وجوب التمسك بالكتاب والسنة وترك البدع

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2021-05-08 - 1442/09/26

اقتباس

وجوب التمسك بالكتاب والسنة وترك البدع

 

أدلة وفوائد

 

محمد بن علي الغباشي

 

الحمد لله رب العالمين، وأُصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومَن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

 

فأولًا: أدلة الكتاب والسنة:

 

1) وجوب التمسك بالكتاب والسنة:

 

1- قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103].

2- وقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الزخرف: 43].

3- وقَالَ تَعَالَى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: 18].

4- وقَالَ تَعَالَى: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 3].

5- وعَنْ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))[1].

6- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ، قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ))[2].

7- وَعَنْ عبدالله بن عبَّاس رضي الله عنهما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((تركتُ فيكم أيُّها الناس ما إنِ اعتصمتم به، فلن تضلُّوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه))[3].

8- وَعَنْ أبي هُرَيرة رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إنِّي قد خَلَّفتُ فيكم اثنين، لن تضلُّوا بعدهما أبدًا: كتاب الله، وسُنتي، ولن يتفرَّقَا حتى يرِدَا عليَّ الحوض)[4].

9- وقال صلى الله عليه وسلم: ((تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ))[5].

 

2) السنة وحي كالقرآن:

 

1) قَالَ الله تَعَالَى:﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 1 - 4].

2) وقَالَ تَعَالَى:﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

3) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: 34].

4) وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ! فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ! وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ))[6]. وفي رواية: ((وَإِنَّ ما حَرَّمَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كما حَرَّمَ اللهُ)) [7].

5) وَعَنْ أَبِي أمامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أن نَفْسًا لنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ أجَلَها وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتّقُوا الله وأجْمِلُوا في الطَّلبِ، ولا يَحْمِلنَّ أحَدَكُمُ اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ أنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ الله، فإنّ الله تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلاّ بِطاعَتِهِ)) [8].

 

3) وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم:

 

1) قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].

2) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59].

3) وقَالَ تَعَالَى:﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80].

4) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

5) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115].

وقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

6) وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى )) [9].

7) وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)) [10].

8) وَعَنْ عبدالله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغارُ على من خالفَ أمري، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم)) [11].

4) التمسك بالكتاب والسنة طريق الفلاح:

 

1) قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [النساء: 174، 175].

2) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الأنعام: 155].

3) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].

4) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82].

5) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [النساء: 13].

6) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 38].

7) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه: 123].

8) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 54].

9) وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ، فَنَجَوْا وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ))[12].

10) وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى )). قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)) [13].

 

 

5) ذم البدع:

 

1) قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].

2) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام: 159].

3) وقَالَ تَعَالَى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الجاثية: 18، 19].

4) وَعَنْ جابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَب احْمرَّتْ عيْنَاهُ، وعَلا صوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبهُ، حتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: ((صَبَّحَكُمْ ومَسَّاكُمْ))وَيقُولُ: ((بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعةُ كَهَاتيْن)) وَيَقْرنُ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، السبَابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيرَ الْحَديثَ كِتَابُ اللَّه، وخَيْرَ الْهَدْى هدْيُ مُحمِّد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدثَاتُهَا وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ)) [14].

5) وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ)) [15]، وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنا فهو رد))[16].

6) وَعَنْ العِرْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))[17].

7) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا))[18].

8) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِن اللهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ صَاحِبِ كُلِّ بِدْعَةٍ))[19].

9) وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: (( نَعَمْ ))، فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: (( نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ)) قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: (( قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ )) فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ؛ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا )) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: (( نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: (( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ))، فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟ قَالَ: ((فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ))[20].

10) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ))[21].

11) وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))[22].

12) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ))[23].

 

ثانيًا: فوائد:

 

فائدة 1: الاعتقاد الصحيح يؤخذ من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومما أجمع عليه سلفُ الأمَّة:

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((أما الاعتقاد، فإنَّه لا يُؤخذ عني ولا عمَّن هو أكبرُ مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه سلفُ الأمَّة، فما كان في القرآن وجَب اعتقادُه، وكذلك ما ثبَت في الأحاديث الصحيحة، مثل صحيحي البخاري ومسلم ))[24].

 

قال ابن عبدالبر رحمه الله: (ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أجمعت عليه الأمةُ، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه، يُسلم له ولا يُناظر فيه، ولا يُناقش)[25].

 

فائدة 2: يجب فهم أدلة الكتاب والسنة بفهم سلف الأمَّة:

 

قال الأصبهاني رحمه الله: (وليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو الاتباع والاستعمال، يقتدي بالصحابة والتابعين، وإن كان قليل العلم، ومن خالف الصحابة والتابعين، فهو ضال، وإن كان كثير العلم.. إلى أن قال: وذلك أنه تبيَّن للناس أمرُ دينهم فعلينا الاتباع؛ لأن الدين إنما جاء من قبل الله تعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، فقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم السنة لأمته، وأوضحها لأصحابه، فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الدين، فقد ضل)[26].

 

وقال ابن رجب رحمه الله: (فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعهيم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق والمعارف، وغير ذلك)[27].

 

فائدة 3: أدلة الكتاب والسنة لا تُعارض بالعقل، بل يسلم للدليل من غير اعتراض عليه:

 

قال السمعاني رحمه الله: (وأما أهل الحق، فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع من معقولهم وخواطرهم عرَضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقًا لهما قبلوه، وشكروا الله عز وجل؛ حيث أراهم ذلك، ووفَّقهم عليه، وإن وجدوه مخالفًا لهما تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل)[28].

 

فائدة 4: الاعتصام بالكتاب والسنة من أعظم ما أنعم الله به على هذه الأمة:

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكان من أعظم ما أنعم اللهُ به عليهم اعتصامُهم بالكتابِ والسنَّة، فكان من الأصول المتَّفَق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ أنه لا يُقْبَلُ من أحدٍ قطُّ أن يُعارِضَ القرآنَ: لا برأيِه ولا ذوقِه ولا معقولِه ولا قياسِه ولا وجْدِه، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيَّات والآيات البيِّناتِ أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم جاء بالهدى ودين الحقِّ، وأنَّ القرآن يهدي للتي هي أقومُ)[29] .

 

فائدة 5: أوضح الطرق إلى الله، في اتباع السُنة:

 

فقد سُئِل الحسنُ الجوزجاني رحمه الله: (كيفَ الطريقُ إلىَ الله؟ فقال: الطرُقُ إلىَ الله ِكثيرةٌ، وَأَوْضَحُ الطرُقِ وأبعَدُها عنِ الشبهِ اتباع السنة قوْلًا وَفِعْلًا وَعزْمًا وَعقْدًا ونِيةً، لأَن الله تعالى يقول: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54]، فقيل له: كيفَ الطريقُ إلىَ السنةِ؟ فقال: مُجانبة البِدعِ، واتباع ما أجمعَ عليهِ الصدْرُ الأول منَ عُلَماءِ الإسْلام، والتباعدُ عنْ مجاِلسِ الكلامِ وأهلِهِ؛ ولزوم طريقةِ الاِقتداءِ وبذلكَ أُمِرَ النبِي صلى الله عليه وسلم بقولهِ تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ [النحل: 123])[30].

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فعلى كل مؤمن ألا يتكلم في شيء من الدين إلا تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعًا لقوله، وعمله تبعًا لأمره، فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان)[31].

 

فائدة 6: ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنَّة واحدة تخالف كتاب الله:

 

قال ابن القيم رحمه الله:

 

والذي يجب على كل مسلم اعتقاده: أنه ليس في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة سنَّة واحدة تخالف كتاب الله، بل السنن مع كتاب الله على ثلاث منازل:

 

المنزلة الأولى: سنَّة موافقة شاهدة بنفس ما شهد به الكتاب المنزل.

 

المنزلة الثانية: سنَّة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيِّد مطلقه.

 

المنزلة الثالثة: سنَّة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب، فتبيِّنه بيانًا مبتدأً.

ولا يجوز رد واحدة من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة.

 

فائدة 7: من أحدث في هذا الدين شيئًا فقد اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتقصير:

 

قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: (إن من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفُها، فقد زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3]، فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا)[32].

 

فائدة 8: البدعة كل ما خالف الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة:

 

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:(والبدعة: ما خالف كتابًا أو سنة أو أثرًا عن بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم)[33].

 

وقال ابن تيمية رحمه الله: (إن البدعة كل ما خالف الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات؛ كأقوال الخوارج، والروافض، والقدرية، والجهمية، وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد..) [34].

 

ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله: (والرأي إذا عارض السنة، فهو بدعة وضلالة)[35].

 

فائدة 9: البدع في بدايتها تكون صغيرة ثم تكبر:

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن البدع تكون في أولها شبرًا، ثم تكثر في الاتباع حتى تصير أذرعًا وأميالًا وفراسخَ)[36].

 

ويقول الإمام القدوة شيخ الحنابلة أبو محمد الحسن بن علي البربهاريُّ: (واحذَر صغار المحدثات، فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارًا، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة، كان أولها صغيرًا يُشبه الحق فاغترَّ بذلك من دخل فيها،ثم لم يستطع المخرج منها، فعظُمت وصارت دينًا يدان به، فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة، فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبيصلى الله عليه وسلم، أو أحد من العلماء، فإن أصبت فيه أثرًا عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تختر عليه شيئًا، فتسقط في النار) [37].

 

فائدة 10: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة:

 

عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة)[38].

 

 وقال أيوب السختياني رحمه الله: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا، إلا زاد من الله عز وجل بُعدًا)[39].

 

وعن سعيد بن المسيب رحمه الله: (أنه رأى رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد، يُعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة)[40].

 

وعن سفيان بن عيينة رحمه الله قال: (سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبدالله، من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة؛ من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه؟! إنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إني سمعت الله يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63])[41].

 

فائدة 11: السلَف رضوان الله عليهم كانوا ينهَون عن البِدع، وعن مجالسة أصحابها؛ لِما في ذلك من خطر البِدع على الدِّين، وهذا بعض ما ورد عنهم:

 

• قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا تجالسوا أهل الأهواء؛ فإن مجالستهم ممرضة للقلوب)[42].

 

 

 

• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أحبَّ أن يكرم دينه، فليعتزل مخالطة السلطان، ومجالسة أصحاب الأهواء؛ فإن مجالستهم ألصقُ من الجرَب.[43].

 

• وقال الحسن البصري رحمه الله: (لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم)[44].

 

• وعن ابن سيرين رحمه الله أنه كان إذا سمع كلمة من صاحب بدعة، وضَع إصبعيه في أذنيه، ثم قال: (لا يحل لي أن أُكلمه حتى يقوم من مجلسه)[45].

 

 وقال الخطابي رحمه الله: (إن هجرة أهل الأهواء والبدعة دائمة على مرِّ الأوقات والأزمان، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق) [46].

 

• وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: (من جلس مع صاحب بدعة فاحذَره، ومن جلس مع صاحب البدعة لم يُعطَ الحكمة، وأحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعة حصنٌ من حديد، آكل مع اليهودي والنصراني أحب إليَّ من أن آكل مع صاحب البدعة)[47].

 

فائدة 12: إن توقير أهل البدع والجلوس معهم هدمٌ للإسلام:

 

قال الإمام الشاطبي رحمه الله: (فإن توقير صاحب البدعة مظنةٌ لمفسدتين تعودان على الإسلام بالهدم: إحداهما: الْتفاتُ الجُهَّال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس، وأن ما هو عليه خيرٌ مما عليه غيرُه، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع أهل السنة على سُنَّتهم، والثانية: أنه إذا وُقر مِن أجل بدعته صار ذلك كالحادي المحرض له على إنشاء الابتداع في كلِّ شيءٍ وعلى كل حالٍ، فتحيا البِدَعُ وتموت السنن، وهو هدمُ الإسلام بعينه)[48].

 

فائدة 13: التحذير منهم واجب باتفاق المسلمين:

قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: الرجل يصوم ويصلي (التطوع)، ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ قال: (إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع، فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل)، وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل عليَّ أن أقول: فلان كذا وكذا، فقال رحمه الله: (إذا سكت أنت وسكتُّ أنا، فمتى يُعرِّف الجاهلَ الصحيحَ من السقيم[49].

 

 

فائدة 14: لا يجوز الحكم على مسلم بأنه مبتدع إلا إذا جاء أو اتبع بدعة تخالف الكتاب والسنة:

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والبدعة التي يُعد بها الرجل من أهل الأهواء، ما اشتَهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة؛ كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة..) [50].

 

 

فائدة 15: ليس في الإسلام بدعة حسنة فإن كل بدعة ضلالة:

 

فَمَن قَسَّم البدعة إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، فهو غالط ومخطئ ومخالف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن كل بدعة ضلالة))؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة، قال الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين: فقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل بدعة ضلالة)) من جوامع الكلم، لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد))، فكل من أحدث شيئًا ونسَبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه، فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال، أو الأقوال الظاهرة والباطنة؛ ا.هـ.

 

وليس لهؤلاء حجة على أن هناك بدعة حسنة، إلا قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: (نعمت البدعة هذه)، وقالوا أيضًا: إنها أحدثت أشياءَ لم يستنكرها السلف؛ مثل: جمع القرآن في كتاب واحد، وكتابة الحديث وتدوينه، والجواب عن ذلك أن هذه الأمور لها أصل في الشرع فليست محدثة، وقول عمر: (نعمت البدعة)، يريد البدعة اللغوية لا الشرعية، فما كان له أصل في الشرع يرجع إليه إذا قيل: إنه بدعة، فهو بدعة لغة لا شرعًا؛ لأن البدعة شرعًا: ما ليس له أصل في الشرع يرجع إليه [51].

 

قال ابن رجب رحمه الله: (وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية)[52].

 

فائدة 16: النية الحسنة لا تخرج الشيء المحدث عن كونه بدعة بتلك النية الحسنة:

 

فعن عبدالله بن مَسعُودٍ رضي اللهُ عنه أَنَّهُ مَرَّ عَلَى أُنَاسٍ فِي المَسجِدِ يَنتَظِرُونَ الصَّلَاةَ وَهُم حِلَقٌ، وَفِي كُلِّ حَلقَةٍ رَجُلٌ وَفِي أَيدِيهِم حَصَى، وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُم: سَبِّحُوا مائَةً فَيُسَبِّحُونَ، كَبِّرُوا مائَةً فَيُكَبِّرُونَ، هَلِّلُوا مائَةً فَيُهَلِّلُونَ، فَقَالَ لَهُم: عُدُّوا سَيِّئَاتِكُم، فَأَنَا ضَامِنٌ أَن لَا يَضِيعَ مِن حَسَنَاتِكُم شَيءٌ، وَيحَكُم يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم مَا أَسرَعَ هَلَكَتَكُم! هَؤُلَاءِ صَحَابَةُ نَبِيِّكُم صلى الله عليه وسلم مُتَوَافِرُونَ، وَهَذِهِ ثِيَابُهُ لَم تَبلَ وَآنِيَتُهُ لَم تُكسَرْ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لَعَلَى مِلَّةٍ هِيَ أَهدَى مِن مِلَّةِ مُحَمَّدٍ، أَوَ مُفْتَتِحُو بَابَ ضَلَالَةٍ؟ قَالُوا: وَاللهِ يَا أَبَا عَبدِالرَّحمَنِ، مَا أَرَدنَا إِلَّا الخَيرَ! قَالَ: وَكَم مِن مُرِيدٍ لِلخَيرِ لَم يُصِبْهُ؟! [53].

 

فائدة 17: كثرة البدع وكثرة أهلها من أمارات اقتراب الساعة:

 

قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله: (ولا يَغُرنَّ إخواني حفِظهم الله كثرةُ أهل البدع، ووفورُ عددهم؛ فإن ذلك من أمارات اقتراب الساعة؛ إذ الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: إن من علامات الساعة واقترابها أن يقل العلم ويكثُر الجهل، والعلم هو السنة، والجهل هو البدعة، ومن تمسَّك اليوم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمِل بها واستقام عليها، ودعا بالسنة إليها، كان أجره أوفر وأكثر من أجر من جرى على هذه الجملة في أوائل الإسلام والملة) [54] .

 

والحمد لله رب العالمين

 

 

 

[1] رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).

 

[2] رواه مسلم (1715).

 

[3] صححه الألباني في ((صحيح الترغيب)) (40).

 

[4] صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (3232).

 

[5] رواه ابن ماجه (43)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).

 

[6] صححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (2643).

 

[7] صححه الألباني في ((صحيح الترمذي)) (2664).

 

[8] رواه البزار (2914)، وقال الالباني: (حسن صحيح) ((صحيح الترغيب والترهيب)) (1702).

 

[9] رواه البخاري (7280).

 

[10] رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401).

 

[11] صححه الألباني في ((صحيح الجامع))، (2831).

 

[12] رواه البخاري (7283).

 

[13] رواه البخاري (7280).

 

[14] رواه مسلم (867).

 

[15] رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718).

 

[16] رواه مسلم (1718).

 

[17] رواه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).

 

[18] رواه مسلم.( 2674).

 

[19] كتاب ((السنة))؛ لابن أبي عاصم (ص21)، وقال عنه الألباني: "حديث صحيح".

 

[20] رواه البخاري (3606)، ومسلم (1847).

 

[21] رواه البخاري (6212)، ومسلم (2290).

 

[22] رواه البخاري (5063)، ومسلم (113).

 

[23] أخرجه مسلم في ((مقدمته (6)، وأحمد (8267)، واللفظ له، وصححه الألباني ((صحيح الجامع)) ( 3667).

 

[24] ((مجموع الفتاوى)) [3/ 161].

 

[25] ((جامع بيان العلم وفضله)) [2 /943].

 

[26] ((الحجة في بيان المحجة)) [2 /437،440].

 

[27] ((فضل علم السلف على علم الخلف)) [72].

 

[28] ((صون المنطق)) [166].

 

[29] ((مجموع الفتاوى)) [13/ 28].

 

[30] انظر: (( الاعتصام)) للشاطبي [1/ 62].

 

[31] ((مجموع الفتاوى)) [13/ 62-63].

 

[32] انظر: ((الاعتصام)) للشاطبي [2/ 53].

 

[33] ((إعلام الموقعين)) [1/ 80].

 

[34] انظر: ((مجموع الفتاوى)) [18/ 364].

 

[35] ((الاعتصام)) [2/ 335].

 

[36] ((مجموع الفتاوى [8/ 425])).

 

[37] ((شرح السنة [27])).

 

[38] رواه الدارمي (223)، واللالكائي (1 /55، 88).

 

[39] ((صفة الصفوة (3/ 295)).

 

[40] أخرجه الخطيب في ((الفقه والمتفقه)) (1 /147).

 

[41] أخرجه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (1 /146)، وأبو نعيم في الحلية (6 /326).

 

[42] ((الشريعة للآجري [1 /453] )).

 

[43] ((الدارمي [1 /90] )).

 

[44] ((اللالكائي [ 240] )).

 

[45] ((الإبانة [2 /473] )).

 

[46] ((معالم السنن[4] )).

 

[47] ((اللالكائي [3 /638] )).

 

[48] ((الاعتصام للشاطبي [1 /202])).

 

[49] ((مجموع الفتاوى [28/ 231])).

 

[50] ((مجموع الفتاوى [35/ 1414])).

 

[51] ((مجلة البحوث الإسلامية، العدد ] 23]، ص [ 353]))

 

[52] ((جامع العلوم والحكم [233])).

 

[53] ((المعجم الكبير)) (9 /127) رقم (8636).

 

[54] ((عقيدة السلف وأصحاب الحديث [ 316] )).

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات