والله يعلم وأنتم لا تعلمون

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ شمول علمه سبحانه وتعالى وإحاطته 2/اسم الله (العليم) في القرآن والسنة 3/معاني اسم الله العليم 4/العلم يهتف بالعمل 5/كيف نؤمن إيمانًا عمليًّا بعلم الله تعالى؟ 6/حسن الظن واليقين بعلم رب العالمين.

اقتباس

والعليم -سبحانه- هو المحيط بكل شيء، الذي يعلم كل شيء علمًا مطلقًا شاملاً كاملاً، يعلم الظاهر والباطن، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم، وهو عليم بذات الصدور، أحصى كل شيء عددًا، الذي يعلم عدد أهل السماء, وعدد أهل الأرض, ويعلم عدد الملائكة والروح, وعدد الإنس والجن, وعدد الطير والحيوان...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله العليم الحكيم, خلق الخلق ودبَّرهم، وكلّف الجن والإنس وابتلاهم، نحمده على ما هدانا، ونشكره على ما أعطانا، ونستغفره لخطايانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, أنزل القرآن هدًى ورحمةً للعالمين، وقصَّ علينا فيه أخبار الغابرين، عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله, أعلى الله تعالى ذكره في العالمين، وجعله حجةً على الخلق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: اتقوا الله ربكم، وأخلصوا له دينكم، وأحسنوا عملكم، فلا يخفى على الله منكم شيء، فهو العليم الذي أحاط علمه بجميع المعلومات, وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، عالم الغيب والشهادة، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه، وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، إن ذلك على الله يسير. يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون, عليم بكل ما أخفته صدور خلقه؛ من كفر وإيمان, وحق وباطل, وخير وشر, العالم بالسرائر والخفيات وهو (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الحديد: 6].

 

 

يعلم كل شيء؛ من مثاقيل الجبال, ومكاييل البحار, وعدد ورق الأشجار, وعدد قطر الأمطار, وعدد ذرات الرمال, ويعلم مقادير الحبوب والثمار, وما أظلم عليه الليل, وما أشرق عليه النهار, لا تواري منه سماءٌ سماءً,، ولا أرضٌ أرضًا، ولا جبلٌ ما في وعره, ولا بحرٌ ما في قعره، قال تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [الأنعام: 59].

 

عباد الله: والله حكيم عليم، فبقدر ما أذن الله للإنسان في شيء من العلم، وكشفه له، وأطلعه عليه، بقدر ما زوى عنه أبوابًا من العلم، وأسرارًا أخرى، لا حاجة له بها في خلافة الأرض, فزوى عنه سر الحياة, وسر الموت, وسر الروح, وسر العقل, وسر الساعة, وسر اللحظة القادمة, وسر الخلق, وكل ذلك غيبٌ لا سبيل إليه, والستر المسدل دونه كثيف, لا يستطيع الإنسان رفعه أو كشفه, فلا يعلمه إلا الله الذي أحاط بكل شيء علمًا, وعنده علم كل شيء: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34].

 

أيها المسلمون: لا شك أن العلم نور ومعرفة واطلاع، وبصيرة حسية ومعنوية، يرى به الإنسان الأمور على حقيقتها، لا بنفسه واعتماده على قوته فحسب، بل بتوفيق الله -تبارك وتعالى- له، وإضاءة السبيل له، فيضيء القلب بالحق، وتشرق النفس بالخير، وتسمو الروح بمعرفة بارئها وسيدها.

 

أيها المؤمنون: لقد أثنى الله -تبارك وتعالى- على ذاته العلية، فوصف نفسه بأنه العليم، قال -تبارك وتعالى-: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك : 14]، فلما كان الله -سبحانه- هو الذي خلق وتفرّد بالخلق، كان أبصر بخلقه وأعلم بهم، ويؤكد -سبحانه- علمه الأزلي حتى بأدق مراحل خلق ابن آدم، فيقول تعالى: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: 32]. وقال الله -تبارك وتعالى-: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) [الزخرف: 84]، فمع علوه -تبارك وتعالى- على خلقه وفوقيته وقهره لهم، فهو العليم الذي لا يغيب شيء من أعمالهم، ولا ما يحدث حولهم، عن علمه -تبارك وتعالى-، وهو الحكيم مع علمه، فلا يجري على عباده إلا ما فيه الخير لهم.

 

قال الله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [الحشر: 22]. وقال -جل وعلا-: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة: 78]. فهو -سبحانه- العالم بالسرائر والخفيات التي لا يدركها علم الخلق، والعالم بالغيوب دون جميع خلقه، العليم بجميع ما في الكون، عالم الغيب والشهادة فلا يخفى عليه شيء، فهو الذي (يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) [الرعد: 8 - 10].

 

وقد وصف نبينا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- ربه، وهو أعرف الخلق به، بأنه العليم، فكان يقول في دعائه: "أعوذُ بِاللهِ السَّميعِ العليمِ من الشَّيطان الرجيم، مِنَ هَمْزِهِ ونَفْخِهِ ونَفْثِهِ" [أخرجه الترمذي، وصححه الألباني في إرواء الغليل (2/59)]. كما أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يوصي أتباعه أن يذكروا الله تعالى بهذه الصفة، ويدعوه بها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَالَ حين يُصبِحُ: بسم اللهِ الذي لا يَضُرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، وهو السَّميعُ العليم -ثلاثَ مَراتٍ- لم تُصِبْهُ في يومِهِ فُجاءةُ بلاءٍ، وَمَنْ قالها حين يُمسي لم تُصِبْهُ فُجاءَةُ بلاءٍ في لَيلَتِهِ". [أبو داود 5088 وصححه الألباني].

 

وحث النبي -صلى الله عليه وسلم- العبد الموفق على اللجوء لعلم الله -تبارك وتعالى- عند رغبته وإقدامه على أمر مستقبلي لا دراية له بعاقبته؛ كأن يرغب في أمرٍ ما: سفرٍ أو زواجٍ أو عملٍ أو غير ذلك، حثَّه على أن يستخير الله، ويرجوه ويدعوه ويتوسل إليه بعلمه واطلاعه على ما كان وما سيكون، ويلحّ عليه ويرجوه؛ لأنه الأعلم والأحكم والأقدر، أن يتخير له بعلمه ما ينفعه، حتى قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمنا الاستخارةَ في الأمورِ كلِّها، كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن، يقول: "إذا هَمَّ أَحَدُكُمْ بالأمر فَلْيَرْكَعْ ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللَّهُمَّ إني أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ من فَضْلِكَ الْعَظِيمِ؛ فإنك تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ ولا أَعْلَمُ، وأنت عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ فإنْ كنتَ تَعْلَمُ هذا الأَمْرَ ويسميه باسمه خَيْرًا لي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أمري، فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه، اللَّهُمَّ وإنْ كنتَ تَعْلَمُه َ شَرًّا لي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أمري فَاصْرِفْنِي عنه، وَاصْرِفْهُ عني، وَاقْدُرْ لي الْخَيْرَ حيث كان ثم رَضِّنِي به". [البخاري 6955].

 

ووجّه -صلى الله عليه وسلم- العباد أن يتوسلوا في آخر دعائهم لله بصفة العلم؛ وبأنه العليم الذي لا يخفى عليه شيء، فعن شداد بن أوس -رضي الله عنه-: "أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كانَ يقول في صلاته: "وأسألُك مِن خَيرِ ما تَعلَمُ، وأعُوذُ بِك من شَرِّ ما تَعْلَمُ، وأستغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ" [الترمذي 3407 وصححه الألباني].

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا قام لصلاة الليل، واستفتح صلاته، توسل لربه ووصفه وأثنى عليه -سبحانه- بكمال علمه، فكان -صلى الله عليه وسلم- إذا قَامَ من اللَّيلِ افْتَتَحَ صَلاتَهُ قال: "اللَّهمَّ رَبَّ جِبرِيلَ ومِيكائِيلَ وإِسرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ، عَالمَ الغَيبِ والشهادَةِ، أَنتَ تَحكم بَينَ عِبَادِكَ فيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهدني لِما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بِإِذنِكَ، إِنَّكَ تَهدي مَن تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ". [مسلم 770].

 

يا عباد الله: والعلم لغة: هو ظهور الشيء على حقيقته بوضوح تام. والعليم -سبحانه- هو المحيط بكل شيء، الذي يعلم كل شيء علمًا مطلقًا شاملاً كاملاً، يعلم الظاهر والباطن، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما بين أيدي الناس وما خلفهم، وهو عليم بذات الصدور، أحصى كل شيء عددًا، الذي يعلم عدد أهل السماء, وعدد أهل الأرض, ويعلم عدد الملائكة والروح, وعدد الإنس والجن, وعدد الطير والحيوان, ويعلم عدد ذرات التراب, وعدد النبات والأشجار, وعدد الحبوب والثمار, وعدد الحروف والكلمات. وهو -سبحانه- الذي يعلم عدد المؤمنين, وعدد الكافرين, ويعلم من يطيعه ومن يعصيه, ويعلم المؤمن من المنافق, والبر من الفاجر, والصادق من الكاذب.

 

وهو -سبحانه- الذي يعلم أهل الجنة من أهل النار, ويعلم المفسد من المصلح, ويعلم من يستحق الهدى فيهديه بفضله, ومن يستحق الضلالة فيضله بعدله؛ جزاءً لإعراضه عن السبيل, ويعلم من يستحق الإكرام فيكرمه بطاعته وجنته, ومن يستحق الإهانة فيهينه، ويعلم الظاهر والباطن: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 13، 14]. فأحاط العليم بكل شيء علمًا: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: 110]، والخلق لا يحيطون علمًا بالخالق -جل جلاله-، فلا يعلمون شيئًا عن ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا ما أطلعهم الله عليه عن طريق رسله، وكتبه المنزلة.

 

ولا أحد من الخلق يعلم شيئًا من العلم إلا بتعليم الله لهم، ولهذا قالت الملائكة: (سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [البقرة: 32]. وامتن الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) [النساء: 113].

 

أيها المسلمون: إن علم الله -تبارك وتعالى- كامل شامل لا يعتريه نقص أبدًا، مطلقٌ لا يحُدّه شيء، واسعٌ شامل لكل شيء، محيطٌ بجميع المخلوقات في الأرض والسماء، لا يعزب عنه مثقال ذرة: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر: 7]. وهو -سبحانه- بكل خَلْق عليمٌ، لا يشغله علمٌ عن علم، كما لا يشغله سمعٌ عن سمع، وأنَّى للبشر مثل هذه الصفات، فهم يولدون جهلةً لا يعلمون شيئًا، ثم يتعلمون شيئًا فشيئًا: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78].

 

وجميع المعلومات التي علَّمها اللهُ بني آدم لو أُعطيت لشخص، ثم كان البشر كلهم على مثل علم ذلك الشخص، لكان هذا العلم كله كالذرة بالنسبة للعلم الإلهي الواسع الشامل: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء: 85]. فالخلق لا يعلمون شيئًا إلا ما أذن الله لهم أن يعلموه، وهو وحده -سبحانه- الذي له الكمال المطلق، والعلم المطلق، وقد وهب الله -سبحانه- المعرفة للإنسان منذ أراد إسناد الخلافة إليه في الأرض، وعلّمه الأسماء كلها، ووعده بأن يريه آياته في الآفاق والأنفس، وكل ما يلزم له في خلافة الأرض، كما قال -سبحانه-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت: 53].

 

والله -سبحانه- له مع الخلق العظيم، والهيمنة التامة، له العلم الشامل اللطيف، المحيط بكل شيء، فـ(هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الحديد: 4]. ففي كل لحظة يلج في الأرض بأمر الله ومشيئته ما لا عدد له ولا حصر من شتى أنواع الأحياء والحبوب والأشياء، ولا يعلم ذلك كله إلا الله وحده.

 

وفي كل لحظة يخرج من الأرض ما لا عدد له ولا حصر، من خلائق لا يعلمها إلا الله وحده من النباتات والأشجار والحيوان، والمعادن والمياه والغاز. وفي كل لحظة ينزل من السماء من الأمطار والأشعة والشهب والملائكة، والأقدار والأسرار، والأوامر، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وحده. وفي كل لحظة يعرج فيها من المنظور والمستور، والملائكة والأرواح وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله وحده. فسبحان العليم الحكيم.

 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الواسع العليم، العلي العظيم، المتصرف في خلقه بما تقتضيه حكمته ورحمته فهو الحكيم العليم الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ذو الفضل العظيم والخير العميم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالهدى والرحمة والصبر واليقين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: اتقوا الله وثقوا في علمه، وتوكلوا عليه، وتيقنوا أن الله –سبحانه وتعالى- محيطٌ بكل شيء، عليمٌ بكل أحد، فهو مع كل أحد، مطلعٌ على ما يعمل الخلق، بصيرٌ بالعباد، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، قال العليم الحكيم: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [المجادلة: 7].

 

إن هذه الآية تحمل بين طياتها حقيقة رائعة ومخيفة في نفس الوقت؛ إذ يشعر العباد بظلال القرب من العليم -سبحانه-، وفي نفس الوقت مذهلة مخيفة بروعة جلال الرب، وهي كفيلة حين يحسها القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره، وتدعه مشغولاً بها عن كل أعراض الأرض وزينتها، كما تدعه في حذر دائم، وخشية دائمة، مع الحياء والتحرج من كل دنس، ومن كل جهالة، ومن كل غفلة، وصدق الله (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: 54].

 

فمتى تؤوب هذه الأنفس الشاردة إلى ربها؟, ومتى تفر إليه؟, ومتى تستحي منه؟, ومتى توقّره وتعظّمه؟ إنها تقف في كل لحظة أمام بارئها، الذي يعلم ما بين أيديها وما خلفها، ويعلم سرها وجهرها، ويعلم ما يحيط بها من ماضٍ وآتٍ، مما لا تعلمه هي ولا تدريه.

 

فما أجدر الإنسان الذي يقف مكشوفًا بكل ما في سريرته أمام الملك الديان، ويتقلب في نعمه ليله ونهاره، ويبارزه بالمعاصي في أرضه بلا حياء ولا خوف، ما أجدره أن يتوب إلى ربه الذي خلقه وصوّره، وأكرمه ونعَّمه؟! وما أحراه أن يستسلم لمن يعرف ظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، واسمع لنداء الرحيم الكريم -سبحانه- إذ يقول: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16].

والله -سبحانه- أعلم بما في نفوس العالمين، وأعلم بمن ضل عن سبيله، وأعلم بمن اهتدى، وأعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بما يكتمه الناس، وأعلم بمن في السموات والأرض، وأعلم بمن هو أهدى سبيلاً، وأعلم بأقوال العباد وأفعالهم، وأعلم بأنفاسهم وكلامهم، علام الغيوب، العليم بذات الصدور. فما أسفه وأجهل الذين لا يعرفون ربهم، ويظنون أن الله لا يعلم أحوالهم وسرهم ونجواهم، ومن ثَم يبارزونه بالمعاصي: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [التوبة 78].

 

وكل شيء من أقوال الخلق وأعمالهم معلوم للرب, مكتوب في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. فما أخطر الجهل بالله ودينه والغفلة عنه!! وما أعظم الحسرة والندامة، والخزي والفضيحة، حين تُعرَض أعمال العبد السيئة على ربه! ويرى الإنسان نفسه وهو يزاول تلك الأعمال التي يسودّ لها وجهه، وينخلع لها قلبه يوم القيامة: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 6 - 8].

 

أيها المسلمون: كل من آمن بسعة علم الله تعالى، فإنه يعمل بموجب ذلك، وموجب ذلك أن تعلم أن الله معك حيثما كنتَ, يراك، ويراقبك، ويطلع على أسرارك، ويعلم ما تخفيه في قلبك, من آمن بذلك فلا شك أنه سوف يراقب الله، ويخشاه ولا يخشى أحدًا إلا الله، فإذا حدثته نفسه بأمرٍ من الأمور المحرمة، فكّر، وقال: كيف أقدم على هذا الذنب والله تعالى يراني ويعلم ما في ضميري؟! يعلم النيات، ويعلم الأسرار، ويعلم الخفايا، ويعلم ما أجهر به وما أسرّ به، فيحمله ذلك على أن لا يجترئ على ذنب ولو كان صغيرًا؛ لأنه يعلم أن ربه الذي يملكه والذي نهاه عن ذلك، عالمٌ بما يقوله وعالمٌ بما يفعله.

 

عباد الله: إن من يؤمن بعلم الله -تبارك وتعالى- واطلاعه على تصرفاته وسائر أقواله وأعماله، ونومه ويقظته، ولهوه وغفلته، لجدير أن يعظّم ربه، وأن يعرف أن الله يراه ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فيعظمه ويطيعه، ولا يجترئ على العصيان ومحاداة الرحمن، بل إذا تيقن ورسخ في يقينه أن الله هو العليم بكل شيء، والعالم بأحوال الخلق وعلام الغيوب، فإنه يلزم طاعته ولا يتعدى حدوده، حتى يصل لمقام المراقبة الذي يرتقي به لمقام الإحسان، فالمراقبة ثمرة الإيمان بعلم الله -تبارك وتعالى-.

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "قال الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) [البقرة: 235]، وقال تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا) [الأحزاب: 52]، وقال تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) [الحديد: 4]، وقال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) [العلق: 14]، وقال تعالى: (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) [الطور: 48]، وقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [غافر: 19] إلى غير ذلك من الآيات، وفي حديث جبريل -عليه السلام-: أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإحسان؟ فقال له: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" [مسلم: 8]. فالمراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق -سبحانه- وتعالى على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين: هي المراقبة، وهي ثمرة علمه بأن الله -سبحانه- رقيبٌ عليه، ناظرٌ إليه، سامعٌ لقوله، وهو مطّلعٌ على عمله كل وقت، وكل لحظة، وكل نَفَس، وكل طرفة عين," اهـ[مدارج السالكين 2/65].

 

أيها المؤمنون: قد يتوهم بعض الجهال أن علم الله -تبارك وتعالى- واطلاعه على خلقه وقربه منهم يستلزم حلوله -سبحانه- واتحاده بخلقه، وهذا فهم خاطئ. تعالى الله عما يصفه الجاهلون علوًّا كبيرًا.

 

إن من الإيمان بالله -سبحانه- الإيمانَ بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله، وأجمع عليه سلف الأمة؛ من أنه -سبحانه- فوق سمواته على عرشه استوى، عَلِيٌّ على خلقه، وهو -سبحانه- معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون؛ كما جمع بين ذلك في قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الحديد: 4].

 

وليس معنى قوله: (وَهُوَ مَعَكُم) أنه مختلط بالخلق، معاذ الله؛ فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر وغير المسافر أينما كان.

 

وهو -سبحانه- فوق عرشه، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع عليه,. إلى غير ذلك من معاني ربوبيته، ومع ذلك لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ لكمال علمه -سبحانه- وتعالى.

 

ختامًا -أيها المؤمنون-: ما أجمل أن نتدبر قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216] ، فليس كل ما نعلمه ونختاره يكون خيرًا لنا، ولذلك نفوّض أمورنا لله العليم الحكيم الذي يعلم ونحن لا نعلم، يعلم البدايات والنهايات، والعواقب والخواتيم، وما أجمل أن يردد العبد دائمًا قول ربه وسيده ومولاه (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) في كل موقف عجز عن فهم أقدار الملك العليم الحكيم.

 

عباد الله: إننا إذا آمنا بعلم الله -سبحانه- واطلاعه، وثقنا في حكمه وحسن اختياره لنا، ولا نسيء الظن فيه جل وعلا، بل نتيقن بعلمه وحكمته ورحمته، وأن كل قضاء يقضيه فهو خير لنا. ولكن علينا أن نأخذ بالأسباب المشروعة، ونؤدي العبادات المفروضة، ونتطلع لرحمة الله -تبارك وتعالى-، مع الثقة في عدله وحكمته ورحمته، قال تعالى منوهًا للعمل الصالح، والاجتهاد فيه، ثم طلب الرحمة، قال: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة: 218].

 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع, ومن قلب لا يخشع, ومن دعاء لا يُسمع, ومن نفس لا تشبع.

 

 

 

المرفقات

والله يعلم وأنتم لا تعلمون.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات