همسات وداع رمضان

سامي بن خالد الحمود

2011-11-23 - 1432/12/27
التصنيفات: رمضان
عناصر الخطبة
1/ الحث على الاجتهاد في العبادة آخر رمضان 2/ همسات وداع رمضان 3/ من سنن وآداب العيد 4/ التحذير من العودة للمعاصي بعد رمضان

اقتباس

ونحن نودِّع شهرنا الكريم، هذه همَسات الوداع تقول: أحْسِنُوا وداع شهركم، ضاعِفوا الاجتهاد في هذه الليالي، أكْثِروا من الذكر، أكثروا من تلاوة القرآن، أكثروا من الصلاة، أكثروا من الصدقات، أكثروا من تفطير الصائمين؛ ففي صحيح مسلم أنَّ رسول الله كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها ..

 

 

 

 

 

الحمد لله العزيز الوهَّاب، الغفور التوَّاب، غافر الذنب، وقابل التَّوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، إمام الأنبياء، وسيد الحنفاء، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، الذين آمنوا وهُدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد.

أما بعد: معاشر الصائمين، ها هو شهركم، قد قرُب رحيله، وأزف تحويله، فمع نهاية هذا الأسبوع يودِّعُنا هذا الضيفُ الكريم، شهرٌ كثيرٌ خيرُه، عظيمٌ بِرُّه، جزيلةٌ بركتُه. فنسأل الله الذي يسَّر صيامه وقيامه لنا أن يتقبله منا، وأن يجعله شاهداً لنا لا علينا.

معاشر الصائمين: ونحن نودع شهرنا الكريم، هذه همسات الوداع تقول: أحسنوا وداع شهركم، ضاعفوا الاجتهاد في هذه الليالي، أكثروا من الذكر، أكثروا من تلاوة القرآن، أكثروا من الصلاة، أكثروا من الصدقات، أكثروا من تفطير الصائمين؛ ففي صحيح مسلم أن رسول الله كان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها.

هذه بساتين الجنان قد تزيَّنَتْ، هذه نفَحات الرحمن قد تنزّلت، فحَرِيٌّ بالغافل أن يُعَاجِل، وجدير بالمقصِّر أن يشمر؛ وإن الجياد الأصيلة إذا قاربت الوصول جدت المسير.

همَسات الوداع تقول: اطلبوا الليلةَ العظيمة، ليلةَ العتق والمباهاة، ليلةَ القرب والمناجاة، ليلةَ القدر، ليلةَ نزول القرآن، ليلةَ الرحمة والغفران، ليلةٌ خير من ألف شهر، ليلةٌ من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه كما في البخاري من حديث أبي هريرة، فيا حسرة من فاتته هذه الليلة في سنواته الماضية! ويا أسفى على من لم يجتهد فيها في الليالي القادمة!.

همسات الوداع تقول: لا تتركوني من دون القيام، اتركوا لذيذ النوم، وجحيم الكسل، وانصبوا أقدامكم، وارفعوا هممكم، وادفِنوا فتوركم، وكونوا ممن قال الله فيهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [السجدة:16].

يا أيُّها الراقـدُ كَـمْ تَرْقُـدُ *** قُمْ يا حبيبي قدْ دَنَا المـــَوْعِدُ
وخُذْ مِن اللَّيْلِ وَسَاعاتِهِ *** حَظَّاً إذا ما هَـجَعَ الـرُّقَـُدُ

همَسات الوداع تقول: ارفعوا عنكم التنازع والخصام فإنه سببٌ في منع الخير وخفائه، ففي صحيح البخاري، عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخبرنا ليلة القدر فتلاحى -أي: تخاصم وتنازع- رجلان من المسلمين، فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلانٌ وفلانٌ فرُفِعَت" رواه البخاري.

همسات الوداع تقول: أحيوا سنة الاعتكاف، فإن هذه السُنَّة بلسمٌ للقلوب، ودواءٌ لآفاته، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يعتكف هذه العشر، طلباً لليلة القدر .

همسات الوداع تقول: استغلوا ما بقي من شهركم، فقد ذهب معظمه، ولا يعلم أحدكم هل سيصوم هذا الشهر في أعوامه القادمة أم سيكون في حفرة مظلمة من فوقه تراب، ومن تحته تراب، وعن يمينه تراب، وعن شماله تراب، ليس له أنيس ولا جليس إلا عمله الصالح؟.

همسات الوداع تقول: لا تفسدوا صفو الليالي ببعض المعكِّرات التي تفسد الجنان، وتجلبُ الأحزان، وتؤنبُ الضمائر، وتقلقُ الخواطر، فلقد اعتكف بعض الناس في هذه الليالي في الأسواق ومحلاتها، وتهافتوا على المراكزِ التجارية ومسابقاتِها، وتسمروا أمام القنوات وشاشاتها! فيا لله! ماذا قدموا للآخرة؟ ماذا قدموا للقبور وظلماتها، والقيامة وعرصاتها، والنار ودركاتها، والجنة ودرجاتها؟.

همسات الوداع تقول: القَبولَ القبولَ! فقد كان السلف -رحمهم الله- يجتهدون في إتمام العمل وإكماله، فإذا عملوا كانت قلوبهم وجلة خائفة من أن يُردَّ عليهم عملهم، كانوا -كما قال الله-: (يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون:60].

ومَن هم أهل القبول؟ إنهم الذين وصفَهم الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة:27]، جعلَنا الله وإياكم منهم.

ويا ليت شعري! من المقبول منا فنهنيه، ومن المطرود منا فنعزيه. فيا أيها المقبول، هنيئاً لك بقبول الله وإحسانه، ورحمته وغفرانه، وثوابه ورضوانه؛ ويا أيها المطرود بعصيانه، وغفلته وخسرانه، لقد عظمت مصيبتك بغضب الله وهوانه.

يا هذا، متى يُغفَر لِمَن لا يُغفَر له في هذا الشهر؟ ومتى يقبل مَن رُد في ليلة القدر؟ متى يتوب من لم يتب في رمضان؟ ومتى يصلح من فيه من الجهل والغفلة مرضان؟ فتب إلى ربك، واستدرك ما بقي من شهرك، وابك على خطيئتك، لعلك تلحق بركب المقبولين.

همَسات الوداع تقول: إذا مد الله في أعماركم، وأدركتم يوم عيدكم، فاشكروا الله بإكمال عدة شهركم؛ كبروا ربكم، وأدوا زكاة فطركم، واخرجوا يوم عيدكم فرحين بفضل الله ورحمته، شاكرين لنعمته، ومجتنبين ما يسخطه؛ واعلموا أن للعيد سنناً وآداباً يحسن ذكرها والعمل بها.

فمن سنن العيد: التكبير، ابتداء من دخول ليلة العيد وانتهاءً بصلاة العيد. قال الله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة:185]. وصيغة التكبير أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. يجهر به الرجال في المجامع والأسواق والبيوت، وتُسِرُّ به النساء؛ لأنهن مأمورات بالستر والحشمة.

ومن سنن العيد: الاغتسالُ لصلاة العيد، ولبس أحسن الثياب، والتطيُّب؛ والأكل قبل الخروج من المنزل على تمرات أو غيرها قبل الذهاب لصلاة العيد، ويسن أن يأكلهن وتراً.

وفي ذهابه إلى صلاة العيد يجهر بالتكبير، ويذهب من طريق إلى المصلى ويعود من طريق آخر، ومن سنن العيد صلاة العيد في المصلى، إذ هي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والصلاة في المسجد جائزة.

ومن سنن العيد اصطحاب النساء والأطفال والصبيان دون استثناء كما كانت سنته -صلى الله عليه وسلم-.

ومن سنن العيد الاستماع إلى خطبة العيد، والتهنئة بالعيد، فعن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك، قال الحافظ ابن حجر: اسناده حسن.

فاتقوا الله ربكم، وسلوه من فضله في ختام شهركم، و(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ العَظِيمِ) [الحديد:21].

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله...
إياكم أن تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان! فإذا انسلخ رمضان كان عيدهم إضاعة للواجبات، ونوم عن الصلوات، ومقارفة للمعاصي والمنكرات.

يا هؤلاء، إن كان الله تقبل منكم فليس هذا بفعل الشاكرين! وإن كان الله لم يتقبل منكم فليس هذا بفعل الخائفين.

يا هؤلاء، ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد .
عباد الله: كم هي المعاصي والمنكرات التي يقع فيها المسلمون في العيد، فمنها إضاعةُ الصلوات، وشرب المسكرات والمخدرات، والعكوف على القنوات الفضائحيات.

ومنها تزين بعض الرجال بحلق اللحى، إذ الواجب إعفاؤها في كل وقت ، ومنها الإسراف في بذل الأموال الطائلة في المفرقعات والألعاب النارية دون جدوى، وحَرِيٌّ أن تصرف هذه المبالغ على الفقراء والمساكين والمحتاجين، وما أكثرهم، وما أحوجهم!.

ومن المعاصي والمنكرات في العيد خروج بعض النساء متبرجات بزينة، متنقبات أو سافرات، ومن المعلوم أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى الرجال متبرجة متزينة متعطرة، حتى لا تحصل الفتنة منها وبها، قال -صلى الله عليه وسلم-: " أيما امرأة استعطرت، فمرت على القوم، ليجدوا ريحها فهي زانية" أخرجه أحمد والثلاثة، وقال الترمذي: حسن صحيح.

وعلى الرجل المسلم أن يحذر من الاختلاط المحرم بين الرجال والنساء، ومصافحة المرأة الأجنبية، فعن معقل بن يسار -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَئن يُطْعَن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له" أخرجه الطبراني والبيهقي، وصححه الألباني.

عباد الله: هذه همسةُ الوداعِ الأخيرة تقول: جبر الله قلوبكم بفراق رمضان، وتجاوز عمَّا سلَفَ وكان مِن الذنوب والعصيان.

تَرَحَّلْتَ يَا شهرَ الصِّيَامِ بِصَوْمِنَا *** وَقَدْ كُنْتَ أَنْوَاراً بِكُلِّ مَكَانِ
لَئِنْ فَنِيَتْ أيَّامُكَ الزُّهْرُ بَغْتَةً *** فَمَا الحُزْنُ مِنْ قَلْبِي عَلَيْكَ بِفَانِ
عَليْكَ سَلَامُ اللهِ كُنْ شَاهِدَاً لَنَا *** بِخَيْرٍ رَعَاكَ اللهُ مِنْ رَمَضَانِ

إِنَّ القَلْبَ لَيحزن، والعين لتدمع، ونحن نودع هذا الشهر الكريم، الذي فيه المساجد تعمر، والآيات تذكر، والقلوب تجبر، والذنوب تغفر.

فيا شهرنا، أتراك تعود بعدها إلينا؟ أو يدركنا الموت فلا تؤول إلينا؟ مساجدنا فيك معمورة، ومصابيحنا فيك مشهورة، فالآن تنطفئ المصابيح، وتنقطع التراويح، ونرجع إلى العادة، ونفارق شهر العبادة.

شهرَ رمضان ترفَّقْ، دموع المحبين تَدَفَّق، قلوبهم من ألم الفراق تَشَقَّق، عسى وقفةٌ للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعةُ توبةٍ وإقلاع ترتق من الصيام ما تخرق، عسى منقطعٌ عن ركب المقبولين يَلحق، عسى أسيرُ الأوزار يُطلق، عسى من استوجب النار يُعتَق.

عَسَى وَعَسَى مِن قَبْلِ يَوْمِ التَّفَرُّقِ *** إلى كُلِّ مَا نرجُو مِنَ الخيرِ نلتقي
فيُجبَرُ مَكْسُورٌ ويُقبَلُ تائبٌ *** وَيُعتَقُ خَطَّاءٌ ويَسعَدُ مَن شَقَي

اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد...

 

المرفقات

وداع رمضان

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات