وخسف القمر

خالد القرعاوي

2017-08-10 - 1438/11/18
التصنيفات: الخلق والآفاق
عناصر الخطبة
1/ التفكر في السماء وما فيها من آيات 2/ بعض حكم من تخويف الله عباده بالآيات الكونية 3/ حال أهل الإيمان وأهل الغفلة عند الخسوف 4/ أثر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع والكون 5/ بعض المعاصي المتفشية في المجتمع 6/ فساد الأحوال بضياع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اقتباس

عِبَادَ اللهِ: آيَةُ الخُسُوفِ إنْذَارٌ لَنَا وَتَخْوِيفٌ؛ لَيسَتْ ظَاهِرَةً كَونِيَّةً, أو حَرَكَةً طَبِيعِيَّةً, كَمَا يَحْلُوا لِبَعْضِ النَّاسِ وَصْفَهَا؛ إنَّمَا هِيَ إنْذَارٌ لَنَا كَي نَتُوبَ إلى اللهِ، وَنَرْجِعَ عَمَّا بَدَرَ مِنَّا مِنْ مَعْصِيَةٍ وَتَقْصِيرٍ، بَلْ هِيَ أَقْوَى...

الخطبة الأولى:

 

الحَمدُ للهِ أَوْجَدَ الكَائِنَاتِ فَأَبْدَعَها وَأَحْكَمَهَا خَلْقَاً، نَحمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَشْكُرُهُ، لَمْ يَزَلْ لِلشُّكْرِ مُسْتَحِقَّاً.

وَنَشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، تَعَبُّداً لَهُ وَرِقَّاً، وَنَشْهَدُ أنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَبْلَغُ الخَلْقِ بَيَانَاً وَأْصَدَقُهُمْ نُصْحَاً، صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ والتَّابعينَ وَمَنْ تَبعَهم بِإحْسَانٍ وَإِيمَانٍ، وَمَنْ نَصَرَ دِينَ اللهِ حَقَّاً وَصِدْقَاً.

 

أَمَّا بعد:

 

أيُّها النَّاسُ: اتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى- وَتَفَكَّروا فِي السَّمَاءِ فَفِيهِا آيَاتٌ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ، جَعَلَ فِيهَا سِرَاجَاً وَقَمَراً مُنِيرَاً، يَسيرَانِ بِإذْنِ اللهِ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ, وَضَعَهُمَا اللهُ لا يَنْقُصَانِ عن سَيْرِهِمَا وَلا يَزِيدَانِ! لا يَرْتَفِعَانِ وَلا يَحِيدَانِ! فَسُبْحَانَ مَنْ سَيَّرَهُمَا بِقُدْرَتِهِ, وَرَتَّبَ نِظَامَهُمَا بِحِكْمَتِهِ.

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ: أَنْ يُرْسِلَ آيَاتٍ تَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، لِيَثُوبَ النَّاسُ إلى رَبِّهِم بَعْدَ طُولِ قُصُورٍ وَفُتُورٍ، وَلِيَخَافَهُ الْمُذنِبُونَ بَعْدَ غَفْلَةٍ وَغُرُورٍ، وَلِيُقْلِعَ أَهْلُ الشَّرِّ وَالفَسَادِ وَالشُّرُورِ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: (وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) [الإسراء: 59]، وَقَالَ اللهُ -تَعالَى-: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [البقرة: 187].

 

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَرَانَا اللهُ -تَعَالَى- آيَةَ خُسُوفِ القَمَرِ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلائِلَ, فَكَانَتْ بِحَقٍّ آيَةً وَعِبْرَةً, فَزِعَ أُنَاسٌ إلى الصَّلاةِ وَخَافَوا رَبَّهُمْ واسْتَغْفَرُوهُ, وَأَنَابُوا إليهِ وَكَبَّرُوهُ!

 

أيُّها المُؤمِنُونَ: اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ تَعَالى- أَنَّ الآيَاتِ لِلصَّالِحِينَ رَحْمَةٌ وَبُرْهَانٌ، يَزْدَادُونَ بِهَا إيمَانًا وَيَقِينًا، وَتَمْلَؤ قُلُوبَهُم خَوْفَاً وَدِينَاً! بَيْنَمَا الآيَاتُ لِأَهْلِ الغَفْلَةِ إِقَامَةٌ لِلْحُجَّةِ وَقَطْعٌ لِلمَحَجَّةِ, وَإمْهَالٌ لِلظَّلَمَةِ، سَمِعَ ابنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِخَسْفٍ، فَقَالَ: "كنَّا أَصْحَابَ مُحمَّدٍ نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوِيفًا"، ذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ الاتِّعَاظِ: يَكُونُ بِالتَّمسُكِ بِدينِ اللهِ -تَعالى-.

 

وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ: مَتَى السَّاعَةُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ لِلسَّائِلِ: "وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا" إي -واللهِ- إنَّ الدَّنْيا لَفَانِيَةٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ, فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟! (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ) [التوبة: 126].

 

فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ قُلُوبُهُم لا تَخْشَعُ؟ وَإلى الصَّلاةِ لا تَفْزَعُ؟! فَنَبِيُّ اللهِ وَحَبِيبُ اللهِ وَأَخْشَى النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ: يَفْزَعُ عِنْدَ الكُسُوفِ، ويَخْرُجُ إلى مَسْجِدِهِ يَجُرُّ رِدَاءً! بَلْ دِرْعَ زَوجَتِهِ يَظُنُّ أنَّ مَعَهُ رِدَائَهُ مِنْ شِدَّةِ فَزَعِهِ وَخَوْفِهِ وَرَهْبَتِهِ، قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: "كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَفَزِعَ فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ"، ثُمَّ أمَرَ مُنادِيَاً فَنَادَى نِدَاءً غَرِيبَاً وَجَدِيدَاً: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمِعُ النَّاسُ مَذْهُولِينَ مَدْهُوشِينَ! وَصَلَّى بِهُمُ النَّبِيُّ الأكْرَمُ صَلاةً غَيرَ مَعْهُودَةٍ لَهُمْ! صَلَّى رَكْعَتَينِ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَسُجُودَانِ، صَلاةً طَويلَةً جِدَّا حَتَّى جَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَخِرُّونَ أرْضَاً, قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: "خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: آيَةٌ، قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَطَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْقِيَامَ جِدًّا، حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ، قَرِيبَاً مِن الإغْمَاءِ, قَالتْ: فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي، أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِن آيَاتِ اللهِ لا يَنْخَسِفَانِ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلى الصَّلاةِ، فَافْزَعُوا إلى ذِكْرِ اللهِ, وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ, فَإذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكبِّرُوا وَصُلُّوا وَتَصَدَّقُوا. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغيرُ مِن اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبدُهُ أَو تَزْنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللهِ لَو تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَليلا وَلَبَكَيتُمْ كَثِيرَاً، مَا مِنْ شَيءٍ تُوعَدُونَهُ إلاَّ قَدْ رَأَيتُهُ فِي صَلاتِي هَذِهِ، وَأُوُحيَ إليَّ أنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكمْ قَرِيبَاً أَو مِثْلَ فِتْنَةِ الدَّجَالِ، قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَينَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيئَاً فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَينَاكَ كَعْكَعْتَ! فَقَالَ: إنِّي رَأَيتُ الجَنَّةَ, فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ, فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودَاً، ولَوَ أَصَبْتُهُ لأَكَلْتُم مِنْهُ مَا بَقِيتِ الدُّنْيا، وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرَاً كَاليومِ قَطُ أَفْظعَ مِنْهَا، وَرأيتُ أَكثرَ أهلِها النِّسَاءُ, قالوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ. قِيلَ: يَكْفُرنَ بِاللهِ؟! قالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيْرَ، وَيَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لَو أَحْسَنْتَ إلى إحْدَاهِنَّ الدَّهرَ كُلَّهَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيئَاً قَالَتْ: مَا رَأَيتُ مِنْكَ خَيرَا قَطُّ, لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، يَحطِمُ بعضُها بعضا وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَهِيَ إذَا أَقْبَلَتْ تَنْهَشُهَا, وَإذَا أَدْبَرَتْ تَنْهَشُهَا, وَبَعْدَ مَوعِظَتِهِمْ قَالَ: فَاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ, وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, إِنَّ الْمَوْتَى لَيُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ, عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ كُلُّهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ-، بَعْدَ ذَلِكَ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ".

 

أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ.

(وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت: 37].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيِّاكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمدُ للهِ الذي خَشَعَتْ لَهُ القُلُوبُ وَخَضَعَتْ، وَدَانَتْ لَهُ النُّفُوسُ وَرَقَّتْ، وَعَنَتْ لَهُ الوُجُوهُ وَذَلَّتْ، نَشهَدُ ألاَّ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ولا شَبِيهَ, شَهَادَةَ مَنْ يَخَافُ رَبَّهُ وَيَتَّقِيهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبدُاللهِ وَرَسُولُهُ بَعَثَهُ اللهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسلامُهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلَهِ وَأَصْحَابِهِ وَتَابِعِيهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ وَإيمَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ.

 

أمَّا بَعْدُ:

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 - 71].

 

عِبَادَ اللهِ: آيَةُ الخُسُوفِ إنْذَارٌ لَنَا وَتَخْوِيفٌ؛ لَيسَتْ ظَاهِرَةً كَونِيَّةً, أو حَرَكَةً طَبِيعِيَّةً, كَمَا يَحْلُوا لِبَعْضِ النَّاسِ وَصْفَهَا! إنَّمَا هِيَ إنْذَارٌ لَنَا كَي نَتُوبَ إلى اللهِ وَنَرْجِعَ عَمَّا بَدَرَ مِنَّا مِنْ مَعْصِيَةٍ وَتَقْصِيرٍ، بَلْ هِيَ أَقْوَى بَاعِثٍ لَنا لِلْمُحَاسَبَةِ, وَتَصْحِيحِ الْمَسَارِ, وَإقَامَةِ فَرَائِضِ اللهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ.

 

كَمْ هُوَ مُؤسِفٌ أَنْ يَحْصُلَ خُسُوفٌ وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ سَاهُونَ, وَفِي مَلَذَّاتِنَا غَارِقُونَ! وَفِي تَرَفِنَا وَتَرْفِيهِ أنْفُسِنَا مُنْشَغِلُونَ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14]، (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 227].

 

نَسْأَلُ اللهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ, والسِّتْرَ فِي الدُّنيا والآخِرَةَ.

 

أَيُّها المُسْلِمُونَ: اعْلَمُوا أنَّ لِنُقْصَانِ ضَوءِ القَمَرِ ارْتِبَاطَاً مُبَاشَرَاً بِأَعْمَالِ بَنِي آدَمَ، فَشُؤْمُ المَعْصِيَةِ كَمَا يَكُونُ على الأَنْفُسِ وَالأَهْلِ وَالمُجْتَمَعَاتِ وَالدُّوَلِ، يَكُونُ كَذَلِكَ عَلى الكَوْنِ، فَالخُسُوفُ والكُسُوفُ, والزَّلازِلُ وَغَيْرُهَا, نَوعُ عُقُوبَةٍ وَإنْذَارٍ!

 

ألا وَإنَّ مِنْ أعْظَمِ أخْطَارِ المَعَاصِي: أَنْ يَهُونَ العَبْدُ على الرَبِّ، قَالَ تَعَالَى: (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحـج: 18]، قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: "هَانُوا عَلَيهِ فَعَصَوهُ، وَلَو عَزُّوا عَلَيهِ لَعَصَمَهُم" حَقَّاً مَا أَهْوَنَ الخَلْقَ عَلى الخَالِقِ إذَا هُمْ أضَاعُوا أَمْرَهُ!

 

عِبَادَ اللهِ: وَأَمَّا شُؤْمُ الذُّنُوبِ على الدُّولِ وَالمُجْتَمَعَاتِ فَأَمرٌ عَظِيمٌ! وَخَطَرٌ جَسِيمٌ! ألَمْ تَتَفَكَّرُوا بِمَا ذَكَرَهُ اللهُ -تَعَالى- عَنْ قَومِ فِرْعَونَ: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) [الدخان: 25 - 29].

 

فَبِالذُّنُوبِ حَصَلَ لَهُمُ النَّقْصُ وَالبَلاءُ, وَتَوَالَتْ عَلَيهِمُ الْمِحَنُ واللأَواءُ، وَتَدَاعَتْ عَلَيهِمُ الفِتَنُ والضَّرَّاءُ، وَارْتَفَعَتِ الأَسْعَارُ وَحَصَلَ الغَلاءُ! وَصَدَقَ اللهُ: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]؛ إنَّها الْمعَاصِي -أَجَارَنَا اللهُ جَمِيعَاً مِنْها- مَا ظَهَرَتْ فِي دِيَارٍ إلاَّ أَهلَكَتْها، وَلا تَمَكَّنَتْ مِنْ قُلُوبٍ إلاَّ أَعْمَتْهَا، وَلا فَشَت في دُولٍ إلاَّ أَسْقَطَتْهَا.

 

لَقَدْ حذَّرَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ فِي خُطْبةِ الكُسُوفِ مِن الزِّنَا! وَلَقَد فَشَا فِي وَقْتِنَا الحَاضِرِ عِنْدَ مَنْ ضَعُف إيمَانُهُمْ، وَقَلَّ خَوفُهُمْ وَحَيَاؤُهُمْ! عَبْرَ سَفَرِيَّاتٍ مَشْبُوهَةٍ, فِي بِلادٍ مَأْفُونَةٍ، تُتَاجِرُ بِالرَّذِيلَةِ, وَتُحَارِبُ العِفَّةَ والفَضِيلَةَ!

 

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أُعلِنَ الرِّبَا، وشُربَتِ الْخُمُورُ، وأُدمِنَتِ الْمُخَدِّراتُ، وَكَثُرَ أَكْلُ الْحَرامِ، وتَنَوَّعَتِ الْحِيَلُ فِي البَيعِ والشِّرَاءِ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ الْمَعَازِفِ, وَعُلِّقتْ صُوُرُ السَّاقِطِينَ, مِن المُغَنِينَ والتَّافِهينَ!

 

أتَظُنُّونَ -يا مُؤمِنُون- أنَّ مُجْتَمَعَاً مُسْلِمَاً يُعْلِي مَكَانَةَ السَّاقِطِينَ, مِن المُغَنِينَ والتَّافِهِينَ, وَيَغْرَقُ المُجْتَمَعُ قَسْرَاً بالتَّرَفِ والتَّرْفِيهِ؛ أنْ يَسْلَمَ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَعِقَابِهِ؟! فَلَقَدْ قَضَتْ سُنَّةُ اللهِ وَحُكْمُهُ وَحِكْمَتُهُ أنَّهُ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ!

 

إخْوانِي: لَقَدْ فَشَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ المُجْتَمَعَاتِ رَذَائِلُ, حَتَّى إنَّكَ لَتَسْمَعُ عن شَهادَاتٍ بَاطِلَةٍ، وأَيْمَانٍ فَاجِرَةٍ، وخُصُومَاتِ ظَالِمَةٍ، وَوِشَايَاتٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ.

 

وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ نَستَغْرِبُ أَنْ يَخْسِفَ القَمَرُ أو تَنْكَسِفَ الشَّمسُ: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) [الأنفال: 51].

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: إنَّهُ واللهِ لا تَفْسُدُ الأَحْوَالُ إلاَّ إذَا ضُيِّعَ الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُصِدَتْ أبْوَابُهُ! ذَلِكَ أَنَّهُ وِثَاقُ الدِّينِ، وَبِهِ تُحْفَظُ حُرُمَاتُ الْمُسْلِمِينَ، وَتُهْتَكُ أَسْتَارُ الْمُجرِمِينَ، قَالَ نَبِيُّنا: "وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُوْنَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ".

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].

 

(ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 147].

 

سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

 

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

 

اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة يا ربَّ العالمين.

 

فَاللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأذل الشرك والمشركين، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

 

اللهمَّ أَصْلِحْ أَحوَالَ المُسلمينَ, واجْمَعْهُم على الهُدَى والدِّينِ.

 

اللهمَّ انْصُرْ المُسْتَضْعَفِينَ مِن المُسلِمِينَ يَ ارَبَّ العَالَمِينَ.

 

اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وهيئ له البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

اللهم انصُرْ جُنُودَنا واحفظ حدودنا.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

 

(اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت: 45].

المرفقات

وخسف القمر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات