وبالوالدين إحسانًا

عبد الله العلوي الشريفي

2010-10-04 - 1431/10/25
عناصر الخطبة
1/ صور معاصرة من عقوق الوالدين 2/ الحث على بر الوالدين 3/ كيف يكون بر الوالدين؟! 4/ نماذج من بر السابقين بوالديهم 5/ بر الوالدين لا يختص بكونهما صالحين أو مسلمين 6/ عقوبة العاق لوالديه 7/ إعانة الزوجين لبعضهما على بر والديهم

اقتباس

والجهادُ في الوالديْنِ وبرُّهما يكونُ بِخِدْمَتِهِمَا، والإِنْفاق عليْهِما، وطاعتِهِما في المعْرُوفِ، ومخاطبَتِهِما بأدَبٍ ولُطْفٍ، وإِحْسانِ صُحْبتِهِما، وتَطْييبِ خاطِرِهِما، وقضَاءِ حوائِجِهِما، فقضاؤُها مقدَّم على قضاءِ حوائجِ الأبناءِ والزَّوْجةِ والإخْوانِ والأصْدِقاءِ، ولا تَرْفَعْ صوْتكَ عليْهِما، ولا تنْظُرْ إليْهِما بِغَضَبٍ واحْتِقَارٍ، ولا تَرْفَعْ يَدَكَ عليْهِما عنْدَ تكليمِهِمَا، ولا تُقَاطِعْ حَدِيثَهُما...

 

   

أَمَّا بَعْدُ: 

فيَا إِخْوَةَ الإِيمَانِ: إنَّ قَصَصَ عقوق الأبناءِ التي أصبحْنا نسمعُها ونراها يَنْفَطِرُ لها الفؤادُ أَسى وتذوبُ النَّفسُ لها حسرةً، فكثيرٌ من الأبناءِ لا يتَّقونَ ربَّهُم في معاملةِ آبائِهِم وأمَّهاتِهِم، فيُسِيئُونَ إليهِم، ويُغْلِظون مَعَهُم، بلْ وَصَلَ الحَدُّ بكثيرٍ منهم إلى ازْدِرائِهِم واحتقارهِم وضربِهِم والعياذ بالله، حتى أصبح غايةُ ما يتمناهُ الأبوانِ من البِرِّ أنْ يأْمَنا شَرَّ أولادِهِمْا وبذاءَتَهُم وفُحْشَهم وسُوءَهُم.

وَهكذا لما قَسَتْ قُلوبُ الأبناءِ وتَمَرَّدَ الأولادُ على الآباءِ أصْبحنا نرى في شوارعنا منْ يسُبُّ أباهُ ويشْتُمُهُ بأَحَطِّ أنْواعِ السِّبابِ والشَّتْم، ومن حينٍ لآخرَ تأْتينا أمَّهاتٍ على الخصوص يشتكينَ من سوءِ معاملةِ أبنائهنَّ وبناتِهِنَّ، فهذهِ تشتكِي من صُراخِ أبنائِها في وجهِهَا ومُخاطبَتِهِم لها بأقْسَى العباراتِ، وتلكَ رَفَضَ أبناؤُها أنْ تعيشَ معهم، وأُخْرى طردتْها بنْتُها من منزلِها، وغيرُها ضرَبَها ابنُها أمامَ زوجَتِهِ، وهذِهِ قاطعها أبناؤُها تأديبًا لها.

هذهِ أحداثٌ ثابتةٌ وواقعةٌ، واللهِ ليستْ أساطيرَ تُرْوَى ولا حكاياتٍ تُتْلى، وعَشَرَاتٌ مِثْلُها في البُيُوتِ، فكلُّ بيْتٍ من بُيوتِ المسلمينَ اليومَ دخلتَهُ إلا وتسمعُ أحاديثَ عن أنواعٍ من العقوق، نعوذُ بالله من العقوق والعاقِّينَ.

إخوة الإيمان: هذا جزْءٌ من واقِعِنا، ولكنَّه ليس من دينِنَا، فنحْنُ أُمِرْنا بِبِرِّ الوالديْن، حتى إنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قَرَنَ بَيْنَ عِبادَتِهِ وبَيْنَ الإِحْسانِ بالوَالديْن: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِلْولِدَيْنِ إِحْسَـانًا) [الإسراء:23]، وَقَرَنَ سبحانهُ بين شكرِهِ وشُكْرِ الوالديْن: (أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِولِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ) [لقمان:14].

وقد جعلَ اللهُ البرَّ بِالْوَالِدَيْنِ بابًا للفوْزِ برضاهُ سبحانهُ؛ ففي الحديثِ الصحيحِ أنَّ رسُولَ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "رِضا الرَّبِّ فِي رِضا الوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا". رواه الترمذي، وهو في صحيح الجامع (3507).

وَبِرُّ الوالديْنِ من أحبِّ الأعمالِ إلى اللهِ وأفضلِها بعدَ الصَّلاةِ، سُئِلَ النَّبِيُّ –صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلى اللهِ؟! قَالَ: "الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟! قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ أَيّ؟! قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". رواه البخاري.

فَبِرُّ الوالديْن مقدَّمٌ حتى على الجهادِ في سبيلِ اللهِ؛ ما يدُلُّ على عِظَمِ حَقِّ الوالديْن، ويُؤَكِّدُ هذا أنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟!"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ". رواه البخاري.

والجهادُ في الوالديْنِ وبرُّهما يكونُ بِخِدْمَتِهِمَا، والإِنْفاق عليْهِما، وطاعتِهِما في المعْرُوفِ، ومخاطبَتِهِما بأدَبٍ ولُطْفٍ، وإِحْسانِ صُحْبتِهِما، وتَطْييبِ خاطِرِهِما، وقضَاءِ حوائِجِهِما، فقضاؤُها مقدَّم على قضاءِ حوائجِ الأبناءِ والزَّوْجةِ والإخْوانِ والأصْدِقاءِ، ولا تَرْفَعْ صوْتكَ عليْهِما، ولا تنْظُرْ إليْهِما بِغَضَبٍ واحْتِقَارٍ، ولا تَرْفَعْ يَدَكَ عليْهِما عنْدَ تكليمِهِمَا، ولا تُقَاطِعْ حَدِيثَهُما، وكُنْ صورةً كَريمةً للأَخلاقِ الفاضِلةِ، حتَّى تجلبَ لهُما الدُّعاءَ الصَّالحَ حين يَرَوْنَ أفْعَالَكَ وأعْمالَكَ، ومِنْ بِرِّهِمَا بعْدَ موتِهِما زيارَةُ قبْرِهِما، وقضاءُ ديونِهِما، والدُّعَاءُ والاِسْتِغْفارُ لهُما.

جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- تُخْبِرُهُ بِمَوْتِ أُمِّهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟! قَالَ: "صُومِي عَنْهَا"، قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟! قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا". رواه مسلم.

وَجَاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبُرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟! قَالَ: "نَعَمْ، الصَّلاةُ عَلَيْهِمَا، وَالاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا تُوصَلُ إِلا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا". رواه أبو داود. والحديث ضعفه الألباني.

فما أَحْوَجَ الوَالِدَينِ إذا ماتا إلى دُعَاءٍ صَالِحٍ من ابنِهِما تُرْفَعُ بِهِ درجاتُهُما، ففي الحديثِ الصَّحيحِ أنَّ رَسُولَ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَنَّى لِي هَذَا؟! فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ". الحديث في صحيح الجامع (1617).

إِخْوَةَ الإيمانِ: لقد ضَرَبَ السَّابِقونَ أَرْوَعَ الأمْثالِ في البِرِّ بآبائِهِم وأمَّهاتِهِم، فهذا ابنُ الحَنَفِيَّةِ كان يغْسِلُ رَأْسَ أُمِّهِ ويَمْشِطُها ويُقَبِّلُها ويَخْضِبُها.

وبكَى إيَّاسُ بنُ معاويةَ حينَ ماتتْ أُمُّهُ، فقيلَ لهُ في ذلكَ، فقالَ: "كانَ لي بابانِ مفْتوحانِ إلى الجنَّةِ فأُغْلِقَ أَحَدُهُما".

وطلبَتْ أُمُّ مِسْعَرٍ ماءً في ليْلةٍ، فجاءَ بالماءِ فوَجدَها نائِمَةً، فَوَقَفَ بالماءِ عنْدَ رأْسِها حتى أَصْبَحَ.

وسُئِلَ عُمَرُ بنُ ذَرٍّ عن بِرِّ وَلَدِهِ بِهِ فقالَ: "ما مشَى معِي نهارًا قطُّ إلا كان خلْفِي تأدُّبًا، ولا ليْلاً إلاَّ كان أمامِي خَشْيَةَ مَكْرُوهٍ يلْقاني، ولا رَقَى سَطْحًا وأنا تحْتهُ حتَّى لا يعلُونِي".

وكان عليُّ بنُ الحُسَيْنِ كثيرَ البِرِّ بأُمِّهِ، فقيلَ لهُ: إنَّكَ منْ أَبَرِّ النَّاسِ بِأُمِّكَ، ولَسْنا نَرَاكَ تأْكُلُ مَعها في صَحْفَة! فقالَ: "أخافُ أنْ تسْبِقَ يَدِي إلى ما سَبَقَتْ إليهِ عينُها، فأكونُ قد عققتُها".

وكان أَحَدُ السَّلَفِ يُقَبِّلُ كلَّ يَوْمٍ قَدَمَ أُمِّهِ، فَأَبْطَأَ يَوْمًا على أصْحابِهِ فَسَأَلُوهُ، فقالَ: "كنتُ أتمرَّغُ في رياضِ الجنَّةِ تحْت قَدَمَيْ أُمِّي، فقدْ بَلَغَنِي أنَّ الجنَّةَ تحْتَ قدميْها".

هكذا بَرَّ السَّلَفُ الصَّالِحُ آباءَهُم، وهذِهِ الصُّوَرُ المُشْرِقَةُ الطَّيِّبَةُ التي ذكرناها لا يخلُو منها عصْرٌ.

قد يقولُ بعضُ الأبناءِ اليوم: إنَّكَ تُحَدِّثُنا عن عهودٍ سلفتْ ومضتْ بما لَها وما عليْها، ونحنُ الآنَ في زمانٍ تُحْسِنُ فيه إلى والديْكَ ويُسِيئانِ إليْكَ، ترْحَمُهُما ويعذِّبانِكَ، تُكْرِمُهُما ويُهِينانِك، تُكَلِّمُهُما بكلامٍ لَيِّنٍ وقَوْلٍ طَيِّبٍ فَيَرُدَّانِ عليْكَ بالخبيثِ السَّيِّئ، تَصِلُهُما ويقْطَعانِك.

أقولُ: منِ ابْتُلِيَ بهذا النَّوْعِ من الوالديْنِ فعليْهِ بالصَّبْرِ، فأفْضلُ البِرِّ بِرُّ مِثْلِ هؤلاءِ، فبِصَبْرِكَ يرفعُ اللهُ دَرَجَتَكَ ويُعْظِمُ أجْرَكَ، وإنْ كانا يَجْحَدانِ بِرَّكَ فاللهُ -سبحانهُ وتعالى- لا يجحَدُهُ.

فَبِرُّ والديْكَ لا يختصُّ بكونِهما صالِحينِ طيِّبَيْنِ، ولا بكونِهما مُسْلمَيْن، بل تبرُّهُما وإنْ كانا كافريْنِ، فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَتْ: يا رسول الله: إن أمي قدمت عليّ وهي راغمة مشركة، أفأصِلها؟! قال: "نَعَمْ، فصِلِي أُمَّكِ". رواه البخاري.

بلْ عليكَ أن تبرَّهُما وتُحْسِنَ إليْهما حتى ولو أَمَراكَ بالكُفْرِ بالله وألْزَمَاكَ بالشِّرْكِ باللهِ، قال تعالى: (وَإِن جَـاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَـاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [لقمان:15].

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 
الخطبة الثانية:
 

 

الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا إِخْوَةَ الإِيمَانِ: إنَّ عقوقَ الوالديْنِ جحودٌ للفضلِ، ونُكْرانٌ للجميلِ، ودليلٌ على الحُمْق والجهلِ وحقارةِ الشَّأْنِ.

عقوقُ الوالديْن من كبائرِ الذُّنُوبِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ". رواه البخاري.

وَعَدَّ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم- من الثَلاثَةِ الذينَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: "الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ". والحديث في صحيح الجامع: (3063).

والعُقُوقُ دَيْنٌ ووفاءٌ، فإذا تَولَّيْتَ عن والدَيْكَ وأعْرَضْتَ عنْهُما سلَّط اللهُ عليكَ منْ ذُرِّيَتِكَ منْ لا يُراعِي فيكَ عهْدًا، ولا يحفظُ لكَ وُدًا، ولا يُقيمُ لك وَزْنًا، ولا يعرفُ فيكَ حَقَّ أُبُوَّةٍ ولا واجِبَ بُنُوَّةٍ، فكما تَدينُ تُدَانُ، والجَزاءُ منْ جِنْسِ العملِ.

ذُكِرَ أنَّ عاقًّا كان يَجُرُّ أباهُ بِرجْلِهِ إلى الشَّارِعِ، فإذا بلغَ بهِ إلى البابِ قالَ الأبُ: حَسْبُكَ، ما كُنْتُ أَجُرُّ والدِي إلاَّ إلى هذا المكانِ، فيقولُ لهُ وَلَدُهُ: هذا جزاؤُكَ، والزَّائِدُ صدقةٌ مِنِّي عليْكَ.

وحَدَّثُوا أنَّ رَجُلاً منَ الأعْرابِ قالَ: خرجْتُ أَطْلُبُ أَعَقَّ النَّاسِ وأَبَرَّ النَّاسِ، فكنْتُ أَطُوفُ بالأَحياءِ حتى انْتَهَيْتُ إلى شَيْخٍ في عُنُقِهِ حَبْلٌ يَسْقِي بِدَلْوٍ لا تُطِيقُهُ الإِبِلُ في الهاجِرَةِ والحَرُّ شَديدٌ، وخَلْفَهُ شابٌّ في يَدِهِ سَوْطٌ يَضْرِبُهُ بِهِ، قدْ شَقَّ ظَهْرَهُ بذلِكَ الحَبْلِ، فقلتُ: أَمَا تَتَّقِي اللهَ في هذا الشَّيْخِ الضَّعِيفِ؟! أَمَا يَكْفِيهِ ما هُوَ فيهِ؟! قالَ: إنَّهُ معَ هذا أبِي، قلتُ: فلا جزاكَ اللهُ خَيْرًا، قالَ: اسْكُتْ، فهكذَا كانَ هوَ يصْنعُ بأبيهِ، وكذا يصنَعُ أبُوهُ بِجَدِّهِ، فقلت: هذا أعَقُّ النَّاسِ. نعوذُ باللهِ من العقوقِ ومنْ قسْوَةِ القَلْبِ.

كلمةٌ أخيرةٌ لكلِّ زَوْجٍ وزَوْجَةٍ: أعِينِي -أيتها الزَّوجةُ- زوجَكِ على بِرِّ والديْهِ، وأعِنْ -أيها الزَّوْجُ- زوْجَتَكَ على بِرِّ والِدَيْها، فهذا منَ العِشْرةِ بالمعروفِ، ولا يقفْ أحدُكُما في طريق الآخَرِ حَجَرَ عَثْرَةٍ في بِرِّ والِدَيْهِ.

نجدُ الزَّوْجةَ تحاسبُ زوْجها فيما اشتراهُ لوالديْهِ من بعضِ الأمورِ الضروريةِ، تُسِيءُ إليْهِما بقولٍ أو فعلٍ، تُديمُ الشَّكْوَى منْهما، والزَّوْجُ يمنعُ زوْجَتهُ من زيارةِ والديْها وصِلتِهِما، ولا يحتَرمُهُما، ولا يجْلِسُ معهما، إنَّ الزَّوْجَ إذا جعلَ زَوْجَتَهُ لئيمةً تَنْسَى معروفَ والديْها سيأْتِي يومٌ منَ الأَيام وتَنْسَى معروفَهُ، والزَّوْجَةُ التي تجعلُ زوْجها يمكُرُ بوالديْهِ سيأْتِي يومٌ من الأيامِ ويمْكُرُ بها. فكونا -جزاكما الله خيرًا- عوْنًا لبعْضِكُما على بِرِّ والدَيْكُما.

احذروا ثم احذروا ثم احذروا -أيها الإخوةُ- من العقوقِ، وعاهِدوا اللهَ من هذا المكانِ أنْ تبْذُلُوا وُسْعَكُمْ في بِرِّ وَالِديكُمْ، ومن كان بارًا بهما فلْيُحافِظْ على ذلك، وإذا كانا مَيِّتَيْنِ فَلْيَتَصَدَّق لَهُما ويَبُرَّهُما بدعوةٍ صالحةٍ.

هذا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى أَكْرَمِ خَلْق اللهِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ انْتَصِرْ لِعِبَادِكَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ في مَشَارِقِ الأرْضِ ومَغَارِبِها...
 

  

 

 

المرفقات

إحسانًا- الشريفي

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات