نور اليقين في فقه اسم الله المتين

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2013-06-05 - 1434/07/26
التصنيفات: التوحيد
عناصر الخطبة
1/ السر في الأسماء التي لم تكرر سوى مرة واحدة في القرآن 2/التعريف بالمتين وذكر صور هذه الصفة 3/الفارق بين اسم الله القوي والمتين 4/دروس وعظات من مدرسة اسم الله المتين 5/الحياة في ظل فقه اسم الله المتين آثار واستحقاقات.
اهداف الخطبة
1/ توضيح الآثار الإيمانية والصور التعبدية لفقه اسم الله المتين 2/التعريف باسم المتين وبيان مدلولاته 3/توجيه المسلم للاستفادة من دروس وعبر اسم المتين 4/الترغيب في الآثار الإيمانية والتعبدية لاسم الله المتين.

اقتباس

الله تبارك وتعالى هو القوي المتين، الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب، ولا يئوده حفظ شيء، يمسك السموات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، القوي الذي له القوة التامة، وله القدرة المطلقة، الذي أوجد بقوته وقدرته وعلمه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية، والأفلاك الواسعة...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وما مسه من لغوب، الحمد لله فاطر الخلق ومسويهم بلا عطب و لا عيوب، الحمد لله قابل التوب وغفار الذنوب، الحمد لله  علام الغيوب، الذي يفزع إليه الخلق جميعا عند الخطوب، والصلاة والسلام على خير البشر، الذي انشق له القمر، وسلم عليه الحجر، خير الناس كلهم من عرب ومن عجم.

 

أما بعد: فإن أحسن الحديث كلام الله،وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وخير الأمور أعدلها، وخير الحياة طاعة الله، وخير الممات شهادة في سبيل الله، وشر الأمور محدثاتها، وما قل وكفى خير مما كثر فألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

 

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، وفي الصحة والسقم، في الرضا والغضب، وفي الغنى والفقر .

 

إخوة الإسلام والعقيدة: فكم لله من سر بديع فيما شرع وأمر ونهى سبحانه، وكم من فوائد ودروس وعبر وعظات بالغة قد أودعها المولى في خزانة الخير كله؛ في كتابه الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بني  يديه ومن خلفه، تنزيل من حكيم خبير.

 

أحبتي في الله: أسماء الله عز وجل الحسنى وصفاته العلا التي لم يتكرر ذكرها في الكتاب العزيز, ولم يرد ذكرها سوى مرة واحدة هي أسماء ذات صفات ودلالات خاصة فلم تكرر لغاية عظيمة وحكمة بليغة، إذ أنها تكون بمثابة مستودع العلوم وخزانة الخيرات، ومفتاح العبر والعظات، كما سبق وأن بيّنا في اسمه تعالى المؤمن، والقدوس، والمهيمن، واليوم بإذنه تعالى سنحيى مع اسم الله المتين والذي لم يرد في القرآن إلا في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56 - 58]، فهذا الاسم لم يرد ذكره في القرآن كلّه إلاّ مرة, ولكن ورد وصف لكيد الله بأنه متين قال تعالى: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) في موضعين من القرآن: [الأعراف: 183], [القلم:45].

 

وحتى يتضح لنا المعنى ويقرب إلى أذهاننا،  فلنستمع سويا لهذه القصة العجيبة من سيرة نبي أعطاه الله عز وجل ملكا لم ينبغي لأحد سواه، وهو نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام،  ذُكر أن سليمانَ كان جالساً على شاطئ بحر, فبصر بنملة تحمل حبة قمح تذهب بها نحو البحر، فجعل سليمان ينظر إليها حتى بلغت الماء فإذا بضفدعة قد أخرجت رأسها من الماء ففتحت فاها (فمها)، فدخلت النملة وغاصت الضفدعة في البحر ساعة طويلة وسليمان يتفكر في ذلك متعجباً. ثم خرجت من الماء وفتحت فاها فخرجت النملة ولم يكن معها الحبة. فدعاها سليمان عليه السلام وسألها وشأنها وأين كانت ؟ فقالت: يا نبي الله إن في قعر البحر الذي تراه صخرة مجوفة وفي جوفها دودة عمياء وقد خلقها الله تعالى هنالك، فلا تقدر أن تخرج منها لطلب معاشها, وقد وكلني الله برزقها, فأنا أحمل رزقها وسخر الله تعالى هذه الضفدعة لتحملني فلا يضرني الماء في فيها, وتضع فاها على ثقب الصخرة وأدخلها, ثم إذا أوصلت رزقها إليها وخرجت من ثقب الصخرة إلى فيها فتخرجني من البحر. فقال سليمان عليه السلام: وهل سمعت لها من تسبيحة؟. قالت نعم, إنها تقول: "يا من لا ينساني في جوف هذه اللجة برزقك، لا تنس عبادك المؤمنين برحمتك ", ولا غرابة أن تلك الحشرة وغيرها يسبحن الله ويذكرنه، وما في القصة إلا تصديق لقول الله سبحانه:  (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: 44].

 

فسبحان الله الرزاق ذي القوة المتين، فمن لا ينسَ دودة عمياء في جوف صخرة صمّاء، تحت مياه ظلماء، كيف ينسى الإنسان؟ بل كيف ينسى عبده الممتثل أمره والمجتنب نهيه؟  فهلم بنا سويا عباد الله نتنسم عبير فقه اسمه عز وجل المتين، نستخرج كنوزه ونجتني درره وآثاره.

 

المتين في أصل اللغة مشتقٌ من المتانة، والمتانة شدَّة الشيء واستحكامه وصلابته، والمتين هو الشيء الثابت في قوته، لأنه قد يوجد قوة طارئة لكنها تزول، أما القوة الثابتة الأبدية فتعني المتانة، الثابت في قوته، الشديد في عزمه وتماسكه، الواسع في كماله وعظمته، والمتين أيضا هو القوي الشديد الذي لا يلحقه في أَفعاله مشقةٌ ولا كُلْفة ولا تعَبٌ.

 

المتين من جهة إطلاقه على الله عز وجل فيعني شديد القوة، والقوي: أي: الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يغالبه مغالب، ولا يرد قضاءه راد، ولا يعقب على حكمه معقب، ولا يسأل عما يفعل، ينفذ أمره ويُمضي قضاءَه في خلقه، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، يعزّ من يشاء، ويُذلّ من يشاء، وينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، فالقوة لله جميعا، لا منصور إلا من نصره، ولا عزيز إلا من أعزه، قال الله تعالى: (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) [آل عمران: 160].

 

وقد يلتبس الأمر على البعض فيظن أن اسم الله المتين هو اسم الله القوي, وأنه لا فارق بين الاسمين، وفي حقيقة الأمر أن هذين الاسمين بينهما مشاركة في أصل المعنى، فالقوة تدل على القدرة التامة, والمتانة تدل على شدة القوة، والله تعالى من حيث إنه بالغ القدرة تامها – قوي، ومن حيث إنه شديد القوة – متين وذلك يرجع إلى معاني القدرة.

 

وبالنظر في معنى اسم الله المتين نجد أن لهذا الاسم استحقاقات ومجالات ومعاني ودلالات يجب على كل طالب رضا وهداية أن يعيها ويفقهها؛ لأن الخير كل الخير في فهم أسماء الله التي تقود إلى معرفة الله، ومن هذه المعاني والدلالات:

 

أولا : أن الله تبارك وتعالى هو القوي المتين، الشديد القوي الذي لا تنقطع قوته، ولا تلحقه في أفعاله مشقة، ولا يمسه لغوب، ولا يئوده حفظ شيء، يمسك السموات والأرض أن تزولا، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، القوي الذي له القوة التامة، وله القدرة المطلقة، الذي أوجد بقوته وقدرته وعلمه الأجرام العظيمة العلوية والسفلية، والأفلاك الواسعة.

 

ثانيا: أنه سبحانه يتصرف في ملكوت السموات والأرض كيف شاء، وبقوته وقدرته يتصرف بالظواهر والبواطن، الذي نفذت مشيئته في جميع البريات، لا يعجزه هارب، ولا يخرج عن سلطانه كبير أو عظيم أو متكبر، الكل تحت قبضته، والجميع يعيش تحت سطوته، فمشيئته مرتبطة بقدرته، وقدرته مرتبطة بقوته،  فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن: (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس: 83].

 

ثالثا: أنه سبحانه القوي المتين، شديد القوة، لا يقف لقوته أحد، يعمل ما يريد ويفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، أهلك سبحانه الأمم التي كذبت الرسل، وعاقبهم بأشد العقوبات كقوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [غافر: 22]، ومن قدرته وقوته سبحانه أنه يبعث الأموات بعد ما مزقهم البلى، وعصفت بترابهم الرياح، وابتلعتهم الطيور والسباع، وتفرقوا وتمزقوا في القفار ولجج البحار: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) [التغابن: 9], (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: 78- 79]، فالله متين كامل القوة بلغت قدرته أقصى الغايات، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماوات، لأنه المتين البالغ في الشدة، متم قدرته وبالغ أمره، المتناهي في المتانة.

 

رابعا: أن الله لا يلحقه في أفعاله مشقة، بينما قوة مخلوقاته نسبية ولها حدود زمانية ومكانية، فلو أنك بذلت مجهودا ما أو ركضت لمسافات قليلة ستجد بعدها أنك أصبت بالإعياء، فإذا قلنا الله متين إذًا قدرته بالغة الشدة لا نهاية لها، ومن هنا يتضح لنا الفارق بين قوة الخالق وقوة المخلوقين، المخلوقون من بني البشر وغيرِهم تتغير قواهم من فترة لأخرى ومن وقت لأخر، فلو أنك لاحظت إنسانا عمره فوق الستين لوجدت أنه يختلف عن من كان عمره في الأربعين، فكلما تقدمت به السن تناقصت قدرته، وضعفت قوته، بخلاف القوي المتين سبحانه فقدرته كاملة وقوته مطلقه لا يفت فيها طول دهر، ولا يوهنها تسابق الزمان، ولا ينقصها الخلق ولا الإيجاد.

 

عباد الله: إن هذه المعاني والدلالات العظيمة لاسم الله المتين تفرض على العبد المؤمن نظاما ربانيا في حياته، وسلوكياته وأخلاقياته ومعاملاته مع الخالق من جهة, ومع المخلوقين من جهة أخرى، فمدرسة اسم الله المتين تعطينا الكثير والكثير من الدروس البليغة ومنها:

 

أولا : الشعور بالطمأنينة والأمان، فالله القوي المتين متم قدرته، وبالغ أمره، والعبد  حينما يعيش مع المتين يشعر بالقوة التي لا تهزم، ويشعر أن أحداً لن ينال منك مهما كان سلطانه، ويحس أنه في حفظ الله الذي لا يغيب، وفي رعاية الله الذي لا يغفل، ويشعر أنك في عين الله التي لا تنام ما دام يستعين به ويستقدره بقدرته ويسأله من فضله، لكنّ من اعتمد على نفسه وإمكانياته المحدودة والتي ليست سوى فضل من الله فقد خاب وخسر ونسيه الله وأوكله إلى نفسه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا هَلَكَ" [صحيح الترغيب(3170)].

 

ثانيا: انقطاع الرجاء فيما دون الله عز وجل، ولئن عرف الإنسانُ: أنَّ الله هو القوي. فقد تبددت أمام ناظريه كل العقبات، ومعنى القوة واسع فسيح ؛ فالقوة لله جميعاً، حتى القوة في الجمال، والقوة في العطاء، والقوة في العلم، وحتى القوة في الحكمة فأعلى الصفات المتعلِّقة بأسماء الله الحُسنى قد توصف بالقوة، فحينما تعلم علم اليقين أنَّ الله قويٌ متين تقطع الرجاء من غيره، فهذه قاعدة مهمةٌ جداً: كلما علقت الأمل على إنسان خاب ظنك لأن الله يغار أن تعلِّق الأمل بغيره، أن تعتمد على غيره، أن تنقاد إلى غيره، أن تريق ماء وجهك لغيره، فالمؤمن فيما بينه وبين الله ليبالغ في التذلل، أما فيما بينه وبين الناس فليبالغ في العزَّة، أنت مع الناس عزيزٌ، أما فيما بينك وبين الله ذليل تقطعت بك الأسباب، وهذا شأن المؤمن.

 

ثالثا : عدم الاغترار ولزوم التواضع ؛ أي أنَّ كل واحدٍ منا شاء أم أبى في قبضة الله دائماً، شعر أم لم يشعر، أحسَّ أم لم يُحس، أدرك أم لم يدرك، فعلى الإنسان ألا يغتر بقوته، فهي ليست إلا عطية من الله القوي له، وقد يسلبها منه متى شاء، لذا فالعبد مطالب أن يظهر ضعفه أمام ربه، وذلك كما يفعل الصالحون من عباد الله، فعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لَمَّا صَدَرَ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ. وَاسْتَلْقَى. ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ، وَلَا مُفَرِّطٍ" [موطأ مالك تحقيق عبد الباقي(10)]، فإنه لا حول للعبد مهما كان سلطانه، ولا قوة له مهما بلغ ملكه وغناه، إلا بالله صاحب القوة وواهبها، وهذا لا يتعارض مع حق الله أن يكون عباده أقوياء بالحق وفي الحق وبالحق، قال تعالى: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) [هود: 52].

 

فالأدب يحمل العبد بإظهار الضعف أمام ربِّه القوي، ومهما كان المرء غنياً أو قويا لابد من إظهار التواضع بين يدي القوي المتين،ويجب أن تظهر ضعفك أمام الله عزَّ وجلَّ، فهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه  كان يوماً على المنبر يخطب وهو أمير المؤمنين، فجأةً قطع الخطبة وقال: يا ابن الخطاب - يخاطب نفسه - كنت ترعى غنيماتٍ على قراريط لبني مخزوم. مع أن الكلام ليس له علاقة إطلاقاً بالخطبة، فلما نزل سأله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين ما حملك على ما قلت ؟!! قال: قالت لي نفسي وأنا أخطب أنت أمير المؤمنين، ليس بينك وبين الله أحد - أنت القِمّة - فأردّتُ أن أعرِّف نفسي حقيقتها، وهذا هو فقه المؤمن لربه ولنفسه.

 

اللهم ألزمنا كلمة التقوى، و اجعلنا من عبادك الصالحين، وعلمنا التواضع والإنابة والتوكل عليك يا ربنا في أمورنا كلها، إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير، قلت ما سمعتم وأستغفر الله.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العالمين، القوي المتين، الحق المبين، مرسل النبيين، وناصر المؤمنين، وهازم عروش الكافرين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وعلم المرسلين، وقدوة الداعين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد:

 

عباد الله: إن أنوار اسم الله المتين إذا أشرقت على قلوب العباد أضاءت لهم حوالك الطريق، وذللت لهم صعاب الحياة وخففت عنهم وحشة الدنيا، وعلى كل مؤمن ضعيف أو مهزوم أو مقهور مظلوم أن يفقه اسم الله المتين ويدعوه به حتى  يعينه ويقويه، ويمنحه ويعطيه، وأن يفرغ عليه صبرا ويخرجه من البلاء الذي وقع فيه.

 

وإن العبودية في ظل اسم الله المتين تتجلى في العديد من الصور الإيمانية والتعبدية والسلوكية من أهمها وأبرزها :

 

أولا :  صبر المؤمن على طاعة الله وثباته على منهجه في السراء والضراء، وقوة تحمله على واجبات الدين وعلى البلاء، ففي حديث صُهَيْبٍ رضي الله عنه أن رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلهُ خَيْرٌ وَليْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ " [مسلم (2999)]، فالمسلم الذي وحد الله في اسمه المتين صابر على دينه محتسب في إخلاصه، متمسك بحبل الله المتين ودينه القويم، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ" [صحيح الجامع (2246)]، أَي صلب شَدِيد (فأوغلوا) أَي سِيرُوا (فِيهِ بِرِفْق) من غير تكلّف وَلَا تحملوا أَنفسكُم مَا لَا تطيقون فتعجزوا وتتركوا الْعَمَل.

 

ثانيا: الوقوف على حقيقة النفس؛ فالإنسان كثيراً ما ينسى نفسه وضعفه وحاجته وافتقاره لخالقها، فيبارز ربه العداء ويجاهره بالمعاصي ويشرك به ما ليس له به علم، ويظاهر عليه ويعين على عصيانه، ويفسد في الأرض ويتكبر فيها، وقد قص لنا الله في كتابه عن أمم عتت عن أمره ورسله، فاستعظمت نفسها واستعرضت قوتها، فحاسبها المتين حساباً شديداً وعذبها عذاباً نكراً، فكانت آية وأصبحت عبرة، قال تعالى: ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58].

 

ثالثا : طلب العون والمدد من صاحبه الحقيقي ؛ حيث لا قوة للعبد على كل شيء حتى على طاعة الله تعالى إلا بقوته وتوفيقه، ولا حول ولا قوة له على اجتناب المعاصي ورفع شرور النفس إلا بالله تعالى، وقد نبه الشارع صلى الله عليه وسلم أمته إلى ذلك بقوله لعبد الله بن قيس :" يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، "قُلْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ " أَوْ قَالَ: " أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" [البخاري(6334)].

 

رابعا : الانكسار بين القوي المتين ؛ فإيمان العبد باسم الله المتين يثمر في العبد انكسارًا بين يدي الله، ويولد عنده خضوعًا لجنابه، وينتج عنده خوفًا منه سبحانه، ولجوءًا إليه وحده، وحسن توكل عليه، واستسلامًا لعظمته، وتفويض الأمور كلها إليه، والتبرؤ من الحول والقوة إلا به.

 

خامسا : الثناء على الله عز وجل بما هو أهله ؛ فالله سبحانه هو الناصر لرسله صلوات الله عليهم أجمعين، المعز لحزبه الموحدين، لأنهم نصروا دينه بقلوبهم وأقوالهم وأفعالهم فاستحقوا نصر ربهم ووعده الصادق، قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة: 21]، وقوله تعالى: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 129]، فالقوة لله تعالى جميعاً وحده لا شريك له، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره، فكل جبار عنيد وكل قوي متسلط وكل ظالم جائر فالله سبحانه فوقهم قوي متين.

فما أعظم هذه المعاني الإيمانية والصور التعبدية لظلال فقه اسمه عز وجل المتين.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أصلح نياتنا، وأصلح ذرياتنا، وأصلح أزواجنا، وأصلح ذات بيننا.

اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدلٌ فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وجلاء أحزاننا، وسائقنا وقائدنا إليك وإلى رضوانك والجنة جنات النعيم.

اللهم اجعلنا ممن اتبع القرآن فقاده إلى رضوانك والجنة، ولا تجعلنا ممن تبعه القرآنُ فزُجَّ في قفاه إلى النار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك أن تجعل القرآن العظيم لنا في الدنيا قريناً، وفي القبر مؤنساً، ويوم القيامة شفيعاً، وعلى الصراط سائقاً وقائداً، وإلى الجنة موصلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم نَفِّس كرب المكروبين، وأذهب همَّ المهمومين، واقضِ الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لوالدينا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اجزهم عنا خير الجزاء والإحسان، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك.

 

 

 

المرفقات

اليقين في فقه اسم الله المتين

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات