واستعينوا بالصبر والصلاة

منصور محمد الصقعوب

2021-12-17 - 1443/05/13 2021-12-28 - 1443/05/24
عناصر الخطبة
1/كلنا ضعفاء إلى الله 2/الصبر والصلاة من أعظم الوسائل المعنية للعبد في هذه الحياة 3/استعانة السلق بالصلاة عند الأزمات 4/ماهية الصلاة المعينة للعبد عند الأزمات 5/الصلاة راحة وليس في تضييعها راحة

اقتباس

الصلاةُ غذاء القلوب، وزاد الأرواح، مناجاةٌ ودعاء، خضوع وثناء، وتوسل ورجاء، واعتصام والتجاء؛ إنها ملجأ المسلم، وملاذ المؤمن، فيها يجد البلسم الشافي، والدواء الكافي، والغذاء الوافي، إنها خير عدّة وسلاح، وأفضل جُنَّة وكفاح، وأعظم وسيلة للصلاح والفلاح والنجاح، تنشئ في النفوس، وتذكي في...

الخطبة الأولى:

 

عباد الله: العبد في سائر أحواله يحتاج إلى معين يعينه، وسند يسنده، وأمرٍ يعضده؛ لأنه بين طاعة يريد فعلها، ولن يقدر على ذلك إلا بعون من الله، وبين معصيةٍ يريد تركها، ولن يستطيع ذلك ما لم يكن له من ربه سندٌ، وبين أمرٍ دنيوي، فهو لن يقدر على أدائه إلا بتوفيق ربه.

كلنا ضعيف محتاج للقوي -سبحانه-، كلنا عاجز إلا إن أعانه الله، كلنا ضالٌ إلا إن وفقه الله بهدى، ولأجل ذلك فكم يحتاج العبد في كل حال إلى أن يستعين بذي العزة والجلال، ويأوي إلى الكبير المتعال.

 

ثمة أمورٌ في حياتنا يشق علينا أدائها إلا بعون من الله.

 

وإذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده

 

إن التاجر حين يسعى للربح في تجارته، وإن الطالب حين يسعى للنجاح في دراسته، والأب حين يجتهد في تربية نشئه، وكلَ عامل حين يسعى للقيام بعمله، بل وإن طالب الفوز بالجنة والنجاة من النار، عليهم جميعاً أن يذكروا أيةً في القرآن يقرأها المسلم في كل ركعة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة: 5]، والحق -سبحانه- أمر عباده أن يستعينوا بعملين اثنين، وعبادتين جليلتين، قرر ذلك في آيتين فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[البقرة: 153]، (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45] نعم الصبر والصلاة، فأما الصبر فقلبي، وأما الصلاة فبدني، وتأمل كيف ذكر الاستعانة بالصبر والصلاة في ضمن الحديث عن أشق الأعمال، عن الجهاد، والقتل، فما هي المزية فيهما؟

 

أما الصبر فهو لا بد منه في هذه الحياة، فطاعة الله لن يُقدر عليها إلا بالصبر، وحبسُ النفس عن الذنوب لن يقدر المرء عليه إلا بالصبر، ونيلُ رضا الله لن ينال إلا بذلك، بل ولن تستقيم الحياة كلها إلا بالصبر، فطالب المعالي، والباحث عن التفوق الدراسي والتجاري والمعرفي والوظيفي، وأشرف من ذلك طالب التفوق الأخروي لن ينال ذلك كله إلا على جسرٍ من الصبر، فمن أطلق لنافسه زمامها، وترك لها عنانها، فسيظل في الخاملين إن في أمر الدنيا أو في أمر الدين.

 

وأما الصلاة فهي الصِلةُ واللقاءُ بين العبد ورب السماء، هي أُمّ العبادات وأساس الطاعات، هي نهر الحسنات الجاري، وسيل الأجور الساري، صلةٌ يستمد منها القلب قوةً، وتحس فيها الروح صلةً، وتجد فيها النفسُ زاداً أنفس من أعراض الحياة الدنيا.

 

الصلاةُ غذاء القلوب، وزاد الأرواح، مناجاةٌ ودعاء، خضوع وثناء، وتوسل ورجاء، واعتصام والتجاء؛ إنها ملجأ المسلم، وملاذ المؤمن، فيها يجد البلسم الشافي، والدواء الكافي، والغذاء الوافي، إنها خير عدّة وسلاح، وأفضل جُنَّة وكفاح، وأعظم وسيلة للصلاح والفلاح والنجاح، تنشئ في النفوس، وتذكي في الضمائر قوةً روحية، وإيمانًا راسخًا، ويقينًا عميقًا، ونورًا يبدد ظلماتِ الفتن، ويقاوم أعتى المغريات والمحن.

 

كلما اشتدت وطأة الحياة، وصعبت واجبات المرء، وجد المؤمن في الصلاة عوناً تسمو به نفوس العارفين المتقين، وأفئدة الأولياء والصالحين.

وكلما توالت الابتلاءات، وتعددت المصائب والامتحانات، وجد المؤمن في الصلاة سلوةً تنسيه همّ مصيبته، وتُلقي في قلبه الصبرَ والعونَ، وفي القرآن يخاطب الله رسوله -صلى الله عليه وسلم حين وجد الشدة من صدود الناس، وضاق صدره لذلك: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ)[الحجر: 97-98].

 

الصلاة ذكرها الله مع الصبر؛ لأنها مدَدُه بإذن الله، فحين يطول الأمد، ويشقّ الجهد، قد يضعف الصبر، أو ينفد، إذا لم يكن هناك زاد ومدد، فجاء الأمر بالصلاة مع الصبر؛ لأنها المَعين الذي لا ينضب، والزادُ الذي لا ينفد، يتصل به العبد الضعيف بالقوي، يستمد منه العون، حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق، حينما يجدُ الشرَّ نافشاً، والخيرَ ضاوياً، ولا شعاع في الأفق، ولا معلم في الطريق، فتأتي الصلاة لِتُشِعَّ في قلبه الخير والطمأنينة.

 

ولأجل هذا القدرِ للصلاة كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يستعين بها إذا حزبته الأمور، واشتدت الخطوب، أوليس هو القائل: "أرحنا بها" أو ليس أصحابه هم القائلون عنه: "كان إذا حزبه أمرٌ فزع إلى الصلاة"؟ أو ليس هو اللاجئ للصلاة في شدة الأحوال، وأحلك الكربات؟ بلى، ولا عجب فهو قد قرأ في القرآن: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ)[البقرة: 45].

 

معشر الكرام: وحين عرف الصالحون قدر الصلاة في الأزمات لجأوا إليها واستعانوا بها، كان أحدهم إذا استغلق عليه الفهم لجأ إلى الصلاة، ومرّغ جبهته فيها ففتح الله عليه فتحاً من عنده في العلم والفهم، وقال أحدهم: جاءني خبر مصيبة موت بعض أهلي فذكرت قول الله: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ)[البقرة: 45] فتوجهت إلى القبلة فصليت فما هو إلا أن فرغت منها فوجدت السكينة تغمر قلبي، والرضا يملأ جوانحي.

 

وكان بعضهم يستعين على صلاح ذريته بالصلاة مع فعله للأسباب، وكان بعض السلف يطيل صلاته ويقول لبنيه: "إني لأطيل في صلاتي من أجل أن يحفظني الله فيكم، ويقرأ: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا)[الكهف: 82]، وقال أحدهم: "كنت في معصية لم أستطع تركها، فجعلت على نفسي كلما حدثتني بها أن أصلي ركعتين، فأعانني الله على تركها بلا رجعة، وإذا كان الله قد جعل الصلاة أمراً يُلجأ إليه عن حدوث التغيرات الكونية، من خسوف وكسوف وجدب وقحط، فلا عجب أن تكون ملجأً يُلاذ به بعون الله عند طروء المشاكل الدنيوية.

 

هل جرب الزوج عند تكدُرِ حياته، والتاجرُ عند تعثر تجارته، والمهمومُ عند تعاقب الهموم عليه، والمريضُ حين يطول سقمه، هل جربوا أن يلجؤوا إلى القبلة، ويصلوا لربهم، مستشعرين العون في الصلاة، هل راجعنا أنفسنا في الصلاة حينما تشتد بنا الأزمات؟ إن ذلك أمرٌ لا بد من أخذه بالحسبان.

 

معشر الكرام: وإذا كانت الصلاة هي عونٌ يستعان به على أمور الدنيا والآخرة، فإن ذلك يُنال إذا أقبلت عليها ببدنك وقلبك، وكان الذهنُ حاضراً والخشوعُ موجوداً، لتلذ بها وتأنس بربك فيها.

تكون الصلاة عوناً لمن أدّوها في أوقاتها، فلم يضيعوا فرضاً ولم يؤخروا وقتاً، ولم يتخلفوا عن جماعة ولم يناموا عن صلاة.

تكون الصلاة عوناً لنا إذا أكثرنا من نفلها، وحافظنا على فرضها، وحينها تنهانا الصلاة عن الفحشاء، ونسعد بها في الدنيا والأخرى، ونجد بها العون في خضم شدائد الدنيا، ونستعين بها على بلوغ الجنة الكبرى.

 

فاللهم اجعلنا ممن استعان بالصبر والصلاة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده...

 

أما بعد: في يوم القيامة حين يشتد الحرّ وتدنو الشمس، ومن أسعد الناس بالنجاة من حرّها، وبالاستظلال بظل العرش في ذلك اليوم أهلُ الصلاة، فلقد عد المصطفى من المستظلين بظل العرش "رجل قلبه معلق بالمساجد".

إن أقداماً خطت للمساجد وإن جباهاً سجدت لله ذلاً بين يديه، وأعيناً هجرت النوم يوم سمعت منادي الصلاة، وقلوباً أقبلت على الله في كل يوم خمس مرات، موعودة من ربنا أن تكون من قومٍ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

 

يا كرام: الصلاةُ راحةٌ، وليس في تضييعها راحةٌ، هي هناءٌ وليست بعناء، هي أنسٌ، وقد ضلّ طريق الأنس من أخطأ طريقها.

قولوا لمن بحث عن أسباب السعادة، ولمن طرق كل باب بحثاً عن الراحة، قولوا لمن طوفوا بحثاً عن أماكن يسعدون فيها: أما إن السعادة أقرب إليكم من كل شيء، إنها في الركعات والسجدات لرب البريات.

سل المهموم ماذا يبقى من همه حين يلجأ لها.

سل المحزون عن حزنه حين أقبل عليها.

سل المصلي في ظلمة الليل أي سعادة يجدها يوم أن يقوم لربه في الظلمات، ويناجي رب الأرض والسماوات؟

 

ولو تكلم أهل القبور لحدثوك كيف نوّرت الصلاة قبورهم، ولأخبروك أن ركعتين أحبُ إليهم من دنيانا كلها.

وقد ذكر ابن الجوزي عن بعض الصالحين: أنه صلى ركعتين في الليل، فرأى أحد أصحابه يقول له: إنكم تعلمون ولا تعملون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل، إن الركعتين اللتين ركعتهما خيرٌ من الدنيا وما فيها، وإذا كان هذا في النفل فالفرض أشرف.

 

فلنَعُد لبيوت الله، ولنُعِد لبيوت الله قدرها، ولنعلق القلوب بها، ولنحاسب أنفسنا على الصلاة، فلئن عذّرنا لأنفسنا اليوم بطول صلاة الإمام أو تأخر إقامته أو عدم احتمال حرّ أو بردٍ، أو قلنا للناس أننا صلينا ولم نفعل، فلنعلم أن الذي يحاسبنا هو الذي لا تخفى عليه خافية.

 

ويوم أن يودع المرء في قبره فلن ينفعه قوةُ بدنه ولا شرف نسبه ولا كثرة ولده، بل تنفعه الركعات والسجدات، والقربات والطاعات، وإذا أغلقت اليوم دوننا أبواب الدنيا فباب الله لا يغلق، وبيته مفتوح، وما خاب من قضى وقته ببيت رب الأرباب، وعلّق قلبه بالمساجد مناجياً الإله الوهاب، واستعان على أموره بالصلاة.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45].

المرفقات

واستعينوا بالصبر والصلاة.doc

واستعينوا بالصبر والصلاة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات