عناصر الخطبة
1/كيفية إثبات الصيام والفطر 2/ شهر رمضان فرصة لتجديد معالم الإيمان 3/اغتنام شهر رمضان 4/اختلاف الناس في الاستعداد لرمضان 5/أجر الشروع في عمل الطاعة واستباق الخيراتاقتباس
شهر رمضان المبارك مدرسة إيمانية لتجديد الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وتقوية الصلة بالله، وإصلاح النفوس، وضبط الغرائز، وكبح جماح الشهوات، وانطلاقة جادة لحياة أفضل، ومستقبل أكمل؛ إنه مضمار يتنافس فيه المتنافسون للوصول إلى قمم الفضائل، ومعالي الشمائل...
الخُطْبَة الأُولَى:
الحمد لله...
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله...
أيها الأحبة: يتحرى المسلمون رؤية هلال رمضان، ومن طاعَةِ اللهِ أنْ نلتزم بما جاءَ عَنْ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَبِنَصّ حديثِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَرَفْنا كيفَ يكونُ إثباتُ صيامِ رمضانَ كما عَرَفْنا متى يكونُ انْتِهاؤُهُ؛ حيثُ قالَ -صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ-: «صوموا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِروا لِرُؤْيَتِهِ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثلاثينَ يَومًا»(رواه البخاري).
ورَوَى البُخارِيُّ ومسلمٌ وغَيرُهُمَا عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشرونَ ليلَةً فلا تَصوموا حتَّى تَرَوْهُ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثينَ».
وقد رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، لَعَلَّهُ أَنْ يُصِيبَكُمْ نَفْحَةٌ مِنْهَا فَلَا تَشْقَوْنَ بَعْدَهَا أَبَدًا».
إن الأفراد والأمم لمحتاجون لفترات من الراحة والصفاء لتجديد معالم الإيمان، وإصلاح ما فسد من أحوال، وعلاج ما جد من أدواء، وشهر رمضان المبارك هو مدرسة إيمانية لتجديد الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وتقوية الصلة بالله، وإصلاح النفوس، وضبط الغرائز، وكبح جماح الشهوات، وانطلاقة جادة لحياة أفضل، ومستقبل أكمل؛ إنه مضمار يتنافس فيه المتنافسون للوصول إلى قمم الفضائل، ومعالي الشمائل، وبه تتجلى وحدة الأمة الإسلامية؛ ولكن هذا الأثر العظيم لا يأتي هكذا دون أن يقدم العبد عملًا أو يبذل جهدًا، فحريٌّ بالمسلم أن يخص هذه الأوقات بمزيد من التعبد والطاعات، والإكثار من الأعمال الصالحات، ولا يفوت هذه الفرصة التي أكرمه الله بها.
وقد فطن الصالحون لهذه الغاية العظيمة، واستعدوا لها من جميع النواحي، يدعون الله أن يبلغهم رمضان ويخططون لعباداتهم بجميع أحوالها وأنواعها حتى قال قائلهم: "نية المؤمن خير من عمله".
لا شك أن النفوس تبتهج بقدوم هذا الموسم العظيم لكن لنعلم أننا بقدومه تتقدم أعمارنا وتمضي أيامنا، فإنما العبد أيام فكلما مضى منه يوم مضى منه بعضُه: قال -تعالى-: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الأَبْصَار)[النور: 44].
فاحمد الله على بلوغ هلال رمضان، واجعلها بداية تغيير وتحوُّل لنا تجاه ربنا، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير)[التحريم: 8].
يقول الإمام ابن رجب -رحمه الله-: "فالسعيدُ مَن اغتنمَ مواسمَ الشهورِ والأيامِ والسَّاعاتِ، وتقرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها من وظائفِ الطَّاعاتِ، فعسى أن تصيبَهُ نفْحةٌ من تلكَ النَّفحاتِ، فيسعدُ بها سعادةً يأمَنُ بعدَها من النَّارِ وما فيه من اللَّفَحَاتِ".
وهيَّأ الله لنا سبل اغتنامه، ويسَّر لنا فرص الفوز بقَبُوله، شهر أنزل الله فيه القرآن، وجعل ما أنزله آيات بينات قال -تعالى-: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)[البقرة: 185].
وفرض الله الصوم على أمم من قبلنا؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)[البقرة: 183]؛ وخصنا بالشهر الكريم وما فيه من رحمات؛ قال -تعالى-: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)[البقرة: 185].
ولنا في السلف الصالح عبرة فقد كانوا يترقبون الشهر الكريم ويغتنمونه، قال معلى بن الفضل -رحمه الله-: كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم.
فلعِظم فضائل الشهر الكريم كانوا يرجون من الله بلوغه وقَبوله، قال يحيى بن أبي كثير -رحمه الله-: "كان من دعائهم: اللهم سَلِّمني إلى رمضان، وسَلِّم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً".
مع بدء شهر رمضان تُفتَح أبواب الجنة بتفتح أبواب الخير الممهدة في هذا الشهر وبتوالي الرحمة والمغفرة والعتق من النار وفي عظم ثواب من شهد الشهر فصامه وأقامه روى الإمام أحمد وابن ماجه وصححه الألباني من حديث طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- أن رجلين من بلي قدما على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي.
قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخِر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأن لك بعد، فأصبح طلحة يُحدّث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحدثوه الحديث، فقال: "من أيّ ذلك تعجبون؟" فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهاداً ثم استُشهد، ودخل هذا الآخِرُ الجنةَ قبله!! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟" قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة؟ قالوا: بلى، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض"(سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2591).
الله أكبر: إن بلوغَ رمضانَ نعمةٌ عظيمة، وفضلٌ كبير من الله -تعالى-، حتى إن العبد ببلوغ رمضان وصيامه وقيامه يسبق الشهداء في سبيل الله الذين لم يدركوا رمضان.
لقد بيَّن الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- اختلاف سعي الناس في الاستعداد لرمضان، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بمحلوف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما أتى على المسلمين شَهْرٌ خَيْرٌ لَهُمْ من رمضان، ولا أتى على المنافقين شَهْرٌ شَرٌّ لَهُمْ من رمضان، وذلك لما يُعِدُّ المؤمنون فيه من القوة للعبادة، وما يُعِدُّ فيه المنافقون من غَفلات الناس وعوراتهم، هو غنم للمؤمن يغتنمه الفاجر"، وفي رواية ونقمة للفاجر؛ والحديث في سنده اختلاف وقد أخرجه الإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه، وحسن إسناده المناوي.
فمن ينبوع الطاعة يرتوي من أراد الآخرة، ويزداد أسًى من أراد الدنيا ونسي الآخرة.
يقول ابن القيم: "السنة شجرة والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها والأنفاس ثمارها، فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرته ثمرة طيبة، ومن كانت أنفاسه في معصية فثمرته حنظل".
فبارك الله المسعى وسدّد الخطى وطيب المنتهى.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...
الخطبة الثانية:
إنّ الحمد لله...
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله...
أيها الإخوة: انتبه بعض أهل العلم إلى لفتةٍ مهمة عند قوله -تعالى-: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)[النساء: 100]؛ وهي أنّ الشروع في عمل الطاعة واستباق الخيرات تجعل العبد يُكتَب له عمله الذي نواه وشرع به حتى ولو لم يكمله بل ولو لم يعمله؛ إذا حال بينه وبين فعل الخير عارض من موت أو مرض أو سفر، ودلّ على ذلك أيضاً ما جاء في صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»(رواه البخاري).
بل إن العبد ليُبعث على ما مات عليه، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ»(صحيح مسلم)، فمن جاءه الموت وهو من المسارعين السابقين بُعِث يوم القيامة من السابقين، فهنيئًا له قوله -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُون)[الواقعة:10- 11].
فاستبقوا الخيرات عباد الله؛ قال -تعالى-: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)[المائدة: 48]، يقول الإمام ابن عطية -رحمه الله-: "أخبر -تعالى- بأنه لو شاء لجعل العالم أمة واحدة ولكنه لم يشأ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع...، فليس لهم إلا أن يَجِدّوا في امتثال الأوامر وهو استباق الخيرات، فلذلك أمرهم بأحسن الأشياء عاقبة لهم، ثم حثهم -تعالى- بالموعظة والتذكير بالمعاد في قوله -تعالى-: (إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ)[المائدة: 48]؛ فالبدار البدار"(المحرر الوجيز: 2 / 201).
عباد الله؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].
إضافة تعليق
ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم