلًا من ربِّكم -عز وجل-.

 

يا عبادَ اللهِ: إنَّ استقامتَكم على دوامِ العملِ بأحكامِ شريعتِكم هي الاستقامةُ الفرديَّةُ والجماعيَّةُ من الأمةِ كلّها. فاجتمِعوا -يا مسلمون- على كتابِ ربِّكم واعتصِموا به كما أمرَكم الاعتصامَ به، فهذا الاجتماعُ عليه هو رأسُ الاستقامةِ. لا تختلفوا على سنَّةِ نبيِّكم -صلى الله عليه وسلم-؛ فالاختلافُ عليها اعْوِجَاجٌ يَمْقُتُهُ اللهُ ورسولُه، وهو مُخالِفٌ للاستقامةِ على دينِكم.

 

يا مؤمنون: وكلُّ ذلك من مُعَوِّقَاتِ النُّهوضِ بأمتِنا المسلمةِ؛ لأنَّها -كما نراها اليومَ- تتجافَى قلوبُها وجوارِحُها عن الاستقامةِ على كتابِ اللهِ -تعالى-، وعلى سُنَّةِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم-. وهل ذُلُّ الأمةِ اليومَ إلَّا بسببِ اعْوِجَاجِهَا عن الاستقامةِ على الاعتصامِ بكتابِ ربِّها؟! وهل صَغَارُ الأمةِ اليومَ وَتَبَعِيَّتُهَا للأممِ إلَّا باختلافِها على سُنَّةِ رسولِها -صلى الله عليه وسلم-؟! فهي زاهدةٌ بالعملِ بها، والاهتداءِ بهديِها، والسيرِ على معالِمِها.

 

فلا للمُحدَثاتِ في الدينِ، ولا لِلابْتِدَاعِ فيه؛ لأن ذلك ضربٌ من ضروبِ تنكُّب الاستقامةِ. ولا لِلاسْتِقَاءِ والتلقِّي من مناهجِ غيرِ المسلمين؛ لأنَّ الرَّيَّ الحقيقيَّ لا يكونُ إلَّا بالسُّقيا والتلقِّي من القرآنِ الكريمِ الذي هو أساسُ الاستقامةِ، ومن سُنَّةِ الحبيبِ المُصطفى -صلى الله عليه وسلم-. أَلَمْ يَأْتِكُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ".

 

أيُّها المسلمون: إنَّ انحرافَ الأمةِ عن العملِ بشريعةِ ربِّها -كتابًا وسُنَّةً نبويةً- هو الذي أورَدَها المهالِكَ، وهو الذي أنزلَها هذه المنازلَ من التَّبعيَّةِ لغيرِها من الأممِ، ولو كان هذا الانحرافُ قِيدَ شِبْرٍ؛ فإنَّه يُؤْذِنُ بعقابٍ من اللهِ، لا يَنْزِعُهُ عنها إلَّا باستِقامةِ الأمةِ بالعملِ بالشريعةِ كلِّها.

 

يا مؤمنون: وكيف يكون مؤمنًا حقًّا مَنْ لم يستقِمْ على شريعةِ الإسلامِ؟! وكيف تكون الأمةُ راشِدةً إذا لم تستقِمْ على احتِضانِ دينِها كما تحضُنُ الأمُّ ابنَها؟! هل تتصوَّرون أُمًّا عاقِلةً تُلقي ابنَها دون أن ترعاهُ؟! فكيف إِذَنْ تتصوَّرون أُمَّةً تزعُمُ أنَّها مؤمنةٌ بدينِها ولا تستقيمُ على أحكامِه وشرعِه؛ والإسلامُ أمُّها وأبُوها؟!

 

يا مُسلمون: فلا يكون العبدُ منكم مؤمنًا إلَّا إذا استقامَ على دينِ الإسلامِ. ولا تكون الأُمَّةُ مؤمنةً إلَّا إذا عادَت إلى رُشدِها ووعيِها، واستقامَت على الالتفافِ حولَ شريعةِ الإسلامِ، واتَّخذَتها دُستورًا ومنهاجَ حياةٍ.

 

يا عبادَ اللهِ، يا مُسلمون: أرشَدَكم ربُّكم إلى أولِ معالمِ الاستقامةِ؛ وهي التوبةُ النصُوحُ، فحينَ أَمَرَ اللهُ رسولَه -صلى الله عليه وسلم- بالاستقامةِ على الإسلامِ في الآيةِ التي ذكرناها؛ أمرَه بالتوبةِ هو ومَنْ معَه من الصحابةِ الكرامِ. وإذا كان الصحابةُ مأمورين بالتوبةِ توبةً جماعيةً وهم خيرُ القرونِ؛ فأنتُم أَولى بالتوبةِ النصُوحِ والمُسارعةِ إليها؛ حتَّى تكونوا من أهلِ الاستقامةِ في الدنيا، ومن أهلِ القَبولِ والرضوانِ في الآخرةِ، يقولُ اللهُ -تعالى- مخاطِبًا النبيَّ والمؤمنين: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[هُودٍ: 112].

 

فيا مسلمون: لن تؤمنوا حتَّى تستقيموا، ولن تستقيموا حتَّى تتوبوا. فإن لم يكن إيمانٌ تُصاحِبُه استقامةٌ وتوبةٌ؛ فهي طُغيانٌ، وهي صفةٌ تُغْضِبُ الربَّ وتُهلِكُ العبدَ. فهلَّا وعَيتُم ما أقولُ؟! وهلَّا عقدتُم نيَّاتِكم على تجديدِ الإيمانِ في قلوبِكم، باستقامةِ جوارِحِكم على العملِ بدينِ اللهِ كلِّه؛ لتخرُجوا من هذا الوَهَنِ الذي تتلبَّسون به؟!

 

يا مؤمنون، يا عبادَ اللهِ: إنَّ الإيمانَ الذي يُنجيكم من صفةِ الطُغيانِ، هو -في حقيقتِه- توبةٌ من الذنوبِ الصغائرِ والكبائرِ، كما هو توبةٌ من الشركِ والكفرِ، فتوبُوا من ذنوبِكم كلِّها -صغيرِها وكبيرِها- وتوبوا من مظاهرِ الشركِ والكفرِ والنفاقِ والفسوقِ والعصيانِ. وألْزِمُوا أنفسَكم وجوارِحَكم على هذه التوبةِ الصادقةِ النصوحِ؛ فلا نجاةَ لكم ولا خلاصَ لأُمَّتِنا إلَّا بها.

 

استمِعوا إلى ما قاله ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهما-؛ قال: "مَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- آيَةٌ هِيَ أَشَدُّ وَلَا أَشَقُّ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ"؛ وهي قولُه -سبحانه-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[هُودٍ: 112].

 

فيا مسلمون: توبوا جميعًا أفرادًا وأُمَّةً من الطُّغيانِ الذي نهاكم ربُّكم عنه. وتوبوا من الرُّكونِ إلى الذين ظلموا؛ حتَّى تكونوا مؤمنينَ صِدْقًا، ومُستقيمينَ على دِينِكُمْ حَقًّا. توبوا مِنْ كلِّ هذا حتَّى تخلَعوا عنكم ثوبًا لا يليقُ بمؤمنٍ يحبُّ اللهَ ورسولَه؛ ثوبَ الصَّغَارِ وثوبَ النِّفاقِ. انزَعُوهما؛ كي ينزعَ اللهُ عنكم عذابَ الجوعِ والخوفِ الذي بدأ يَتَنَزَّلُ بكم قبل أن تشتدَّ وَطْأَتُهُ عليكم.

 

أُعِيذُكُمْ يا عبادَ اللهِ، أُعِيذُكُمْ يا مسلمون، أُعِيذُكُمْ يا مُرابِطون، أن تكونوا كالذين ضربَ اللهُ فيهم المثلَ فقال: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)[النَّحْلِ: 112].

 

فيا مسلمون: أيقِنوا بما حذَّركم اللهُ منه بقولِه: (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[هُودٍ: 112]. فَحَذَارِ حَذَارِ من الطُّغيانِ بِصُوَرِهِ العديدةِ! لأن اللهَ مُطَّلِعٌ على كلِّ عملٍ تعملونَه، وأنتم مُحاسَبون عليه يوم تقفون أمامَه للحسابِ يومَ القيامةِ؛ لا تخفى عليه منكم خافيةٌ.

 

أيُّها المسلمون: إنَّ الصُّورةَ المطلوبةَ للاستقامةِ منكم ومن أمتِنا؛ هو أن تستمرُّوا في جهةٍ واحدةٍ هي جهةُ الإسلامِ إيمانًا وعملًا به، فلا تَلْتَفِتُونَ يمينًا ولا شمالًا إلى غيرِه. عن عُثْمَانَ الْأَسَدِيِّ قال: دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: "نَعَمْ، عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاسْتِقَامَةِ، اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ".

 

فاتقوا الله يا مسلمون، واستقيموا ولا تبتدِعوا، ولا تُحدِثُوا في دِينِكم ما نهاكم اللهُ عنه ورسولُه.

 

اللهمَّ ارزُقنا الاستقامةَ على دينِك، وعلى كتابِك، وعلى سُنَّةِ رسولِك -صلى الله عليه وسلم-. اللهمَّ اجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتَّبِعون أحسنَهُ. اللهمَّ آمِنَّا في قُدسِنا وأقصَانَا؛ فأنتَ ربُّنا ومولانا.

 

عبادَ اللهِ: استغفِروا اللهَ وتوبوا إليه، وادعوه وأنتم مُوقنون بالإجابةِ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ. آمَنَّا بكتابِه الذي أنزَلَ، وبرسولِه الذي أرسَلَ. ونشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ، ونشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ عليه، وعلى آلهِ وأصحابِه، وعلى التابعينَ لهم بإحسانٍ إلى يومِ القيامةِ.

 

أما بعدُ، أيُّها المسلمون: نهاكم اللهُ فقال لكم: (وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[هُودٍ: 112]. فهل تعلمون ما هو المقصودُ في قولِه -تعالى-: (وَلَا تَطْغَوْا

 

يا عبادَ اللهِ، يا مسلمون: إنه جُرأةُ الأمةِ -أفرادًا وجماعةً- على مُخالَفةِ ما أمرَهم اللهُ به. فانظُروا إلى أمتِنا؛ هل لم تُخالِفْ -بمجموعِها- أوامرَ اللهِ؟! وهل يُمكِنُنِي أن أتجرَّأَ لأصِفَ الأمةَ بالطُّغيانِ اليومَ؟! الطُّغيانِ الذي أنزلَها منازِلَ الهوانِ؛ حتَّى باتَتْ لا ترُدُّ يدَ لامِسٍ!

 

أيُّها المؤمنون: ومن الطُّغيانِ الذي ينهَاكم اللهُ وينهَى أمتَنا المسلمةَ عنه؛ هو قلةُ الاكتراثِ التي تَتَعَاظَمُ فيها. وعلى سبيلِ المثالِ لا الحصرِ: أمرَكم اللهُ بالأكلِّ من الطيباتِ ومن المالِ الحلالِ؛ فهل كلُّ أموالِكم من الحلالِ؟! وهل كلُّ ما تأكلون وتشربون من الحلالِ؟!

 

أَتركُ الجوابَ لكم، وأعطيكم دليلًا من القرآنِ على أن مَنْ لم يُطِبْ مَطْعَمَهُ ومَشْرَبَهُ، ومن لم يكسبِ المالَ الحلالَ؛ فهو متلبِّسٌ بصفةِ الطُّغيانِ، يقولُ اللهُ -تعالى-: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي)[طه: 81]، فعدمُ الاستقامةِ على شرعِ اللهِ طُغيانٌ مُغضِبٌ للربِّ. فكيف إذا كانت الأمةُ -بأفرادِها وبمجموعِها- شَارِدَةً عن هذه الاستقامةِ؟! فأينَ هي من أوامرِ اللهِ؟!

 

يا عبادَ اللهِ: ومن الطُّغيانِ الذي نهاكم اللهُ عنه: أن لا يتجبَّرَ أحدٌ على أحدٍ. وهذا التجبُّرُ مُتَفَشٍّ في الناسِ: في الأسرةِ، وبين الجيرانِ، وبين الأقارِبِ والمعارِفِ. وهل (الْعَنْتَرِيَّاتُ) على بعضِنا البعضِ إلَّا مظهرٌ قبيحٌ لهذا الطُّغيانِ الذي يغضَبُ اللهُ على مَنْ يتَّصِفُ به؟!

 

يا مسلمون: الكلُّ منكم يسمعنِي، لكن مَنْ منكم يُبادِرُ إلى الاستقامةِ كما أمرَ اللهُ؟! ومتى تنهَضُ الأمةُ من غَفْوَتِهَا وسُبَاتِهَا؟! إِي وَرَبِّي كَأَنِّي بِالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ في أُمَّتِنَا الْيَوْمَ مُنَبِّهًا وَمُحَذِّرًا لها لِيقولَ لها: "جَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ بَيْنَ لاءين؛ بين لَا تَطْغَوْا وَبَيْنَ لَا تَرْكَنُوا".

 

أيُّها المُصلُّون الكرامُ: قبل أن تُغادِروا البلدةَ القديمةَ، تسوَّقوا من متاجِرِها؛ إيمانًا واحتِسابًا، تكافُلًا منكم معهم؛ فإن هذا التسوُّقَ هو صورةٌ من صُوَرِ الاستقامةِ، التي قال فيها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "وَاللَّهُ في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ"، والتي قال فيها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا".

 

يا عبادَ اللهِ، يا أهلَ الإسلامِ: ها أنتُم رجعتُم إلى المسجدِ الأقصى بعد غيابِ عدةِ أسابيعَ، وفرحتُم بعودتِكم إليه، فهنيئًا لكم بهذا الرجوعِ، هَنِيئًا لكم بهذا العَوْدِ الحميدِ، فرِحتُم بهذا العَوْدِ؛ ولكن متى نرجُعُ إلى كتابِ اللهِ وإلى سُنَّةِ نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-؟! ومتى نعودُ إلى قِيَمِ دينِنا وأخلاقِه؟! ومتى تفرحون بالتفافِكم حولَ شريعةِ ربِّكم وهديِه استقامةً وطاعةً وعملًا صالحًا؟! متى نفرحُ بتوبتِنا؟! متى نفرحُ باعتصامِ الأمةِ بخيريَّتِها لتقودَ الأممَ إلى العدلِ والأمنِ والسلامِ؟!

 

أيُّها المسلمون: صلاتُكم في المسجدِ الأقصى استقامةٌ، وغُدُوُّكُمْ ورواحُكم إليه استقامةٌ؛ فدُوروا مع هذه الاستقامةِ حيث دارَت؛ فهي سبيلُ رُشدٍ وصلاحٍ، وطريقُ خيرٍ وهُدًى، وبها تَسْتَظِلُّونَ بالبيتِ الْمُقَدَّسِ الذي على الطُّهرِ والبركاتِ تَأَسَّسَ، وهو قِبلتُكم الأُولى، ومَسْرَى رسولِكم -صلى الله عليه وسلم-.

 

فاللهمَّ أَتمِمْ علينا غُدُوَّنَا ورواحَنَا إلى أقصانَا في كلّ وقتٍ وحينٍ.

 

اللهمَّ انصُرِ الإسلامَ والمسلمين، وانصُرْ كتابَك ودينَك وسُنَّةَ رسولِك يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ اجعلنا من المُستبشِرينَ بالإيمانِ، ومن الفرحينَ بالأعمالِ الصالحاتِ، واجعلنا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.

 

اللهمَّ اصْحَبْنَا الصحَّةَ في أبدانِنا والعِصْمَةَ في دينِنا، وأحسِنْ مُنْقَلَبَنَا، وارزُقنا عافيتَك وطاعتَك ما أَبْقَيْتَنَا.

 

اللهمَّ إنَّا نسألُك اليقينَ والعافيةَ، ونسألُك من الخيرِ كلّهِ ما علمنا منه وما لم نَعلَمْ، ونعوذُ بك من الشرِّ كلّهِ ما علمنا منه وما لم نَعلَمْ.

 

اللهمَّ إنكَ مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ، مَا تَشَاءُ مِنْ أَمْرٍ يَكُونُ؛ نسألُك العفوَ والعافيةَ والمُعافاةَ الدائمةَ في الدينِ والدنيا والآخرةِ.

 

اللهمَّ اقضِ الدَّيْنَ عن المدينينَ، واشفِ المرضى والمُبتلينَ، ورُدَّ الغائبينَ لأهلِهم سالمينَ، واجعَلْ للمسلمينَ من كلّ بلاءٍ عافيةً، ومن كلّ ضيقٍ فَرَجًا.

 

اللهمَّ اغفِر لنا ولوالدينا ولمن لهم حقٌّ علينا، واغفِر اللهمَّ للمسلمينَ والمسلماتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ.

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]. فاذكروا اللهَ يذكُركم، واستغفِرُوه يغفِرْ لكم، واسألُوه يُعْطِكُمْ.

 

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ؛ (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

المرفقات

وصايا بلزوم الاستقامة ورعاية الأقصى.doc

وصايا بلزوم الاستقامة ورعاية الأقصى.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات