وأمرهم شورى بينهم

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2014-05-05 - 1435/07/06
عناصر الخطبة
1/ أهمية الشورى في حياة الفرد والمجتمع 2/الشورى هي نظام إسلامي متكامل   3/بين الديمقراطية والشورى 4/الإسلام يحترم العقل 5/ثمرات وفوائد الشورى   6/معاناتنا بغياب الشورى 7/الرسول يستشير أصحابه

اقتباس

إن للشورى أهمية عظيمة في حياة الفرد والمجتمع، فالمرء الذي يشاور العقلاء ويستشيرهم في أموره يدرك صواب رأيه أو خطأه، وربما عزم على أمر فإذا شاور غيره فيه تبين له خلاف ما كان يعتقده وما يتصوره فيعدل عن رأيه، ويكف عن الإقدام على ذلك الأمر الذي عزم على فعله...

 

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي قدر فهدى، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، وجعل الشورى نظاماً ومنهجاً ودستوراً، والصلاة والسلام على إمام المصلحين، وخاتم النبيين والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وأتم به النعمة وأكمل الدين، وعلى آله وأصحابه الذين نشروا دعوته، وأقاموا سنته، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

 

عباد الله: يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العظيم: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [الشورى : 38]، لقد قرن الله -سبحانه وتعالى- الشورى في هذه الآية بعبادات جليلة وعظيمة كالاستجابة لله، والصلاة، والصدقة، مما يدل على أن الشورى عبادة كسائر العبادات التي أمر الله بها. يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) أَيْ: "لَا يُبْرِمُونَ أَمْرًا حَتَّى يَتَشَاوَرُوا فِيهِ، لِيَتَسَاعَدُوا بِآرَائِهِمْ فِي مِثْلِ الْحُرُوبِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) ولهذا كان -عليه الصلاة السلام- يُشَاوِرُهُمْ فِي الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا، لِيُطَيِّبَ بِذَلِكَ قُلُوبَهُمْ... " [ ابن كثير (2/ 211) ].

 

إن للشورى أهمية عظيمة في حياة الفرد والمجتمع، فالمرء الذي يشاور العقلاء ويستشيرهم في أموره يدرك صواب رأيه أو خطأه، وربما عزم على أمر فإذا شاور غيره فيه تبين له خلاف ما كان يعتقده وما يتصوره فيعدل عن رأيه، ويكف عن الإقدام على ذلك الأمر الذي عزم على فعله، وكم من أناس كانوا يظنون آرائهم صواباً محضاً لا خطأ فيها فلما شاوروا غيرهم ونظروا في آراء الآخرين علموا قصورهم، وتبين لهم وجه خطأهم، وهذه من أعظم فوائد الشورى، فلا تُقدم على أمر أياً كان نوعه، ولا تتخذ قراراً مهما كان حجمه إلا بعد مشاورة أهل الرأي والتخصص؛ حتى لا تقع فريسة للأخطاء، وعرضة للإخفاقات، وخاصة في الأمور الفيصلية، والقرارات الحاسمة، فإياك أن تتخذ فيها قراراً انفراديا بدون مشاورة لأحد، لأن هذا سيعرضك في كثير من الأحيان للأخطاء القاتلة، والسقطات المدوية.

 

عباد الله: إن الشورى هي نظام إسلامي متكامل، جعله الله أساساً ودستوراً للحكم الإسلامي، فنظام الدولة الإسلامية في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين هو نظام الشورى، ويوم كانت الأمة تمشي بهذا النظام كان العدل والإنصاف هو السائد، وكانت الأمور تسير على خير كبير، لأن قراراتها التي تتخذ كانت صائبة لأنها اتُخذت على هذا الأساس أساس الشورى.

 

إن هذا النظام العظيم نظام الشورى في الإسلام مكّن الأمة وجعلها هي صاحبة السلطان، فلا يتخذ الحاكم أو الأمير قراراً إلا بمشاورتها وأخذ رأيها، وجعلت السلطان ينظر إلى نفسه إلى أنه مجرد وكيل عن الأمة ونائباً عنها ولا يحق له أن يستبد برأيه، أو يتصرف بهواه بعيداً عنها، فغاب الظلم، واختفى الاستبداد، وزال الإجحاف، وصار الناس ينظرون إلى المستبد برأيه أنه خائن للأمة، وخائن للأمانة والمسئولية، ممارس للطغيان الذي يفسد البلاد والعباد.

 

فالشورى هي المنهاج الصحيح والطريق القويم الذي إذا أرادت الأمة الصلاح والخير فعليها أن تمشي عليه، وتتخذه نظاماً لحكمها، وتطالب بتطبيقه في واقعها، لأن المجتمع الإسلامي لن يتناسب معه أي نظام آخر غير النظام الشوروي، فلقد جربت الأمة النظام الوطني فزال وباد، وجربت النظام الشيوعي والاشتراكي فسقط وانتهى، وجربت النظام الديمقراطي العلماني فثبت فشله وظهر عجزه، فلن يصلح لها إلا نظام الشورى الذي صلحت به أول هذه الأمة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، لأنه النظام الوحيد القادر على إيصال رسالة الإسلام الحضارية إلى كل الأمم، وهو بداية الخير لكل تغيير وإصلاح تنشده الأمة وتريده.

 

ومما يثير الدهشة والعجب أن يساوي البعض بين الشورى والديمقراطية، ويرى أن الشورى هي الديمقراطية والديمقراطية هي الشورى، وهذا خطأ وباطل، فالشورى نظام إسلامي جاء به الدين الإسلامي الحنيف، والديمقراطية هي نظام غربي نشأ في الغرب وترعرع فيه، وإن صلح نظاماً لأمة من الغرب فإنه لم يصلح ولن يصلح لأهل الإسلام وبلاد الإسلام، فهذا نظام وذاك نظام، ومن يجعلهما نظاماً واحداً فقد ادعى دعوة غريبة، وجمع بين المتناقضين، فكيف نساوي نظام عتيق بنظام حديث؟، وإذا كانا شيئاً واحداً فلماذا اسم الديمقراطية يختلف عن اسم الشورى، فإذا كانوا يقولون أن الديمقراطية هي الشورى فلماذا يسمون الشورى بغير اسمها؟، لماذا لا يسمونها الشورى إذا كانوا يرون أنها هي هي؟، ولكنه التلاعب بالمصطلحات الشرعية، والاستسلام للواقع الذي فرضه النظام العالمي الجديد الذي عجزوا عن دفعه ومواجهته فحاولوا التلفيق بينه وبين النظام الإسلامي الذي لم يتمكنوا من تطبيقه، فيجب أن نحذر من التلاعب بالمفاهيم، وإنزال المصطلحات الإسلامية على المصطلحات الغربية.

 

إن الإسلام حينما أمر بالشورى وحث عليها ورغب فيها فإن في ذلك دلالة واضحة على تقدير الإسلام للعقل، واحترامه له، واعتباره مقتضى من مقتضيات التكريم لبني آدم، والاعتراف بشخصية الفرد، وإعطائه فرصة للنقد وطرح الرأي والحوار، (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء : 70]، لكن يجب أن نعلم أن الشارع الحكيم إنما أمر بالشورى في الأمور الدنيوية وما يتعلق بها، وكذلك في الأمور الدينيّة التي لا وحي فيها، أما الأمور التي قطع فيها الشرع ولم يترك فيها مجالاً للرأي والنقاش فإنها أمور محسومة لا مجال للتشاور فيها أو الاجتهاد، فالله -سبحانه وتعالى- حينما وضعها ولم يترك مجالاً للحوار حولها دل ذلك على أن المصلحة متحققة فيها فلا تحتاج إلى تتبع الآراء حولها، ولا مصلحة من التشاور فيها، لأن المصلحة فيها متحققة ومتيقنة، فلا يجوز مثلاً أن يتم التشاور حول حكم السارق، أو حكم الزاني، أو شارب الخمر، لأن مثل هذه المسائل قد أوضح الله فيها حكمه، وبين فيها فصله، فالتشاور فيها ووضعها على طاولة النقاش والحوار كفر وزندقة، وتعالي على أحكم الحاكمين -سبحانه وتعالى- الذي يقول: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة : 50] ويقول: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) [البقرة : 138].

 

عباد الله: إن الذي لا يشاور أحداً، ولا يتخذ الشورى مبدأ له في حياته، هو واحد من اثنين: إما أن يكون شخصاً عشوائياً، ضعيف الشخصية، غير مبالٍ، لا تهمه السقطات والعثرات التي يقع فيها، وإما أن يكون شخصاً متكبراً مغتراً بنفسه، يرى أنه أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم قراراً، ولذلك فلا حاجة له في مشاورة غيره ممن يراهم في نفسه أقل منه تفكيراً وأضعف رأياً، وهذا هو المنطق الفرعوني الذي كان عليه فرعون إمام المتكبرين الذي كان يقول: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر : 29]، فرأيه هو الرأي السديد، وقوله هو القول الصواب، وقراره هو القرار الراشد، فلماذا يستشيرهم أو يعرض الرأي عليهم.

 

وهكذا بعض الناس يقع في هذا الغرور، فلا يشاور ولا يحب الشورى حتى يقع في نهاية أمره وعاقبة فعله في الغرق والخسارة، وحينها يتمنى أن لو استشار أو أخذ برأي من أشار عليه في الأمر الذي وقع فيه، ولهذا أمر الله -سبحانه وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بمشاورة أصحابه، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس عقلاً، وأجودهم رأياً، وخيرهم وأفضلهم توفيقاً وسداداً، ومع ذلك كله قال الله له: ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران : 159].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي جَعَلَ الْإِسْلَامَ رُكْنَ الْهُدَى، وَالسُّنَّةَ سَبَبَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّدَى، وجعل الشورى منهجاً ونظاماً, وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سيدنا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه, وَسَلَّمَ تسليماً كثيراً مباركاً مزيداً.

 

أيها الناس: وفي الشورى ألفة ومحبة، وتكاتف اجتماعي عظيم، فتخيل حينما تشاور عدداً من أهل الخبرة في أمر ما، لا شك أن هذه الشورى ستخلق بينك وبين من شاورتهم علاقة طيبة، لأنهم يرون في استشارتك لهم تقديراً لهم، واحتراماً لآرائهم وأفكارهم وعقولهم، واستفادة من خبراتهم وتجاربهم، ولولا هذا ما استشرتهم، إذ ليس من المعقول أن تشاور أحداً وأنت ترى فيه النقص والضعف، فلن تشاور إلا من ترى كمال عقله، وقوة تفكيره، وصواب رأيه، فيُكن لك في نفسه المحبة والقبول الصادق، كما أنه سيرى فيك الرجولة والكمال والحزم حينما يراك تستشير في آرائك، وتبتعد عن الوحدة والانفرادية في اتخاذ القرارات، يقول ابن العربـي -رحمه الله-: "الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هدوا إلى الصواب" [ أحكام القرآن ( 4 / 91 ) ].

 

فالشورى خير وبركة، وفيها من الهبات والبركات الشيء الكثير، يكفيك في ذلك أن فيها امتثالاً لأمر الله، واقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكفى بهذا خير وبركة، كما أن من بركاتها اجتماع الآراء، وتنوع وجهات النظر التي تعطي للمرء فرصة في الأخذ بأفضل الآراء، وأصوب الأقوال، والوصول إلى الحقيقة التي يريد الإنسان أن يصل إليها، ويطمح في معرفتها، ليكون مسدداً موفقاً، بعيداً عن الوقوع في المتاهات والاضطرابات التي تسببها الفوضى والاستبداد في الرأي بدون مشاورة ولا شورى، لأن العقول الراجحة إذا اجتمعت وصل الإنسان إلى الصواب بكل سهولة ويسر، وتكون له آراء من استشارهم كالنور الذي يضيء له الطريق، ويوضح له الأشياء، ويبصره بالواقع الذي يدور حوله والذي ربما يكون الإنسان غافلاً عنه، أو لا يحيط به من كل الوجوه، فتأتي الشورى لتعطيه الصورة الكاملة، وتدله على الحقيقة الغائبة.

 

عباد الله: إننا نعاني اليوم من التشتت في كثير من آرائنا، والتناقض في واقع حياتنا، والاضطراب في حل مشاكلنا، بسبب بعدنا عن هذا المنهج الإسلامي الأصيل، وهذا المبدأ المهم مبدأ الشورى، فكل واحد منا لا يشاور إلا نفسه ونفسه فقط، فتجد الوالد في البيت ربما لم يضع مسألة واحدة على أولاده في يوم من الأيام ليرى رأيهم فيها، وكل ما عنده قرارات فقط وما عليهم إلا التنفيذ فقط، وهكذا تجد الأم هي من تتصرف، وهي من تأمر، ولا تشاور بناتها في أمور البيت واحتجاجاته، وإذا وضعت عليهن الرأي فإنما هو للعلم فقط وليس للشورى، بل ربما يحصل من الوالدين وهو الأطم ضررا والأعظم تعديا أن يزوجوا الابن أو البنت بدون استشارته وأخذ رأيه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: "أَنْ تَسْكُتَ" [ البخاري (5136) مسلم (1419) ] ومعنى تستأمر: أي يطلب أمرها وتشاور.

 

وهكذا لو نظرنا إلى الوضع في مدارسنا ومحاضننا التربوية والتعليمية ومناهجنا تجد أن هذا النهج قد غاب عنا إلا من رحم الله، مع أننا لو تأملنا واقع النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الجانب جانب الشورى لوجدنا عجباً عجاباً، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- يشاور في كثير من الأمور: فشاور في بدر عندما شاورهم في الخروج للقتال، وشاوره الحباب بن المنذر في تغيير المكان الذي نزلوا فيه فغيره -صلى الله عليه وسلم- حينما أدرك صواب رأيه، كما شاورهم -صلى الله عليه وسلم- في أسرى بدر.

 

وكذلك في معركة أحد استشار الناس جميعاً في الخروج لملاقاة الاعداء أو البقاء في المدينة لأن الأمر يهمهم جميعاً، وأشار عليه البعض بالخروج والبعض بالبقاء، وكان عامة الرأي على الخروج فخرج؛ وإن كان ذلك مخالفاً لرأيه صلوات ربي وسلامه عليه.

 

وفي غزوة الخندق عندما أراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يعطي غطفان ثلث ثمار المدينة شريطة ألا يقاتلوا المسلمين، ويعودوا إلى بلادهم، وبعث لأجل ذلك إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة -رضي الله عنهما- يستشيرهما، فقالا له قبل أن يبديا رأيهما: "يا رسول الله, أمرا تحبّه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا"... قال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عليكم من شوكتهم إلى أمر ما"، فأشارا عليه وخالفاه وأخذ برأيهما.. وقبل هذا استشارهم في كيفية مواجهة هذا التحالف العسكري الكفري على المسلمين، فأشار عليه سلمان رضي الله عنه بحفر الخندق.

 

وفي صلح الحديبية استشار النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في الخروج إلى البيت معتمرين، فإن صدتهم قريش قاتلوهم فأشاروا بالخروج وفرحوا بمقدمهم على البيت، ولكن الله تعالى أراد ما هو خير لهم فجرت مفاوضات طويلة حتى كتب الصلح بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين قريش، ولما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كتابة الصَّلح قال لأصحابه: "قوموا، فانحروا ثمّ احلقوا .." حتى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمَّا لم يقم منهم أحد؛ دخل على أمَّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس فأشارت على النبي -صلى الله عليه وسلم- برأي وعرف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- صواب ما أشارت به، ففعله، فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به.

 

ولما نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْن الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [ الأحزاب , آية: 28 - 29]، عرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأمر على نسائه، وخيرهن بما نصت عليه الآيتان فبدأ بعائشة -رضي الله عنهما- وقال لها "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ" [ البخاري (4785) ] وفي رواية مسلم: "حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ" فقَالَتْ: "أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ " [ مسلم (1478) ].

 

وهكذا كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- استشار الناس في حرب فارس والروم، وكذلك فعل عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- استشار الناس جميعاً حتى النساء والعامّة في أيّهم يختارون للخلافة بعده، وحوادث الشورى في عهدهما كثيرة ومشهورة.

 

وها هو عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- يشاور أصحابه في أمر الخوارج الذين ثاروا ضده فيرسل إلى معاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عامر ليشاورهم في الأمر ويقول لهم: "إن لكل امرئ وزراء نصحاء، وإنّكم وزرائي، ونصحائي، وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلي أن أعزل عمّالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون، فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي"، فأخذ كل واحد منهم يدلي برأيه في الأمر حتى يصلوا إلى الرأي الأصوب.

 

ولما تولّى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أشار عليه المغيرة بن شعبة بأن يثبّت معاوية بن أبي سفيان على الشام، ويولّي طلحة والزبير مصر والعراق ليستقيم له الأمر، ولكن ابن عبّاس عارض هذا الرأي، وهذا إن دل على شيء فإنّه يدل على أن مبدأ الشورى كان واقعا في حياة الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم أجمعين-.

 

فهلا اقتدينا برسولنا الأمين، وخلفائه الراشدين، في إعمال الشورى في حياتنا، لتصبح جزء لا يتجزأ من ممارساتنا اليومية، وتأخذ الشورى دورها الحقيقي في أرض الواقع، ونربي عليها أبنائنا وطلابنا لتصبح نظاماً نمشي عليه ونسير به، (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [الشورى : 38].

 

أيها المسلمون: وحتى نخرج من خطبتنا هذه بأمور عملية، حبذا لو يتكون في كل مدينة أو حي مجلساً استشارياً، يضم عدداً من الاستشاريين، والأكاديميين، والمختصين، والمفكرين، وأهل الرأي والمشورة، يرجع إليهم من لديه استشارة أو رأي، أو فكرة فيعرضها عليهم، ويأخذ رأيهم فيها، أو يتشاورون مثلا في قضية معينة أو نازلة ما، هذه فكرة أرجوا أن يكون لها صدى وقبولا، فإن فيها خيرا كبيرا، وفائدة عظيمة للجميع، وكما يقال في المثل: "َما خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَار"، ويقول أحد الأدباء: "من استغنى برأيه ضل، ومن اكتفى بعقله زل".

 

صلوا وسلموا وأكثروا من الصلاة والسلام على من أمركم ربكم جل جلاله بالصلاة والسلام عليه فقال (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب : 56].

 

اللهم اجعلنا من أهل الشورى، ووفقنا لما تحب وترضى، وخذ بأيدينا إلى كل خير، وأبعدنا عن كل شر، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى آرائنا طرفة عين.

 

اللهم متعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة.

 

 

 

 

 

المرفقات

شورى بينهم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات