هذا هو رسول صلى الله عليه وسلم

أحمد بن ناصر الطيار

2013-06-08 - 1434/07/29
عناصر الخطبة
1/ من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم 2/ عظمة النبي صلى الله عليه وسلم كما شهد بذلك أعداؤه 3/ صفات وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم الخُلُقية 4/ صفات وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم الخَلْقية

اقتباس

كان أنجدَ الناس وأشجَعهم, لما كان يومُ حنين, اختل نظام جيشه, وانفض عنه معظمه، وهو ثابت في الميدان لا يبرح، مقبل لا يدبر، ظاهر لا يتوارى، وكيف يتوارى عن الموت من يوقن أن موته انتقال من حياةِ نصبٍ ومشقة، إلى ما اشتهت نفسه, ولذت عينه، يتوجه ببغلته في نحر العدو، ويترجل عنها حينا، فلا يُرى أحد أشد منه يومئذ، كالسيل في دفعاته، والسيف في عزماته، والموت في وثباته؛ يُشْهِرُ نفسه وهو هدف...

 

 

 

 

الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلا, وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده المصطفى, ونبيه المرتضى, الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى, أرسله رحمة للعالمين, ومحجَّة للسالكين, وحجة على العباد أجمعين, شرح الله له صدره, ورفع له ذكره, وعلَّم به من الجهالة, وبصَّر به من العمى, وفتح به أعينا عميا, وآذانا صما, وقلوبا غلفا, فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائما بأمر الله, إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلماتها, وتألفت القلوب بعد شتاتها, وسارت دعوته سير الشمس في الأقطار, وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار, صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين, صلاة دائمة إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

 

عباد الله: ما أمتع الحديث عن النبي المصطفى, والرسول المجتبى.

 

ما أمتع الحديث عمن أكمل الله به دينه, وأتم به نعمته: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3].

 

ما أمتع الحديث عمن زكى الله عقله: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) [النجم: 2].

 

وزكى بصره: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) [النجم: 17]

 

 

وزكى لسانه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) [النجم: 3].

 

وزكى فؤاده: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) [النجم: 11].

 

وزكى صدره: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: 1].

 

وزكى معلمه: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم: 5].

 

وزكى خُلُقه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4].

 

وزكاه كله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107].

 

ما أمتع الحديث عمن شهد بعظمته الأولون والآخرون, المسلمون والكافرون.

 

نعم، الكافرون, فقد شهد على ذلك العشرات من ساداتهم وكبرائهم, في قديم الزمان وحديثه.

 

فهذا المؤلف النصراني هارت, في كتابه "مائة رجل في التاريخ" يستعرض فيه سيرةَ أعظمِ مئةِ شخصيةٍ على مر العصور, فكانت النتيجة التي خَلُص إليها: أن أعظم شخصية مؤثرة في التاريخ: هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, فيقول: إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.

 

ويقول الفيلسوف الإنجليزي "توماس " الحائز على جائزة نوبِل، في كتابه "الأبطال": "لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث هذا العصر, أن يصغي إلى ما يقال, من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا خدّاع مزوِّر, وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة؛ فإن الرسالة التي أدَّاها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير... أفكان أحدُكم يظنُّ أن هذه الرسالة التي عاش بها, ومات عليها هذه الملايين, الفائقةَ الحصرَ والإحصاء, أكذوبةٌ وخدعة؟!".

 

فهذه بعض أقوالهم، وهي فيضٌ منه غيض.

 

فقد كان صلى الله عليه وسلم أعظمَ الناس ذكرا, وأجلَّهم قدرا, لما ملَّكه الله من الصفات الحميدة, والأخلاق العظيمة.

 

كان صلى الله عليه وسلم أحلم الناس, وأرغبَهم في العفو مع القدرة, قَسَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا, فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ, فَغَضِبَ حَتَّى رُئيَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ, ثُمَّ قَالَ: يَرْحَمُ اللهَ مُوسَى, قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ.

 

وتمدُّ حلمكَ للسفيهِ مُدارياً *** حتى يضيق بعرضك السفهاءُ

 

بل أعظم من ذلك؛ كان صلى الله عليه وسلم نائما ذات مرة, فجَاءَ رَجُلٌ مِن الكفار حَتَّى قَامَ عَلَى رَأْسِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: "اللهُ"، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟" قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَذَهَبَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فقَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ, يحاول اغتياله وسفك دمه، ومع ذلك يعفو ويصفح.

 

إن الشجاعة في الرجال غِلاظة *** ما لم تزنها رأفةٌ وسخاءُ

 

كان أنجدَ الناس وأشجَعهم, لما كان يومُ حنين, اختل نظام جيشه, وانفض عنه معظمه، وهو ثابت في الميدان لا يبرح، مقبل لا يدبر، ظاهر لا يتوارى، وكيف يتوارى عن الموت من يوقن أن موته انتقال من حياةِ نصبٍ ومشقة، إلى ما اشتهت نفسه, ولذت عينه، يتوجه ببغلته في نحر العدو، ويترجل عنها حينا، فلا يُرى أحد أشد منه يومئذ، كالسيل في دفعاته، والسيف في عزماته، والموت في وثباته؛ يُشْهِرُ نفسه وهو هدف العدو الأعلى، وينادي بأعلى صوته: هلموا إلي أيها الناس, أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله.

 

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب

 

قالَ الْبَرَاءُ: لَقَدْ كُنَّا إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ الَّذِي يُحَاذِي بِهِ.

 

كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعبدَ الناس, قَامَ مرةً حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ, فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ, وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟, فقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا.

 

فكم حَبَاه ربُّه وفضّله *** وخصّه سبحانه وخوَّله

 

لا يعرف اللوم, ولا السب والشتم, قَالَ أَنَس رضي الله عنه: "خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَشْرَ سِنِينَ، لَا وَاللهِ مَا سَبَّنِي سَبَّةً قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَّا فَعَلْتَهُ".

 

عشر سنين! لا يسمع منه خادمه كلمةً تَجرحه, ولا عبارةً تُحزنه؟!

 

حقا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107].

 

كان بشوش الوجه, طلِق المُحيَّا, قَالَ جَرِير رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ما رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.

 

لا تسألِ المرءَ عن خلائقه *** في وجهه شاهدٌ من الخبر

 

كان رحيما شفيقا على أمته, يدعوا لهم لا عليهم, قَدِمَ الطُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ, فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا, قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، فَقَالَ: اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا، وَأْتِ بِهَا.

 

كان أعف الناس, ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها.

 

مَا انْتَقَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ, إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ, فَيَنْتَقِمَ للهِ بِهَا.

 

كان أطيبَ الناس وألينَهم, قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "مَا مَسَسْتُ حَرِيرًا وَلَا دِيبَاجًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَلَا شَمَمْتُ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

 

 وأحسن منك لم تر قط عيني *** وأجمل منك لم تلد النساء

 خلقت مبرأ من كل عيب *** كأنك قد خلقت كما تشاء

 

كان أحبَّ الناس إلى التيسير, وأبعدَهم عن التشدد والتعسير, قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا.

 

كان أزهد الناس, وكان يعصب الحجر على بطنه من الجوع, ومَا شَبِعَ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ, ويمر الشهر والشهران, ولم يوقد في بيته نار.

 

عُرضَتْ عليهِ الدنيا فأعرضَ زاهدا *** يبغي مِنَ الأخرى المكانَ الأرفعا

ما جرَّ أثوابَ الحريرِ ولا مشى *** بالتاجِ مْن فوقِ الجبينِ مُرَصَّعا

وهو الذي لو شاءَ نالت كفُّهُ *** كلَّ الذي فوقَ البسيطة أجمعا

 

كان شديد الحياء, وكَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا.

 

يقبل معذرة المعتذر إليه, يمزح ولا يقول إلا حقا, يضحك من غير قهقهة, يرى اللعب المباح فلا ينكره, يسابق أهله, ويمازحهم, عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: "تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ" فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ" فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: "هَذِهِ بِتِلْكَ".

 

أنت الذي نظمَ البريَّةَ دينُهُ *** ماذا يقول وينظم الشعراءُ؟

المصلحون أصابعٌ جُمعت يداً *** هي أنت, بل أنت اليدُ البيضاءُ

 

كان صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس وأسخَاهُم, وكان في شهر رمضان كالريح المرسلة, لا يمسك شيئا.

 

تراه إذا ما جئته متهللاً *** كأنك تعطيه الذي أنت سائله

 

أتاه رجل فسأله, فأعطاه غنما سدت ما بين جبلين, فرجع إلى قومه، وقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة, وما سئل شيئا قط فقال: لا.

 

ما قال لا قط إلا في تشهده *** لولا التشهد كانت لاؤه نعم

يغضي حياءً ويُغضى من مهابته *** فما يكلم إلا حين يبتسم

 

كان أشد الناس تواضعا, يعود المرضى, ويشهد الجنائز, ويجيب دعوة المملوك, يخصف نعله, ويرقع ثوبه, ويكون في مهنة أهله, ويمشى وحده بلا حارس.

 

لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين, قال أنس رضي الله عنه: "إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ" [(6072)].

 

كان أصحابه لا يقومون له, لما يعلمون من كراهته لذلك, وكان يمر على الصبيان فيسلم عليهم, وأُتي صلى الله عليه وسلم برجل فأَرعد من هيبته, فقال له: هوِّن عليك, فلست بملِك, إنما أنا ابن امرأة من قريش, تأكل القديد.

 

كان يمازح الصبيان, ويداعبهم, بل ويناديهم بأحب أسمائهم, فيمازح طفلا صَغِيرا فيقول: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ, ويهدي لطفلة صغيرة ثوبا, ويقول مداعبا لها: يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا, يَا أُمَّ خَالِدٍ هَذَا سَنَا, وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ الْحَسَنُ.

 

لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد الله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا آله إلا الله وحده لا شريك له, الملك الحق المبين, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المصطفى الأمين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: ولا زلنا نخوض في بحار سيرته، ونشم شيئاً من نسائهم خلقه.

 

كان صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس وجها, وأنورهُم منظرا, لم يصفه واصف إلا شبهه بالقمر ليلة البدر, وكان يُرى رضاه وغضبه في وجهه, لصفاء بشرته.

 

أمينٌ مصطفى للخير يدعو*** كضوء البدر زايله الظلام

 

كان صلى الله عليه وسلم يلبس ما وجد, ويركب ما أمكنه, مرة فرسا, ومرة بعيرا, ومرة بغلة, ومرة حمارا.

 

يأكل ما وجد, ولا يتكلف ما فُقد, وكان في بيته أشد حياء من العاتق في خدرها, إن أطعموه أكل, وما أعطوه قبل, وما سقوه شرب, وكان ربما قام فأخذ ما يأكل بنفسه أو يشرب, ما ذم طعاما قط, إن أعجبه أكله, وإن كرهه تركه, وإن عافه لم يبغِّضه إلى غيره.

 

زانتك في الخُلُقِ العظيم شمائلٌ *** يُغرى بهنَّ ويولعُ الكرماءُ

فإذا سخوت بلغت بالجود المدى *** وفعلت ما لا تفعل الأنواءُ

وإذا عفوت فقادراً ومقدّراً  *** لا يستهين بعفوك الجُهلاءُ

وإذا رحمت فأنت أمٌّ أو أبٌ  *** هذان في الدنيا هما الرُّحماءُ

وإذا غضبت فإنما هي غضبةٌ  *** في الحقّ لا ضَغَنٌ ولا بغضاءُ

وإذا رضيت فذاك في مرضاته  *** ورضى الكثير تحلمٌ ورياءُ

وإذا خطبت فللمنابر هِزةٌ  *** تعرو النَّديَّ وللقلوب بكاءُ

 

فحق لمن هذا خلقه: أن يقود الأمة، وتستثار بسيرته الهمة, ويَسموا بأمته نحو القمة.

 

 

 

 

المرفقات

هو رسول صلى الله عليه وسلم

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات