هنَّ أُمّ الكتاب

الشيخ زيد الشريف

2021-07-09 - 1442/11/29 2021-10-12 - 1443/03/06
عناصر الخطبة
1/شؤم مخالفة الأمر المُحْكَم من شريعة الله 2/الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة 3/شريعة الإسلام شريعة محكمة وواضحة 4/وجوب ردّ المتشابهات إلى المحكمات 5/ من واجب المسلم في أزمان الفتن 6/ مفهوم المحكمات وأهمية التمسك بها.

اقتباس

إن من أوجب واجبات العصر أن يتمسك المسلم بهذه المحكمات، وأن يعلم أن الزيغ عنها هلاكٌ وفتنةٌ، وأن شأن أهل النفاق هو تتبُّع المتشابهات وهَدْم المحكمات. لقد بِتْنَا اليوم نسمع مَن يبيح الخمور والسفور، مَن يشرعن المثلية واللواط، مَن يبيح فواحش القول والعمل، مَن يشكك بعقيدة المسلمين، مَن...

الخطبة الأولى:

 

عباد الله: حين غادر الصحابة، وعلى رأسهم نبينا محمد -صلى  الله عليه وسلم- بجيشه لمجابهة المشركين عند جبل أُحُدٍ، أمَر النبيُّ -صلى  الله عليه وسلم- الرماة من أصحابه بأن يعتلوا الجبل -الذي يُعْرَف اليوم بجبل الرماة-، ثم قال لهم -صلى  الله عليه وسلم- بعبارة واضحة محكمة: "إنْ رَأَيْتُمُونا تَخْطَفُنا الطَّيْرُ فلا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ، هذا حتّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ، وإنْ رَأَيْتُمُونا هَزَمْنا القَوْمَ وأَوْطَأْناهُمْ، فلا تَبْرَحُوا حتّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ"(صحيح البخاري).

 

 لقد كانت هذه العبارة جليَّة واضحة المعنى، لكنَّ الرماة لما أروا النصر والغنيمة تناسوا هذا الأمر المُحكَم، فانتهت المعركة إلى هزيمة قاسية، بسبب ذلك فَقَدَ أهلُ المدينة كِبَارَ رجالاتها، بل وشُجَّ وَجْهُ رسول الله -صلى  الله عليه وسلم-، وكُسِرَتْ ربَاعِيّته، وأُدْمِيَ؛ بأبي هو وأمي.

 

حديثي ليس عن تلك الغزاة، وعن عِبَرها وعن شَجونها وحزنها، وإنما أضرب مثلاً يُصوِّر فظاعة وشؤم مخالفة الأمر المحكم من شريعة الله.

 

عباد الله: إن طرف هذه القصة فيه إشارة إلى حقيقة أدلة التشريع، فإن من الأدلة آيات واضحات محكمات، وآيات متشابهات، قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)[آل عمران:7].

 

فأحكام الشريعة والدين كثيرة جدًّا، متَّصفة بالشمول والعموم، قال -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)[النحل:89]، وقال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[المائدة:3].

 

فهذه الشريعة ليست أحكامًا تنتهي بمجرد خروجك من المسجد، بل هي أحكامٌ تصاحبك في المسجد، وفي السيارة، وفي العمل، وفي البنك، وفي المستشفى، وفي فراش الزوجية، بل حتى في الخلاء -أجلكم الله-؛ لأنها شريعة جاءت لتُصْلِح البشرية وتُخْرِجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والشأن في أيّ قانون حينما يَصْدر من مُشرِّعه أن يكون واضحًا بَيِّنًا.

 

ولعل من أبرز ما تعانيه القوانين اليوم: سوء الفهم، لكن شريعة الله جاءت على صفتين الأصل من هذه الصفات أنها محكمة واضحة بينة قال -تعالى-: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)[هود:1].

 

تأمل -يا عبد الله- هذه الآية، التي بيَّنت أن  الشريعة جاءت مِن عند مَن اتصف بالحكمة والخبرة، وأنها شريعة محكمة واضحة بينة، وفي سورة آل عمران بَيَّن الله -تعالى- أنَّ من الشريعة ما هو محل اشتباه ونظر، (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)[آل عمران:7].

 

وقد بيَّن الله -تعالى- موقف أهل الزيغ الذين يتتبعون هذه المتشابهات؛ ليصدوا عن سبيل الله، ويخرجوا بها مِن رِبْقَة الشريعة قال -صلى  الله عليه وسلم-: "فإذا رأيت الذين يتَّبعون ما تشَابَه منه؛ فأولئك الذين سَمَّى الله، فاحذروهم"(رواه البخاري).

 

وإنما شأن أهل العلم هو ردّ هذا المتشابه إلى المحكم، قال -تعالى-: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)[آل عمران:7]، قال محمد بن جعفر: "المحكمات هي التي فيها حُجَّة الرَّبّ، وعصمة العباد، ودَفْع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضِعت عليه". 

 

قال -صلى  الله عليه وسلم-: "إن الحلال بَيِّن وإن الحرام بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدِينه وعِرْضه، ومَن وقَع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه"(رواه البخاري ومسلم).

 

فالحلال المحض بَيِّن لا اشتباه فيه، وكذلك الحرام المحض، ولكن بين الأمرين أمورٌ تشتبه على كثير من الناس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟ وأما الراسخون في العلم فلا يَشتبه عليهم ذلك.. وفي الجملة: ما ترك رسول الله حلالاً إلا مُبَيَّنًا، ولا حرامًا إلا مُبَيَّنًا، لكنَّ بعضه كان أظهر بيانًا من بعض.

 

قال رسول الله -صلى  الله عليه وسلم-: "تَركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك"(أخرجه الإمام أحمد).

 

 وقال العباس عم رسول الله -صلى  الله عليه وسلم-: "والله ما مات رسول الله -صلى  الله عليه وسلم- حتى ترك نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلال وحرَّم الحرام، ونكح وطلق، وحارب"(رواه ابن سعد والدارمي في سننه).

 

عباد الله: إن مِن واجب المسلم في أزمان الفتن: اتِّباع المحكمات الواضحات الجليات، التي هي من المعلوم من الدِّين بالضرورة، وكذلك التمسك بها كأركان الإيمان والإسلام وأصول العبادات والمعاملات وأصول المنهيات، وترك ما اشتبه عليه من أمر الدين لا بالتوقف عن العمل به، وإنما بسؤال أهل العلم عن ذلك.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم....

 

 

الخطبة الثانية:

 

وبعد: حتى نفهم ونتصور معنى المُحْكَم؛ بَسَطَ لنا الصحابي الجليل ابن عباس -رضي الله عنهما- مفهوم المحكم فَضَرَب مثالاً بآية الوصايا العشر التي هي مِثَال لبعض المحكمات في القرآن العظيم، قال -تعالى-: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الأنعام:151-153].

 

فهذه الآية اشتملت على عدد من المحكمات الواضحات الجليَّات، مَن تمسَّك بها وبغيرها من المحكمات أَمِنَ العقوبة في الآخرة، بل وأَمِنَ الفتنة في الدنيا. رُوِيَ أنَّ عليًّا أرسل لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- قبل الفتنة العظيمة يوم صفين أن ينضمّ لجيشه، فقال سعدٌ لعليٍّ: "أعطني سيفًا يُعْرَف به الحق من الباطل".

 

إن من أوجب واجبات العصر أن يتمسك المسلم بهذه المحكمات، وأن يعلم أن الزيغ عنها هلاكٌ وفتنةٌ، وأن شأن أهل النفاق هو تتبُّع المتشابهات وهَدْم المحكمات. لقد بِتْنَا اليوم نسمع مَن يبيح الخمور والسفور، مَن يشرعن المثلية واللواط، مَن يبيح فواحش القول والعمل، مَن يشكك بعقيدة المسلمين وتوحيدهم بربهم، مَن يبيح الشرك، ويبشّر به، مَن يُوالي أهل الكفر والإلحاد، أصبحتْ كثيرٌ من مُحكَمات الدين في وسائل الإعلام محل نظر واشتباه؛ رغم توارد الأدلة على ثبوتها.

 

إن السبيل الأول اليوم لأهل الإسلام: تعلُّم هذه المحكمات؛ للنجاة بدينهم قبل أن تجتالهم أيادي الإلحاد والإفساد..

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين....

 

المرفقات

هنَّ أُمّ الكتاب.pdf

هنَّ أُمّ الكتاب.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات