هل ترك الأقوياء للضعفاء حقا؟ (1 /3)

عمران الكبيسي

2022-10-04 - 1444/03/08
التصنيفات:

 

 

 

 

 

 

هل ترك الأقوياء للضعفاء حقا؟-1-

 

لم تستطيع الدساتير الدولية والمواثيق والمعاهدات والمنظمات والنظام الدولي وكل ما شرع وكتب وأعلن رسميا على رؤوس الأشهاد في عالم اليوم المتطور صناعيا ومدنيا وحضاريا أن تثبت وجودها وجدواها على أرض الواقع، ولم توقف ما ارتكبه عالم الأقوياء الأشرار من مآس وكوارث ومجازر بحق المستضعفين هنا وهناك، اليوم يجتث الإنسان قهرا من جذوره، وتمسخ هويته وتهان كل القيم الإنسانية والقوانين الدولية، نهارا جهارا بجرأة وتحد؟ ولا نجد من يتصدى للهجمة الوحشية التي لا تستثني ضعيفا ولا فقيرا، لا رجلا ولا امرأة مسالمين ومقاتلين، لا رضع ولا شيخا، لا البشر ولا الحيوان ولا الطير ولا الشجر ولا الحجر، والأدلة والشواهد شاخصة وماثلة للعيان، ليست بخافية على أحد من العالمين. ولا بحاجة إلى إثبات.

 

لم يعد في الهمجية والعدوان فضل للشرق على الغرب، ولا للغرب على الشرق، كلهم سواء عند حرب المصالح وتقسيم الأرزاق واللقيمات، لا ذمة ولا دين ولا خلق ولا ثوابت، وقد رأينا كلا منهم يسعى لنزع قشرة الشرعية وخلع ثوب السلام وارتداء دروع العدوان، يكشرون عن أنيابهم ويقرعون طبول الغزو حينما تطلبت مصالحهم، يخرقون قواعد الأمن والسلام والأصول والمواثيق الدولية بلا حذر ولا تحرز، عالم اليوم غابة موحشة يأكل فيها القوي الضعيف، ويبتلع فيها الكبير الصغير! ألم تتجاوز أمريكا وبريطانيا وحلفاؤهما مجلس الأمن باعتدائها على العراق عضو الأسرة الدولية بالباطل؟ ألم تتسبب في هلاك الملايين من شعبه قتلا بالنار والحديد والجوع والمرض والتهجير؟ استنزفت ثرواته تحت ذرائع واعية وملفقة، من حاسبها على سوء فعلتها؟ أو استطاع التصدي لها؟ وهل عدوانها هذا الأول والأخير؟ ألم تجرم من قبل بحق الفلسطينيين وهي تسهم بغرس بذرة الشر الخبيثة إسرائيل في المنطقة وفق ما تقتضي مصالحها؟ وهل لديها الاستعداد للاعتراف بعدوانها والتكفير عن جرائمها؟

 

 وهل كان لدى فرنسا تفويض من مجلس الأمن حين دخلت مالي وطردت العرب المسلمين وهجرتهم بذريعة محاربة الإرهاب؟ ومن غيرهم لديه ما يرهبون به الناس من أسلحة دمار شامل جربوها من قبل على أبناء الجزائر في الصحراء؟ وبعد مرور نصف قرن هل اعترفت فرنسا بجرائمها ضد الإنسانية التي ارتكبتها في استعمارها للجزائر؟ ولماذا لا توقف فرنسا جرائم التطهير الصليبي بحق المسلمين الذي يجري  في أفريقا الوسطى، حيث ترتكب المجازر الوحشية تحت سمع ونظر قواتها والعالم يتفرج؟ وهل أوقفت العولمة محرقة المسلمين الرومنطيقا وتهجيرهم في ميانمار؟ واليوم تحتل روسيا جزيرة القرم وتقضمها بالقوة من أوكرانيا ليتباكى عليها الأميركان والأوربيون؟ كأنهم أخيار لم يرتكبوا عدوانا من قبل، وما زلنا ننتظر خطوات تالية تمضي بها أجزاء من أوكرانيا على طريق الضم باحتلال الجيش الروسي المباشر، فهل استطاع مجلس الأمن الحفاظ على السلم العالمي؟ ألا تثبت هذه الأحداث عمق ذهنية الغزو في عقول الكبار على حساب عالم الضعفاء؟ كذب من يدعى بجدوى هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها التي لم يبق لها وجود فاعل! وأين مجلس الأمن من احتلال بريطانيا لجزر فوكلاند الأرجنتينية بالقوة وما زالت تحتفظ بها؟ وهل مستعمرتا سبته ومليليا الواقعتين في الأرض العربية المغربية إسبانية تاريخيا وجغرافيا؟ وأين منها مواثيق ومعاهدات تصفية الاستعمار؟ ألا يعيد كل هذا إلى الذاكرة مناخ استعمار الكبار للصغار أوائل القرن الماضي وإمكانية عودة عهود الهيمنة والاستحواذ على مقادير الشعوب؟

 

 وفي ظل المتغيرات الدولية وتعطل مجلس الأمن، وتراجع الدور الأمريكي وانسحابه من خرائط الصراع على النفوذ العالمي لن نستبعد غدا وثوب التنين الصيني الذي نما وتطاول بصمت وغفلة على أقاليم شرق آسيا النائية، وليس بعيدا أن تترجم الصين هي الأخرى أطماعها في الجزر اليابانية إلى واقع مادامت دولة نووية يحق لها ما يحق لغيرها، لا فرق بين الأغنياء في بسط اليد على الفقراء، فأين عالم الحق والعدالة في عالمنا المعاصر؟ وللموضوع صلة.

 

 

هل ترك الأقوياء للضعفاء حقا في عالم اليوم؟-2-

 

لو كان يا ترى للعدالة في عالمنا موضع أكانت ترضى بما تقوم به إسرائيل من جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين داخل وخارج حدودها التي لم يقرها المجتمع الدولي حتى الآن لتبقى قابلة للتوسع؟ جرائم إسرائيل تفوق ما فعله هتلر ونيرون وموسليني واستالين وأمثالهم من جبابرة التاريخ المنبوذين، فهل ترضى العدالة بما عليه حال الفلسطينيين من القتل والعدوان وتدمير المساكن وتجريف الأرض وتهجير البشر وتشريد الأسر ومعاناة البؤس والفقر والحرمان منذ 60 عاما؟ كم مرة استخدمت أميركا العظمى حق الفيتو التعسفي في مجلس الأمن لتمنع قرارات أراد العالم أن ينصف بها الفلسطينيين ولو بالكلام، ويرفع عن نفسه الحرج، لكن تعصب أميركا لإسرائيل ودعمها أعاق تحقيق الحد الأدنى من العدالة، وكم قرار صدر من مجلس الأمن أو الهيئة العامة للأمم المتحدة رفسته إسرائيل ولم تلتزم بتنفيذه وسكت العالم كما لو كان شيطانا أخرس؟

 

وهل أنصفت العدالة ضحايا الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا؟ وضحايا القصف الإسرائيلي المتكرر على غزة؟ ولو كانت للإنسان حقوق وكانت هناك عدالة لما صبر العالم على حصار غزة كل هذه السنيين العجاف؟ تجوع فيه الملايين بحصار ظالم تفرضه دويلة إسرائيل "عصابة الجستابو"، وهل معاناة الفلسطينيين اليوم تخفى على أحد؟ من فتح فاه ليفضح سياسة التمييز العنصري الصهيونية ضدهم؟ يمنع عنهم الغذاء والدواء والحاجات الضرورية الأساسية من المأكل والمشرب والسكن والملبس والعلاج والعمل، ووقود مولدات الكهرباء ومضخات المياه والصرف الصحي، وهل القيود القاسية التي تفرض على دخول وخروج الفلسطينيين المسافرين كالمرضى والطلبة والعاملين المجازين وزوار بيت الله الحرام وحجاجه على المعابر تتفق مع حقوق الإنسان في العرف الدولي والإنساني والديني والقومي، وهل يحتاج رفع الظلم المجحف الذي يتلقاه الفلسطينيون طيلة ما يزيد على قرن إلى مزيد من التشخيص والتمحيص والأدلة المادية والمعنوية لتحقيق الحد الأدنى من الحقوق والعدالة في المحاكم الدولية؟ وهل للعدالة والحقوق نصيب في عالمنا المعاصر عالم القرن الحادي والعشرين؟

 

وهذه معاناة سوريا الذبيحة من الوريد إلى الوريد، المهاجر من أهلها والصابر المرابط، هل مر على شعب في العالم ما مر على شعبها من الذل والمهانة والتصفيات الجسدية على مدار الساعات؟ وهل تركت وسائل الإعلام المصورة والمحكية الإقليمية والعالمية، وإحصاءات المنظمات العلمية ذلك بلا أثبات أم وثقته بالشواهد والأسماء، نحو ربع مليون شهيد وربما أكثر، وثلاثة ملايين مهجر في الخارج، وستة ملايين في الداخل، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين والمعتقلين، ما الذي يطلبه العالم أكثر من هذه الإبادة الجماعية ليوافق مبدئيا على عرض المأساة إلى محاكم العدل الدولية، وهل مجرد إحالة القضايا على المحاكم للتحقيق فيها يحتاج إلى إجماع دولي لو كان للعدالة في دنيانا نصيب؟

 

وهل المجتمع الدولي الذي اجبر الأسد على التخلي عن أغلى وأخطر سلاح لديه من الذخيرة الكيماوية عاجز عن منع قصفه للمدنيين بالطائرات وصواريخ الجو وقذف البراميل المتفجرة، أم هذا القصف مباح دوليا؟ وإذا كانت إبادة المدنيين المسالمين والنساء والأطفال محرمة، لماذا لا يوقف هذا القصف؟ هل ممانعة روسيا لمجرد كونها قوة نووية وعضو بمجلس الأمن يجيز توقيف سريان القانون ويعطل عمل المحاكم الدولية؟ وهل تجيز العدالة أن يحظى نظام الأسد بحماية ودعم روسيا الدولة العظمى مع علمها بجرائمه البشعة؟

 

قد لا نؤيد روسيا بضم شبه جزيرة القرم إليها، ولكنها استفتت على تقرير المصير ولم تقتل كما قتل الأسد، لماذا تحركت الدول الثمانية لفرض عقوبات على روسيا بهذه السرعة وتركت الأسد يرتكب جرائمه ضد الإنسانية طيلة ثلاث سنوات؟ وماذا يعني وقوف أميركا إلى جانب المعارضة السورية إعلاميا ووعودها بمد المقاتلين بالسلاح ثم تتنصل ببساطة غير توريط المعارضة وإطالة امدد الحرب لأنهاك سوريا لمصلحة إسرائيل؟ ألا تقوم إيران وحزب الله بدور قذر في الحرب السورية وهذه الدول العظمى تتفاوض معها لان السلاح النووي ربما يهدد مصالح إسرائيل، كذابون لا ذمة تردعهم ولا دين ولا قانون، الأشقاء الثمانية شركاء في نحر المستضعفين، وما أصبحوا أقوياء وأغنياء ألا بعد أن سرقوا ونهبوا أموال الضعفاء وامتصوا دماءهم وتركوهم وقودا للذل والمهانة وفريسة للجهل والفقر والمرض، وللحديث بقية.                                                                          

 

هل ترك الأقوياء للضعفاء حقا؟ -3-

 

لو كان لعالم القرن الحادي والعشرين عدالة وللضعفاء حقوق على الأقوياء أكانت تمر جريمة احتلال أميركا للعراق بالطريقة التي تم الغزو فيها، قالوا العراق يمتلك أسلحة دمار شامل واتضح خلوه منها وكذب دعواهم، قالوا الرئيس صدام حسين يتعاون مع القاعدة وقوى الإرهاب وتبين زيف ادعائهم، قالوا المنطقة ستكون أكثر أمنا من دون صدام واتضح أنه كان عنصر توازن وآمان، وأصبحت المنطقة بعده أكثر توترا وقلقا، دخلتها قوى الإرهاب التي لم تكن موجودة قبل رحيله، وطحنتها الفتن والصراعات، وكان على أمريكا والدول التي ساعدتها في الغزو العسكري وبخاصة الدول الكبرى تحمل مسؤوليتها، والاعتراف بالخطأ على أقل تقدير، وتحمل نتائج الخراب والدمار الذي أصاب البلد وضمان أمنه ووحدته ومساعدته على بناء دولته سياسيا واقتصاديا وأمنيا ليستعيد دوره وليس كما فعلوا فأصبح  العراق على يدهم أسوأ بلد في العالم.

 

الدول التي شاركت بغزو العراق أسهمت كل حسب دورها في تدميره، سرقوا المصارف والآثار والمكتبات والأرشيف، دمروا البنية التحتية المؤسسات النفطية والجسور ومحطات توليد الطاقة وتصفية المياه ومصارف المياه الثقيلة ومنصات الاتصالات ومراكزها، حرقوا المستشفيات والجامعات ومقرات الوزارات والمؤسسات، أغروا سفهاء القوم والجهلة بنهب المخازن والمجمعات والمتاحف ودور المسئولين والمدارس وقصور الدولة، تركوا حدود البلد مفتوحة ليدخل ملايين الإيرانيين والأكراد من دول الجوار،  وجندوهم في المؤسسات الأمنية والجيش والشرطة، أرهبوا العلماء وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والباحثين ودفعوهم قهرا إلى مغادرة البلد، وأسهموا بقتل من بقي منهم غدرا بالاغتيالات.

 

أغرى الأمريكيون والبريطانيون المهاجرين العراقيين القدامى ممن حصلوا على الجنسيات الأجنبية بالمال والمراكز الحساسة واصطحبوهم على الدبابات أدلاء ومرشدين لهم وليسهموا في بقاء البلد تحت سيطرتهم، فنشطوا في مجال بذر روح الشقاق الطائفي والعنصري والجهوي  والنفاق بين مكونات شعبه التي تتصارع اليوم كأشد مخلفات الاحتلال البغيض؟ ويستأثر المجنسون بجنسيتين اليوم بأكثر من نصف عدد الوزراء وأعضاء مجلس النواب والسفراء ورؤساء المؤسسات المهمة، ومصداقية لقولنا، هل كان لإيران وجودا في العراق قبل الاحتلال، من سمح لإيران أن تتمدد  في العراق، وهل تم التغلغل الإيراني في مفاصل الدولة العراقية بغفلة من أميركا أم أن أميركا كافأت إيران على مساعدتها اللوجستية في الاحتلال ومنحتها فسحة التسلط على رقاب العراقيين، ألا تعرف أميركا من يتدخل في الشؤون العراقية؟ وأن إيران لها الباع الطولى  في تصدير المليشيات الطائفية التي تمارس القتل والتهجير؟ لماذا لا تقوم بردعها وهي المسئولة عن ذلك بحكم معاهدة انسحاب قواتها من العراق؟ الم تضمن أمريكا الحفاظ على حدود العراق وثرواته؟ ألا تعرف أميركا ودول أوربا أن المبالغ التي يشتري بها الساسة العراقيون قصور الأغنياء القديمة البائرة التي لم يعد يرغب أحد بشرائها في عواصم الغرب غيرهم يشترونها بملايين الدولارات المسروقة لأن مصارف هذه الدول تسهل لهم تهريب  الأموال مع علمهم بأنها أموال الشعب العراقي المسروقة؟

 

ألا يعد الإنسان الذي تنتهك حرماته في العراق من ضمن هذه الثروات؟ لماذا تغطي دول العالم المتحضر المتقدم على السرقات مثلما تغض النظر عن جرائم الحكومة وقتلها المعارضين والمتظاهرين والمعتصمين، وتغض النظر عن جرائم التعذيب والاغتصاب والاعتقالات العشوائية وأخذ الاعترافات بالقوة وإصدار أحكام الإعدام بالجملة التي ترصدها وتوثقها منظمات المجتمع المدني والدفاع عن حقوق الإنسان والشفافية؟ وهل تقر العدالة الإنسانية حصار المدن في الانبار وقصفها سكانها المدنيين بالراجمات والطيران؟ ألم تكن أميركا راعية للعملية السياسية؟ أليس من المفروض أن تتدخل عند الحاجة إلى إعادة الحقوق المسلوبة إلى أهلها وتصحيح الانحراف؟ وهل العراق اليوم أكثر أمانا من أيام في ظل حكومة السيد المالكي من أيام حكم الرئيس صدام حسين كما كانت تقول؟ أهذه هي الديمقراطية والحرية التي إرادتها أميركا للشعب العراقي؟ ولو حصل جزء مما يحصل للشعب العراقي اليوم يا ترى في بلد أوروبي مسيحي أكان تسكت أميركا والدول الغربية كل هذا السكوت المدنس؟  

 

 

 

 

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات